سرعة المشي في المدن: كيف تغيرت علاقتنا بالشوارع وتأثير ذلك على حياتنا الاجتماعية؟


هذا الخبر بعنوان "لماذا نمشي أسرع في المدن؟ وكيف تغيرت علاقتنا بالشوارع؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٥ نوفمبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
هل لاحظت يومًا كيف تبدو حركة المارة في الأفلام القديمة أبطأ وأكثر هدوءًا مقارنة بإيقاع الحياة المتسارع اليوم؟ يبدو أن وصف المدن بأنها سريعة الإيقاع ليس مجرد تعبير مجازي. فقد كشفت دراسة حديثة شارك فيها باحثون من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) ونُشرت في مجلة "وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم" (Proceedings of the National Academy of Sciences) عام 2025، عن زيادة ملحوظة في متوسط سرعة المشي بنسبة 15% في أربعة مواقع عامة بثلاث مدن أمريكية كبرى (نيويورك، بوسطن، وفيلادلفيا) بين عامي 1980 و2010. اعتمدت الدراسة على مقارنة مقاطع فيديو تم تصويرها في نفس المواقع خلال الفترتين الزمنيتين.
تاريخيًا، كان المشي وسيلة تنقل أساسية في بريطانيا، حيث شكل حوالي 60% من رحلات الذهاب إلى العمل بين عامي 1890 و1899. لكن هذه النسبة تراجعت بشكل كبير لتصل إلى حوالي 8% بعد قرن من الزمان. ولم يقتصر هذا التراجع على رحلات العمل فحسب، بل انخفضت حصة المشي من إجمالي الرحلات من 35% في 1975-1976 إلى 27% في عام 2018، على الرغم من أنه ظل ثاني أكثر وسائل التنقل شيوعًا. ومع هذا التراجع، قد نفقد ما هو أبعد من الفوائد البدنية للمشي؛ فهو يمثل فرصة لاكتشاف تفاصيل محيطنا والتواصل مع الآخرين، بعيدًا عن عجلة الحياة اليومية.
تشير نتائج الدراسة إلى تحول في طريقة استخدام المساحات العامة، حيث أصبحت تلعب دورًا أكبر كممرات للعبور ودورًا أقل كأماكن للقاء والتفاعل. في الفيديوهات الحديثة، ظلت نسبة الأشخاص الذين يسيرون بمفردهم ثابتة تقريبًا، لكن اللقاءات التي تتشكل منها مجموعات في هذه المساحات قد تراجعت. بالإضافة إلى زيادة سرعة المشي، لوحظ تراجع في التوقف والتمهل في الأماكن المدروسة. وفي الفيديوهات القديمة، كانت فرص تبادل النظرات وبدء الأحاديث والالتقاء بالمعارف أكثر وضوحًا، بينما اتسمت الحركة في الفيديوهات الأحدث بالسرعة وقلة التفاعل.
قد يؤثر هذا التحول في دور الشوارع والمساحات العامة على دعم التواصل الاجتماعي، لكنه لا يكفي وحده للحكم على تراجع الروابط الاجتماعية في المدن ككل. يطرح الباحثون تفسيرات محتملة لهذا التغير، منها انتشار الهواتف الذكية التي تسهل ترتيب اللقاءات مسبقًا، وزيادة عدد المقاهي والأماكن المغلقة التي قد تنتقل إليها اللقاءات. ومع ذلك، لم تحسم الدراسة سببًا واحدًا لهذه التغيرات.
في العصور القديمة، كان المشي نشاطًا يوميًا للترفيه ووسيلة أساسية للتنقل، وكانت الشوارع تعج بالمشاة من مختلف الطبقات الاجتماعية. لكن بيئة المدن تغيرت، وأعيد تنظيم العديد من الشوارع لتناسب حركة المركبات، مما قد يحد من حركة المشاة ويقلص المساحات المتاحة لهم. ترتبط سرعة المشي في المدن بعوامل متعددة، منها طبيعة المكان، والغرض من الرحلة، وضغط المواعيد. ويقترح الباحثون أيضًا احتمال ارتباط السرعة بارتفاع قيمة الوقت اقتصاديًا، مما يجعل التمهل أكثر تكلفة للبعض.
في كتابه "المشي: فلسفة"، يصف فريدريك غرو كيف أن المشي في المدينة يتخذ إيقاعًا معرقلًا وغير منتظم، حيث يصبح الحشد جمهورًا كادحًا مشغولًا، وكل فرد يسعى للوصول بأسرع طريقة، مما يجعل الآخرين يبدون كعقبات. في المدن الصناعية، يتحول الحشد إلى منافس يشعر فيه كل فرد بالغربة.
مع تراجع ممارسة المشي لأسباب مختلفة، تتناول المزيد من الدراسات مفهوم "قابلية المشي" (Walkability)، الذي يجعل التنقل سيرًا على الأقدام سهلاً وجذابًا. لا يقتصر الأمر على توفر الأرصفة الآمنة والمظللة والمضاءة جيدًا، بل يشمل أيضًا أن تكون تجربة المشي مريحة وممتعة، وتوفر الحماية والراحة والاستمتاع. في دراسة نُشرت عام 2021 في مجلة "لاند" (Land)، لاحظ الباحثون تأثيرًا كبيرًا للخصائص البيئية على سرعة المشي. تزداد السرعة في الأماكن التي تفتقر إلى المساحات الخضراء، بينما تتباطأ الخطوات في المناطق المزينة بالأشجار. المناطق التي أعجبت المشاركين شهدت تباطؤًا في خطواتهم، بينما تسارعت في البيئات المزعجة بسبب الزحام أو الضوضاء، أو في المناطق القبيحة.
تظل الطبيعة العامل الأكثر تأثيرًا، حيث تمنحنا مشاعر إيجابية ورغبة في الانسجام مع البيئة المحيطة. وعندما يكون العكس، تزداد الرغبة اللاواعية في مغادرة المكان. يسرع الناس في الأماكن التي لا يرغبون في مراقبتها أو الاندماج فيها، ويتباطأون في الأماكن ذات التصميم المعماري المريح والعناصر الطبيعية الجذابة. ما يوفر الاستمتاع هو حيوية الشارع وقدرته على جعل العابرين يفهمون النسيج الحضري للمدينة، وأن تحكي الممرات والمعالم قصة يمكن استيعابها. فالمشي هو النشاط الذي يشعرنا بتملك المدينة والرغبة في التقارب من قاطنيها والمشاركة في حياتها الحضرية.
منوعات
منوعات
منوعات
منوعات