أزمات المنطقة العربية والأفريقية: هل يتجاهل الإعلام العالمي معاناة "الأطراف" لصالح "المركز"؟


هذا الخبر بعنوان "المركز والأطراف.. هل غياب وسائل الإعلام عن تغطية أزمات المنطقة صدفة؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ نوفمبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في ظل الأزمات الإنسانية المتفاقمة في المنطقة العربية والأفريقية، يبرز تساؤل حول غياب تغطية وسائل الإعلام العالمية لهذه الأزمات مقارنة بأزمات أخرى تحظى باهتمام أوسع. ففي الثاني من أكتوبر/تشرين الأول الجاري، أعلنت الأمم المتحدة عن تخصيص 160 مليون دولار أمريكي كمساعدات منقذة للحياة لـ 87 مليون شخص يواجهون أشد الاحتياجات الإنسانية في 12 أزمة منتشرة في دول مثل أفغانستان، بوركينا فاسو، الكاميرون، تشاد، كوبا، مالي، النيجر، فلسطين المحتلة، الصومال، جنوب السودان، اليمن، والسودان. هذا التوزيع يوضح أن المنطقة العربية والأفريقية تحتضن العدد الأكبر من أزمات العالم.
ويعاني اليمن والسودان من أوضاع مأساوية خلّفت ملايين اللاجئين والمحتاجين للمساعدات الإنسانية العاجلة. كما تتفاقم الأزمات السياسية والاقتصادية بشكل حاد في العديد من البلدان العربية، حيث تشير بيانات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لعام 2026 إلى مستويات غير مسبوقة من التضخم، وتفشي البطالة بين الشباب، وارتفاع حاد في مستويات الفقر. ولا تتوقف التحديات عند هذا الحد، بل تمتد لتشمل أزمات مائية وبيئية ضاغطة تهدد الأمن الغذائي والإستراتيجي للمنطقة.
لكنّ المتابع لوسائل الإعلام لا يرى إلا تكراراً لأزمات محددة، آخرها أزمة مضيق هرمز، وقضية فلسطين وما تعانيه من الاحتلال الإسرائيلي، وأزمة الحرب الروسية الأوكرانية، وأزمة غلاء أسعار الطاقة والغذاء والمواد الأساسية. حتى خوارزميات المنصات الرقمية، التي انتقلت من "اقتصاد الانتباه" إلى "اقتصاد البيانات"، ترسم فجوة كبيرة في توزيع التعاطف البشري مع الأزمات. فمعاناة السودان أو غيره من البلدان العربية والأفريقية غالباً ما تلاقي تجاهلا إعلامياً صارخاً.
أزمات في الميدان وأخرى في العالم الرقمي
إذا ركزنا على تداعيات الأزمات في المنطقة العربية، فسنجد أنها امتدت من الجبهات الميدانية إلى الفضاء الرقمي، حيث انتشرت موجات واسعة من الفيديوهات والصور المضللة التي نُسبت إلى أحداث في دول الخليج العربي، مما دفع الحكومات الخليجية إلى إصدار تحذيرات من تداول الشائعات والمقاطع المفبركة. وتعكس هذه التحذيرات إدراك الحكومات لخطورة الحرب المعلوماتية التي ترافق الأزمات في المنطقة، حيث تتحول المنصات التواصلية إلى بيئة خصبة لتداول محتوى غير دقيق أو مفبرك.
من جهة أخرى، نجد أن فيديو "أشبال أسود" لتجنيد الأطفال السودانيين في الحرب حصد أكثر من 1.6 مليون مشاهدة قبل حذفه، في حين لقي فيديو الشاب السوداني جدو جبارة يوسف -الذي وثق لحظات أخيرة قبل موته عطشاً بصحراء النزوح من بلده- انتشاراً محدوداً دون صدى إعلامي عالمي. بالمقابل، تصدر فيديو حول نصائح تجميلية نشرته الشابة الأمريكية من أصل سوداني "نيادوللي" قائمة أكثر مقاطع تيك توك مشاهدة في 2023 بأكثر من 500 مليون مشاهدة.
التغطية الإعلامية.. أرقام وفبركات
قد تتساءل: هل للجغرافيا دور في تضخيم التغطية الإعلامية لمسألة ترفيهية على حساب معاناة إنسانية حقيقية؟ وهل ما ينتجه "المركز" له السبق والانتشار الصحفي على ما يعيشه "الأطراف" من مآسٍ صعبة؟ خلصت دراسات إعلامية ومراكز بحثية عدة إلى أن التغطية الإعلامية لأزمات العالم العربي وأفريقيا تعاني قلة الاهتمام وضعف الكم والتغطية الميدانية، مع التركيز على الجانب السياسي والعسكري. كما بيّنت الأبحاث أن التغطية الدولية لأزمة السودان -مثلاً- بلغت ذروتها في أبريل/نيسان 2023 بنحو 7 آلاف مقال نشرتها قرابة 3 آلاف مؤسسة في 70 دولة، لكنّ التغطية تراجعت بعد النصف الأول من 2024 إلى نحو 600 مقال شهرياً فقط. في المقابل، حافظت تغطية حربي أوكرانيا وغزة على متوسط يتجاوز 100 ألف مقال شهرياً.
لا يعني ضعف التغطية غياب أهمية الأزمات العربية والأفريقية، بل تكشف أن اهتمام الإعلام الدولي وحتى العربي لا يتناسب دائماً مع حجم الكوارث الإنسانية. فالحرب السودانية خلّفت أعداداً كبيرة من النازحين واللاجئين، وأزمات في الغذاء والصحة والتعليم، ومع ذلك بقيت ولا تزال خارج مركز الأجندة الدولية. بالمقابل، لا تزال المنصات الرقمية تعج بفيديوهات تركز على الأطفال أو المرأة، أو تروج لفيديوهات مولدة بالذكاء الاصطناعي بغرض تحقيق أهداف محلية أو إقليمية أو دولية.
التغطية الإعلامية بين العاطفة والتجاهل
ترسم البحوث والتقارير العربية والدولية صورة رمادية لتغطية الإعلام العربي لأزمات السودان واليمن وغيرهما من الدول العربية والأفريقية، إذ تركز على البعد العاطفي بإبراز المآسي الإنسانية اليومية وصور النزوح ومعاناة الفئات الأكثر ضعفاً كالأطفال والنساء، مما يضفي صبغة وجدانية عاطفية على المادة الإعلامية المقدمة للمشاهد العربي. وتشير تلك البحوث إلى أن تغطية الإعلام العربي تتأثر بما تتميز به المنطقة من روابط قومية وثقافية ودينية مشتركة، مما يجعله يركز على التعاطف أكثر من الفهم والتحليل. لكنّ هذه التغطية قد تتحول إلى أدوات للتعبئة وحشد الرأي العام المحلي أو الإقليمي، وتتأثر أيضاً بتباين الأولويات السياسية المحلية والإقليمية والدولية.
وتتأثر تغطية الإعلام العربي بصراعات ومصالح الأطراف الداخلية وعلاقاتها بالدول الإقليمية والدولية. ففي أزمة السودان، مثلاً، تركز وسيلة إعلام محلية أو عربية على طرف في الأزمة دون الطرف الآخر، وتقتصر على تصريحات القادة العسكريين والسياسيين دون غيرهم، وتضخم حدثاً لتحقيق أهداف مصالح سياسية أو ميدانية.
أما الإعلام الغربي، فيتعامل مع الأزمات العربية والأفريقية من منظور آني وحقوقي سياسي، حيث لا يقوم في تغطياته بتحليل جذور الأزمات، أو تتبع أطرافها، أو توثيق انتهاكات حقوق الإنسان بغرض استخدامها أدلة تدين أطراف الأزمة الداخليين والخارجيين أمام المؤسسات الدولية. كما يغلب على تغطية الإعلام الغربي استحضار المصالح الإستراتيجية لبلدانه على حساب مصالح دول وشعوب المنطقة العربية والأفريقية، مما يدفع نشطاء ومنظمات مستقلة في الغرب إلى استغلال المنصات الرقمية والساحات الميدانية المفتوحة لتجاوز التعتيم أو التهميش الإخباري لكثير من الأزمات.
لماذا تغيب أزمات المنطقة عن الإعلام العربي؟
تعود تفاصيل التفاوت في تفاعل الإعلام العربي مع أزمات السودان واليمن وغيرهما إلى عوامل داخلية عدة، أبرزها: انشغال الإعلام وبالتالي الناس بالقضايا المصيرية الكبرى كالقضية الفلسطينية أو أزمة مضيق هرمز. تعدد وتداخل المشكلات والأزمات والقضايا في كل دولة من البلدان العربية والأفريقية. تشتت بلدان المنطقة وانشغال كل دولة بمصالحها الذاتية على حساب المصالح العامة المشتركة. معاناة أزمات السودان واليمن وليبيا من الاستقطاب السياسي المحلي والإقليمي والدولي. غياب أو ضعف المبادرات من شخصيات وجمعيات مدنية تقترح أو تقود حلولاً للأزمات. ضعف البنية التحتية للإعلام المحلي في بلدان الأزمات، وتعرض الصحفيين لمخاطر أمنية. اهتمام الإعلام العربي بشؤون ومصالح دول المركز وتجاهل مشكلات ومصالح دول الأطراف العربية والأفريقية. طغيان الصور النمطية السلبية عن البلدان العربية والأفريقية، ووجود فجوة معرفية وثقافية بين هذه البلدان.
كل هذه العناصر تجعل التعاطف العربي غالباً عاطفياً وموسمياً تحركه مقاطع فيديو صادمة أو كوارث كبرى، ويفتقر إلى الفهم العميق للتشابكات الجغرافية والثقافية والسياسية والاقتصادية، وهو أمر تعززه قلة تغطيات الإعلام العربي لهذه الأزمات، كما ترسخه خوارزميات المنصات بتتبع أرقام المشاهدات واللايكات على حساب نقل الأحداث وفهمها وتحليلها.
العوامل الخارجية في غياب الاهتمام بأزمات المنطقة
تعود ظاهرة تهميش أو تفاوت التفاعل مع أزمات العالم العربي وأفريقيا إلى عوامل خارجية دولية عدة. منها: النظر إلى المنطقة العربية والأفريقية بوصفها ساحة جغرافية قائمة على الفوضى والتوترات والحروب الأهلية، ولهذا لا يهتم الإعلام الغربي بإرسال صحفيين أو تعيين مراسلين محليين لتغطية أزمات المنطقة. بالمقابل، تحظى المناطق الجغرافية القريبة من مركزه الغربي بتغطية إعلامية كبرى. النظر إلى الأزمات الأفريقية بأنها شأن محلي لا قضايا دولية، وتغليب التغطية العسكرية على الجوانب الأخرى الإنسانية والاقتصادية والثقافية. اعتماد وكالات الأنباء ومؤسسات الإعلام والمنصات الغربية على أولويات تخدم المصالح الإستراتيجية والسياسية والاقتصادية والثقافية للدول الكبرى المركزية، مما يجعل الأزمات المهددة للأمن الغربي أو أسواق الطاقة أو التجارة تستحوذ على التغطية الأوسع والأطول، في حين تصنف أزمات السودان واليمن وغيرهما ضمن "الأزمات المزمنة" التي يكتفي الإعلام بنشر أخبار عابرة عنها دون عمق تحليلي.
هل للذكاء الاصطناعي حدود؟
تؤكد دراسات عربية وغربية أنه بدلاً من أن يكون الذكاء الاصطناعي أداة لكسر احتكار الإعلام التقليدي ونقل صوت المنسيين، تحولت خوارزمياته وأنظمته إلى أدوات تعكس وتضخم التحيزات لدول المركز. حيث يعمل الذكاء الاصطناعي وخوارزميات التوصية في المنصات الرقمية وحتى الإعلامية على تعزيز المحتوى الذي يحقق معدلات نقر وتفاعل سريعة، بدل توسيع مجالات التغطية الإعلامية. وبما أن الأزمات في السودان أو اليمن أو غيرهما من البلدان العربية والأفريقية تعتمد في البداية على جهود فردية ومقاطع عشوائية في الغالب، فإن الخوارزميات لا تمنحها الدعم المستمر مقارنة بالمحتوى المدعوم بحملات ممولة أو محتوى مسنود من دول كبرى، مما يسهم في دفع تلك الأزمات نحو العزلة الإعلامية والرقمية بعد مدة وجيزة من الترند.
في حين تلاقي أزمات الغرب العسكرية والسياسية والاقتصادية وحتى مشاكله الفنية والثقافية والاجتماعية تغطية واسعة واستنفاراً خوارزمياً كبيراً، مما يدفع إلى التساؤل: هل ترسم الجغرافيا والعرق حدوداً في العالم الرقمي؟ وهل يكرس الذكاء الاصطناعي هو الآخر هذه الحدود؟!
توضح التقارير العربية والدولية أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي تتحيز في نقل بعض المعلومات وفهمها وتحليلها وفق رؤية المركز وليس وفق ما يتوفر من معطيات من أطراف عدة. كما أنها تصنف المستخدمين وفق اهتماماتهم السابقة، فإذا لم يكن المستخدم مهتماً مسبقاً بأزمات أفريقيا والمنطقة العربية، فلن تقترح عليه هذه الخوارزميات فيديوهات من السودان أو اليمن أو غيرهما، مما يخلق حواجز رقمية تعزل تماماً قضايا الأطراف العربية والأفريقية عن عيون جمهور المركز أو الغرب. وقد أشارت دراسات عديدة درست التغطيات الإعلامية الدولية لأزمات وصراعات كبرى مثل الحرب في أوكرانيا مقابل حروب المنطقة العربية وأفريقيا، إلى إشكاليات تُعرف بـ"تراتبية الضحايا"، حيث يميل الجمهور ووسائل إعلام غربية إلى التفاعل تفاعلاً أكبر وأعمق مع الضحايا الذين يتماثلون معهم ثقافياً وعرقياً وجغرافياً. بالمقابل، يتم النظر إلى أزمات أفريقيا والعالم العربي عبر عدسة عرقية مبسطة مثل تصوير الحروب بالمنطقة على أنها صراعات أهلية أزلية بين إثنيات متناحرة، فيتم نزع سياقها السياسي والاقتصادي والاستعماري الحقيقي. وهذا التأطير الإعلامي الجغرافي والعرقي يوحي للجمهور بأن العنف ببعض المناطق العربية والأفريقية أمر "طبيعي" أو "متوقع"، مما يقلل من إحساسه بمسؤولياته للقيام بدور لحل الأزمات.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة