قطر
ثقافة

اليمن السعيد: كيف شكلت الجغرافيا والتاريخ هوية بلد عانى من الحروب؟

الجزيرة١٢ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٥:٢٥ م0 مشاهدة
اليمن السعيد: كيف شكلت الجغرافيا والتاريخ هوية بلد عانى من الحروب؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "اليمن السعيد.. كيف صنعت الجغرافيا والتاريخ هوية بلد أنهكته الحروب؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تناول بودكاست (ديوان أثير) في حلقة بعنوان “اليمن السعيد.. خريطة لفهم أعقد بلاد العرب” تاريخ اليمن وتنوعه الجغرافي والاجتماعي والمذهبي، وتأثير الصراعات السياسية والحرب مع الحوثيين في مسار بناء الدولة. وخلال الحلقة التي بثتها منصة "أثير" على يوتيوب، قدّم الكاتب والباحث اليمني نبيل البكيري قراءة في جذور الأزمات الراهنة وخصائص الشخصية اليمنية وتحولات المجتمع عبر التاريخ.

وقال البكيري إن الصورة التي ارتبطت باليمن خلال السنوات الأخيرة -بوصفه بلدا للحرب والأزمات الإنسانية والصراع السياسي- تختزل تاريخا طويلا من الحضور الحضاري، مشيرا إلى أن اليمن لم يكن هامشا في تاريخ العرب، بل مثّل مركزا حضاريا وتجاريا مهما، قبل أن تؤدي عوامل تاريخية وسياسية إلى تراجع دوره وانقطاع صلته بمسار التطور في المنطقة.

وأوضح البكيري أن التنوع الجغرافي والمناخي في اليمن -من الصحارى والجبال إلى السهول والسواحل الممتدة أكثر من 2500 كيلومتر- انعكس على تكوين المجتمع وتعدد أنماط الحياة فيه، وهو ما يجعل من الصعب اختزال الشخصية اليمنية في نموذج واحد. وأضاف أن نسبة كبيرة من السكان تعيش في الأرياف، وهو ما أسهم تاريخيا في تباعد التجمعات السكانية وتفاوت مستوى اتصالها بمؤسسات الدولة والخدمات العامة. ولفت إلى أن التاريخ اليمني القديم عرف دولا وممالك متعددة، مثل سبأ وحمير ومعين وحضرموت ، بما يعكس وجود تقاليد سياسية وحضارية تتجاوز الصورة النمطية التي تحصر المجتمع اليمني في البنية القبلية. ورأى أن فكرة الأقاليم ليست جديدة، بل ترتبط بالتنوع التاريخي والثقافي والاقتصادي للمناطق اليمنية، وأن أي تصور لتقسيم إداري يحتاج إلى مراعاة هذا التنوع دون تحويله إلى عامل انقسام.

غياب الدولة وأزمة الهوية

وربط البكيري تضارب تقديرات عدد سكان اليمن -التي تتراوح بين نحو 35 مليونا وأكثر من 43 مليونا- بغياب الإحصاءات الرسمية الحديثة وضعف مؤسسات الدولة وعدم الاستقرار السياسي. وأشار إلى أن آخر تعداد سكاني رسمي يعود إلى عام 2004، وفق حديثه، وأن صعوبة الوصول إلى مناطق ريفية واسعة تجعل التقديرات السكانية عرضة للتفاوت. وأضاف أن غياب الخدمات الأساسية في أجزاء واسعة من الريف، بما فيها الطرق والمستشفيات وأنظمة تسجيل المواليد، يعكس محدودية حضور الدولة في حياة المواطنين. ورأى أن السلطات التي تعاقبت على حكم اليمن لم تنجح في بناء مؤسسات مستقرة قادرة على ترسيخ مفهوم الدولة، وهو ما أبقى المجتمع معتمدا بدرجات متفاوتة على البنى المحلية والقبلية. وقال إن الأزمة اليمنية ترتبط أيضا بعدم التوصل إلى عقد سياسي جامع خلال العقود الماضية، إذ تكررت الأزمات والانقلابات والحروب، من دون تراكم مؤسسي يضمن الاستقرار واستمرار العملية السياسية. وحذر من أن عودة أنماط الحكم القائمة على الامتيازات المذهبية والحق الوراثي في السلطة تهدد فرص بناء دولة تقوم على المواطنة.

اختلاف التجارب الاجتماعية

وتحدث البكيري عن نشأته في ريف تعز، مشيرا إلى أن تجربته عكست جوانب من آثار ثورة 26 سبتمبر/أيلول، خصوصا في انتشار التعليم، إذ أسهم الأهالي في بناء مدارس لم تكن الدولة قادرة على توفيرها. ورأى أن تعز اكتسبت مكانتها بوصفها عاصمة ثقافية من دورها في الحركة الوطنية وقدرتها على استيعاب أبناء مناطق يمنية مختلفة، وهو ما عزز الانتماء إلى المدينة والمجتمع المدني على حساب الولاءات المناطقية والقبلية. وفي المقابل، قال إن صنعاء مدينة ذات طابع مدني، لكن محيطها القبلي ظل متأثرا بسياسات السلطات التي اعتمدت على موازين القوى والولاءات، بدلا من تعزيز التحول نحو المجتمع المدني. واستشهد بتجربة عمله مدرسا في منطقة عمران، إذ اكتشف أن طلابا غادروا المدرسة لتسلم رواتب مسجلين بموجبها في كشوف الجيش، واصفا ذلك بأنه مثال على توظيف مؤسسات الدولة في إدارة الولاءات القبلية.

التاريخ واستئناف بناء الدولة

وفي قراءته للخريطة المذهبية، رفض البكيري اختزال اليمن في ثنائية زيدية وشافعية، مؤكدا أن هذه التصنيفات لا تفسر وحدها طبيعة المجتمع أو الصراع الراهن. وأوضح أن اليمنيين عاشوا فترات طويلة من التعايش، وأن المناهج التعليمية الجمهورية لم تكن قائمة على تقسيم مذهبي واضح. وأشار إلى ما وصفه بمدرسة الإصلاح والتجديد اليمنية، التي ارتبطت بعلماء مثل محمد بن إسماعيل الوزير والصنعاني والشوكاني، ورأى أنها أسهمت في تشكيل أفكار الحركة الوطنية المناهضة للإمامة. وفي المقابل، قال إن توظيف فكرة الحق الإلهي في الحكم ضمن النظرية الإمامية أسهم في إعاقة تطور الحياة السياسية، وربط هذا الإرث بصعود جماعة الحوثي، مع التمييز بين الجماعة والمجتمع الزيدي الأوسع. وشدد البكيري على أن الحرب اليمنية لا يمكن تفسيرها بوصفها صراعا مذهبيا خالصا، مشيرا إلى استمرار الروابط الاجتماعية والتنقل بين مناطق البلاد المختلفة رغم الانقسام السياسي والعسكري. وعزا جانبا من قدرة المجتمع على احتواء العنف إلى الأعراف القبلية التي تنظم النزاعات وتضع قيودا على استهداف المدنيين وبعض الفئات. واستعاد البكيري محطات من الحركة الوطنية، بدءا من ثورة فبراير/شباط 1948 الدستورية، مرورا بثورة 26 سبتمبر/أيلول 1962، وصولا إلى دور عدن في احتضان المعارضين والصحافة والمنتديات والدعم العربي الذي أسهم في نجاح الثورة. وأكد أن استعادة مكانة اليمن لا تتحقق بمجرد استحضار أمجاد الماضي، بل ببناء توافق سياسي جديد ومؤسسات مستقرة تضع حدا لدورات الصراع المتكررة، وتفتح المجال أمام التنمية والنهضة واستئناف المسار الحضاري للبلاد. المصدر: الجزيرة

شارك الخبر: