قطر
ثقافة

الفن اليمني في عين العاصفة: فنانون يكشفون عن ثمن مواقفهم في زمن الحرب

الجزيرة١٢ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٦:٠٤ م0 مشاهدة
الفن اليمني في عين العاصفة: فنانون يكشفون عن ثمن مواقفهم في زمن الحرب

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الفن في زمن الحرب.. فنانون يمنيون يروون ثمن الموقف" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في ظل ظروف الحرب القاسية التي يعيشها اليمن، يروي الفنان عامر البوصي وزملائه كيف تحول الفن إلى ساحة للمواجهة والتعبير عن الواقع المرير. يقول البوصي: "اليمني كان يعيش الفقر والحاجة والظروف الصعبة، لكنه كان رافع الرأس. أما أن تأتي جماعة لتسلبه حريته وكرامته، فهذا لا يمكن قبوله". هذا الموقف الرافض لجماعة الحوثي شكل الدافع الأساسي لرسالته الفنية والإعلامية، مؤكداً أنه فعل ما رآه واجباً دون الاكتراث بمن يقبله أو يرفضه.

منذ بدايات الحرب، اتخذ البوصي من الفن وسيلة لمقاومة الحوثيين وتسليط الضوء على تداعيات الصراع على المجتمع اليمني. تناولت أعماله قضايا متنوعة شملت القصف، الحصار، الفقر، نقص الأدوية والأكسجين، الشائعات، التعليم، وتفاصيل الحياة اليومية في تعز. في مسلسل "حالتي حالة"، جسّد آثار القصف والحصار على المدينة، وما صاحبهما من تجويع ونقص في الاحتياجات الأساسية، بالإضافة إلى استغلال بعض المنظمات للمواطنين. أما المسلسل الإذاعي "قالوا يقولوا"، فقد ركز على مواجهة الشائعات التي يروجها الحوثيون، وحث المجتمع على دعم المقاومة والجيش الوطني. استمر البوصي في هذا النهج عبر مسلسلات أخرى مثل "الجحملية" بجزأيه، و"العالية"، و"ممر آمن"، و"ربيع المخا"، و"الجمرة"، و"الشيخ بطيشان"، والتي تناولت ممارسات الحوثيين وقضايا مجتمعية أخرى.

يعتبر البوصي هذه الأعمال الدرامية انعكاساً لموقفه "فنان مقاومة". ومع ذلك، يعبر عن استيائه من "تهميش مهني" تعرض له بسبب موقفه السياسي، مما أبعده عن الشاشة التي عرفه الجمهور من خلالها. يقول: "أنا اليوم مغيب عن الشاشة منذ ثلاث سنوات. وقبل أشهر سافرت إلى مصر بسبب مرض زوجتي بورم في الدماغ، ولم يتواصل معي أحد أو يسأل عني.. هل هذا هو الجزاء الذي يستحقه الفنان الذي وقف مع قضيته؟". رغم ذلك، يؤكد تمسكه بموقفه وهويته الفنية، معلناً: "أنا ما زلت عامر، وما زلت الثائر والمقاوم، والمنشد والمؤلف والممثل، وصاحب الكلمة التي أؤمن بها".

على مدى سنوات، شارك البوصي في أعمال فنية ومسرحيات وعروض ميدانية في تعز وعلى الجبهات. إلا أن المشهد بدأ يتغير نحو عام 2020، مع ضغوط ورسائل وصفها بأنها "مغلفة"، حيث تواصلت شخصيات نافذة مع مسؤولين في قنوات كان يتعاون معها، مطالبة بإبعاده عن الأعمال ذات الطابع السياسي. ظهر أثر هذه التدخلات في طبيعة الأدوار المعروضة عليه وفرص تعاونه مع القنوات والمنتجين.

من جانبه، يرى عبد الخالق سيف، مدير مؤسسة صروح الثقافية والمدير السابق لمكتب الثقافة في تعز، أن سنوات الحرب الأولى دفعت العديد من الفنانين إلى تجنب إعلان مواقف صريحة خشية خسارة جمهورهم. سعى معظم النجوم إلى الحفاظ على مساحة مشتركة مع الجمهور، وفضلوا أعمالاً رمزية. شهدت الدراما اليمنية تعافياً بعد عام 2018، واتجه جانب من النشاط الفني إلى الإعلانات. ومع مرور الوقت، تعززت ثقة الفنانين بجمهورهم، واتسعت قدرتهم على تناول الحرب والحصار وممارسات أطراف الصراع بوضوح أكبر. يربط سيف هذا التحول بتصاعد المواجهة، مشيراً إلى أن أحداثاً مفصلية دفعت فنانين، خصوصاً في تعز، إلى إعلان مواقفهم والتعبير عن قضايا الناس من خلال أعمالهم، مثل حسام الشراعي، ومحمد الأموي، وفهد القرني، ومحمد هلال، وعبدالخالق الصيت، ومحمد الزرقاوي. ويرى أن الفن أصبح أكثر ارتباطاً بقضايا المجتمع، والفنانون أكثر استعداداً لتحمل تبعات مواقفهم.

في المقابل، يشير سيف إلى فنانين يتبنون مواقف مغايرة ويقدمون أعمالاً تتوافق مع خطاب الحوثيين، مما يعكس حدة الانقسام داخل الوسط الفني اليمني. مع تجدد التصعيد العسكري، أعلن فنانون رفضهم لجماعة الحوثي بعدما كانوا يتجنبون اتخاذ مواقف سياسية صريحة. شكل قصف كلية الطب في تعز في 6 سبتمبر/أيلول 2026 مناسبة عبّر خلالها فنانون عن استنكارهم. يقول الفنان حسام الشراعي: "كنت أعتقد بعد الهدنة أن الأمور ستمضي إلى ما كانت عليه، وأن خارطة الطريق ستنفذ، فقلت لا داعي للدخول في السياسة، لأبقى فنانا". لكنه يوضح أن هذا الخيار تغير حين شعر بخطر حقيقي، مضيفاً: "خاصة أن هذه الجماعة لا تقبل برأي أحد ولا بحرية أحد، وتريد أن تستعبد الجميع".

رغم تجنبه الانخراط في السياسة بعد الهدنة، يؤكد الشراعي أن موقفه من الحوثيين ليس جديداً، ويربط انتقاله من صنعاء إلى تعز عام 2016 بمواقف سبق أن عبّر عنها في كتاباته وقصائده. يبدي تفهماً لصمت بعض الفنانين، ويعزوه إلى الخوف من الإجراءات الأمنية والملاحقة في مناطق سيطرة الحوثيين، مستحضراً قضايا طالت فنانين وشخصيات عامة، مثل اعتقال المغني خليل فرحان في ذمار، وقضية الممثلة انتصار الحمادي، وما تعرض له أحمد حجر وأحمد علاو وآخرون.

لا تقتصر كلفة الموقف السياسي، بحسب الشراعي، على تبعاته الأمنية، بل تمتد إلى فرص العمل والإعلانات والعلاقات التجارية. يواجه بعض الفنانين في مناطق سيطرة الحوثيين صعوبات بالغة في المشاركة بأعمال درامية تُنتج خارجها، بينما يخسر آخرون في تعز فرصاً إعلانية بسبب تردد تجار في التعاقد معهم. يختصر هذه المعادلة بقوله: "لكل شيء ثمن".

احتضنت تعز خلال سنوات الحرب فنانين وشركات إنتاج وقنوات تلفزيونية، مما أسهم في إتاحة فرص جديدة للفنانين وبروز أسماء تصدرت المشهد الدرامي، رغم صعوبات التمويل والإعلانات والانقسام الجغرافي. يرى الشراعي أن علاقة الفنان بجمهوره في تعز ترتبط ارتباطاً وثيقاً بموقفه من الأحداث؛ فالجمهور ينتظر منه أن يكون جزءاً من نسيجه الاجتماعي، وأن يتفاعل مع القضايا التي تمس حياته. ويربط مسؤولية الفنان بالدفاع عن فنه وحرية التعبير، قائلاً: "دور الفنان هو أن يدافع عن فنه كما هو دور المقاتل أن يدافع عن وطنه، وكلنا في خندق واحد".

تكشف هذه الشهادات جانباً من واقع الفن اليمني خلال الحرب؛ إذ تتداخل فرص العمل مع المواقف السياسية، ويواجه الفنانون خيارات صعبة بين التعبير عما يؤمنون به والحفاظ على مصادر رزقهم وسلامتهم.

شارك الخبر: