مخيمات دارفور: شهادات الناجين تروي فصول المأساة والدمار في زمزم وأبو شوك والسلام


هذا الخبر بعنوان "مخيمات زمزم وأبو شوك والسلام في دارفور.. "من نجا عليه أن يروي"" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ نوفمبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في منزل متواضع بمدينة أم درمان، يجلس حسن صابر جمعة، رئيس الإدارة العليا لمخيم زمزم، على كرسي خشبي بسيط. يبحث في هاتفه عن صورة واحدة من زمزم، المخيم الذي كان يؤوي مئات الآلاف على بعد نحو 15 كيلومترا شمال مدينة الفاشر. لكن هاتفه القديم سُرق، وضاعت معه كل الصور التي التقطها لعشرين عاماً. لم يبقَ لديه سوى ما يحمله في ذاكرته وذاكرة من عاشوا فيه، وجدران منزله فارغة لا تحمل أي صورة. كان المخيم أشبه بمدينة صغيرة مؤقتة استمرت عقدين من الزمن. لم يكن زمزم وحده، بل جاوره مخيم أبو شوك على أطراف الفاشر، الذي كان يضم أكثر من 190 ألف نازح وسوقاً خاصة عُرفت باسم "سوق نيفاشا". وإلى الشمال الشرقي من الفاشر، كان مخيم السلام يؤوي أكثر من 128 ألف نازح. وشكلت المخيمات الثلاثة أكبر تجمع للنازحين في دارفور.
ذاكرة نزوح
أنشئ مخيم زمزم عام 2003 على مساحة رملية جنوب الفاشر، واستقبل أجيالاً من النازحين الفارين من الحرب الأولى في دارفور. كان المخيم يعج بالحياة؛ سوقه الرئيسية تفتح أبوابها يومياً، وبائعو الذرة يفرشون بسطاتهم مع خيوط الفجر الأولى، والأطفال يتوجهون إلى المدارس، والنساء يتجمعن عند الآبار. يروي مختار موسى، أحد شهود ما جرى في مخيم زمزم، كيف تحول المخيم من مدينة تنبض بالحياة إلى مكان يعجز سكانه عن العثور على ما يسد رمقهم، ثم إلى ساحة تُقتل فيها العائلات وتُحرق المنازل. كان الحصار مطبقاً قبل الهجوم، ومنعت السلع من الوصول إلى السكان حتى نفدت المؤن تماماً، واضطر الناس إلى تناول علف الحيوانات، بما في ذلك قشور الفول السوداني. تصف أم كلثوم علي صالح، وهي نازحة من زمزم، الأشهر التي سبقت الهجوم بأنها الأصعب، مشيرة إلى أن الحصار حال دون الدخول والخروج، ومنع وصول السلع والإمدادات. كانت تخرج كل صباح بحثاً عن أي طعام لأطفالها، وشاهدت نساء يطبخن العشب ويخلطن الطين بالدقيق لصنع ما يشبه الخبز. ترى أن الحصار لم يكن مجرد إجراء عسكري، بل مهّد لما حدث في 11 أبريل/نيسان 2025، حين تعرض المخيم لهجوم واسع النطاق.
ليلة الانهيار
في 11 أبريل/نيسان 2025، سيطرت قوات الدعم السريع على مخيم زمزم في هجوم استمر ثلاثة أيام. يوثق تقرير لمكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان مقتل ما لا يقل عن 1013 مدنياً خلال الهجوم، بينهم 319 أُعدموا بإجراءات موجزة، بعضهم داخل منازلهم، وآخرون في السوق الرئيسية والمدارس والمرافق الصحية والمساجد. ووفق التقرير الأممي، تعرض ما لا يقل عن 104 ناجين، بينهم 75 امرأة و26 فتاة و3 فتيان، معظمهم من قبيلة الزغاوة، لأشكال مروعة من العنف الجنسي، شملت الاغتصاب الجماعي والاسترقاق الجنسي، سواء أثناء الهجوم أو على طرق الفرار.
يروي مختار موسى أن الهجوم شهد استباحة واسعة للمخيم، شملت القتل الجماعي للسكان وإحراق المنازل وملاحقة الفارين وقتلهم، وسط ترديد عناصر من قوات الدعم السريع عبارات التهليل والتكبير. وشاهد جثثاً في السوق الرئيسية والمدارس والمرافق الصحية، مؤكداً أن من نجا من القتل لم يسلم من الملاحقة على طرق الفرار. تقول أم كلثوم علي صالح إنها شاهدت جثثاً متناثرة على الطرق، ولم ترَ في أنحاء المخيم سوى الدجاج والحمير والأغنام تتجول بين الأنقاض، في حين لم تعثر على ابنها حتى الآن. يقول حسن صابر جمعة إن الهجوم على المخيم كان بالسيارات والجمال والخيول، وإن جميع المرافق الصحية والمنازل المشيدة من المواد المحلية والقش أُحرقت. تحول المخيم لاحقاً إلى ثكنة عسكرية، وقُتل المتحدث الرسمي باسم المخيم محمد خميس دودة خلال الهجوم.
أبو شوك
لم يقتصر الانهيار على مخيم زمزم؛ ففي 11 أغسطس/آب 2025، شنت قوات الدعم السريع هجوماً واسعاً على مدينة الفاشر من ثلاثة محاور، تخلله توغل في مخيم أبو شوك للنازحين شمال المدينة. وفق بيانات الأمم المتحدة، قُتل ما لا يقل عن 40 مدنياً داخل المخيم، وأصيب 19 آخرون، ونزح 500 شخص على الأقل إلى مواقع أخرى داخل المدينة في اليوم نفسه. يروي فتحي عز الدين آدم، أحد النازحين من مخيم أبو شوك، أنه كان داخله لحظة الهجوم، حين دخلت قوات الدعم السريع من الجهة الشمالية، فهرع السكان في كل اتجاه، وشاهد جيرانه يسقطون أمامه. حمل ابنته الصغيرة وركض بها، ولم يتوقف حتى بلغ مشارف المدينة، حيث وجد آخرين يبحثون عن مأوى. عاد إلى المخيم بعد أسبوع لتفقد منزله، فوجده محترقاً، ولم يعثر على أي أثر لممتلكاته، ولا يزال حتى اليوم يبحث عن شقيقه الذي فُقد خلال الهجوم.
النزوح الجديد
بعد إحكام الحصار، نزحت أكثر من 60 ألف أسرة من سكان مخيم زمزم خلال يومين فقط. تشير بيانات المنظمة الدولية للهجرة إلى أن معظم الأسر نزحت إلى داخل مدينة الفاشر، في حين توجه آخرون إلى بلدتي طويلة ودار السلام في ولاية شمال دارفور. يقول جمعة إن ما جرى لم يكن نهاية الحرب، بل بداية موجة جديدة من النزوح، وإن الذاكرة وحدها بقيت شاهدة على المكان وما كان فيه من حياة. وفي مخيم السلام، الذي يؤوي أكثر من 128 ألف نازح، تتفاقم الأوضاع الصحية والمعيشية. دأبت عناصر من قوات الدعم السريع على دهم تجمعات الشباب في نوادي المشاهدة والأسواق، وتفتيش هواتفهم بحجة انتمائهم إلى الجيش السوداني، ومصادرتها في كثير من الأحيان دون مبرر. كما اضطر النازحون إلى دفع مبالغ مالية في أكثر من مناسبة، إثر تهديدات باقتحام سوق المخيم. وسُجلت كذلك حالات إصابة ووفاة جراء الكوليرا، في ظل غياب مراكز العزل ونقص المستلزمات الطبية.
لم تعد على الخريطة
بعد أكثر من عام، لم تعد المخيمات الثلاثة على الصورة التي عرفها سكانها، لكنها لا تزال حاضرة في ذاكرة من عاشوا فيها. يقول جمعة إن ذاكرة هذه المخيمات لا تُختزل في الحرب، بل تستحضر حياة كاملة كانت قائمة فيها، بما تحمله من أسماء ووجوه وحكايات لا تزال تُروى. يستعيد مختار موسى تفاصيل ما جرى، من اليوم الأول للحصار إلى آخر جثة رآها ملقاة على الأرض. يقول إنه يحمل هذه الذاكرة لأنه نجا، مضيفاً "من نجا عليه أن يروي". أما أم كلثوم علي صالح، فلا تزال تبحث عن ابنها المفقود، وتفتح هاتفها كل صباح، على أمل أن تجد فيه خبراً عنه. ويواصل فتحي عز الدين آدم البحث عن شقيقه، متمنياً أن يعرف إن كان حياً أم ميتاً، حتى يضع حداً لانتظاره. يؤكد جمعة أن مخيم زمزم لم يعد كما كان، لكنه لا يزال حاضراً في ذاكرة من عاشوا فيه، وفي أسماء من وُلدوا بين جنباته، وفي الحكايات التي يتناقلها النازحون في مخيمات طويلة وجبل مرة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة