قطر
اقتصاد

راتب الموظف الحكومي في اليمن: هل يكفي لتغطية أبسط الاحتياجات؟

الجزيرة٢ نوفمبر ٢٠٢٦ في ٠٩:١٢ ص0 مشاهدة
راتب الموظف الحكومي في اليمن: هل يكفي لتغطية أبسط الاحتياجات؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "ماذا يشتري راتب الموظف الحكومي في اليمن؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ نوفمبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في العاصمة المؤقتة عدن، تبدأ حياة أسرة منى عبد الله، وهي أم لسبعة أبناء وخريجة صيدلة تعمل في مرفق صحي حكومي منذ عام 2011، بشهر يبدأ بعجز مالي. يبلغ مجموع راتبها وراتب زوجها، الذي يعمل في مكتب التربية والتعليم منذ عام 1998، 160 ألف ريال يمني (حوالي 100 دولار). هذا المبلغ لا يكفي لتغطية إيجار المنزل الشهري الذي يصل إلى 210 آلاف ريال (132 دولارًا)، مما يخلق فجوة قدرها 50 ألف ريال قبل احتساب نفقات الغذاء والتعليم والعلاج لأسرة مكونة من 9 أفراد. راتب منى الشهري هو 78 ألف ريال، بينما يتقاضى زوجها 82 ألف ريال. ولمواجهة الأعباء المعيشية، اضطر الزوج للعمل في أحد مطاعم المدينة حتى منتصف الليل بعد انتهاء دوامه الحكومي. كما ترك الابن الأكبر دراسته الجامعية ليلتحق بالعمل في أحد متاجر السوبر ماركت للمساهمة في نفقات الأسرة.

تأتي معاناة الأسرة في وقت أعلنت فيه الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا قرب صرف زيادات وعلاوات لموظفيها، بعد سنوات شهدت تآكلا واسعا في القدرة الشرائية للرواتب. يوفر عمل الزوج في المطعم حوالي 200 ألف ريال شهريًا (125 دولارًا)، وهو ما يزيد عن ضعف راتبه الحكومي، ليرتفع مجموع دخل الزوجين إلى 360 ألف ريال (226 دولارًا). ومع ذلك، يستهلك الإيجار وحده أكثر من نصف هذا المبلغ، تاركًا للأسرة 150 ألف ريال (94 دولارًا) لتغطية الغذاء والمواصلات والمياه والكهرباء والعلاج وتعليم الأبناء، قبل احتساب مساهمة الابن الأكبر. تتذكر منى سنوات كانت فيها الإيجارات أقل تكلفة، قبل أن ترتفع مع موجات النزوح التي شهدتها عدن خلال الحرب، وتزايد الطلب على المساكن، بالتزامن مع تراجع قيمة العملة المحلية وتحول تسعير كثير من الإيجارات إلى الريال السعودي. أمام هذا الواقع، اضطرت الأسرة إلى إعادة ترتيب أولوياتها والاستغناء عن احتياجات كانت تعدها أساسية، فيما أصبحت الاستدانة وسيلة متكررة لتدبير المصروفات حتى نهاية الشهر. تلخص منى معاناتها بقولها: "الراتب الحكومي لم يعد قادرا على مواكبة الارتفاع الجنوني في الأسعار".

تظهر الفجوة بين الرواتب وتكاليف المعيشة بوضوح في أسعار الغذاء. فبحسب مبادرة التتبع الاقتصادي اليمني، بلغت تكلفة سلة الغذاء الأساسية في مناطق تداول العملة الجديدة، ومنها عدن، نحو 130 ألف ريال (81 دولارًا) في سبتمبر/أيلول 2026. وبهذا المقياس، فإن راتب منى البالغ 78 ألف ريال لا يغطي سوى 60% من تكلفة السلة، حتى لو خصصته بالكامل للغذاء. وفي أسواق عدن، بلغ سعر كيس الدقيق زنة 50 كيلوغراما 49 ألفا و500 ريال، وكيس الأرز زنة 20 كيلوغراما 41 ألف ريال، وفق رصد للأسعار خلال أكتوبر/تشرين الأول الماضي. ويعني ذلك أن شراء الكيسين معا يكلف نحو 57 دولارًا، أي أكثر من راتب منى الشهري بنحو 8 دولارات، دون احتساب الزيت والسكر وبقية الاحتياجات الغذائية.

في محاولة لتخفيف الضغوط المعيشية، أقرت الحكومة اليمنية في مايو/أيار الماضي بدل غلاء معيشة بنسبة 20%، إلى جانب العلاوات السنوية والمستحقات الوظيفية المتأخرة. وفي 24 أكتوبر/تشرين الأول، توقع وزير الخدمة المدنية والتأمينات سالم ثابت العولقي بدء الصرف اعتبارا من راتب أكتوبر/تشرين الأول للجهات التي استكملت إجراءات الاستحقاق والمراجعة المالية، على أن تتبعها بقية الجهات. وتستهدف الإجراءات موظفي وحدات الخدمة العامة المدرجين في كشوف رواتب الحكومة المعترف بها دوليا، دون أن يعني ذلك شمول الموظفين الذين تتولى سلطات الحوثيين صرف مستحقاتهم في صنعاء ومناطق سيطرتها. غير أن نسبة الـ20% لا تحتسب على إجمالي الراتب، بل على بداية مربوط الدرجة الوظيفية، مع خصم الاستقطاعات القانونية، مما يجعل الزيادة الفعلية أقل مما قد توحي به النسبة المعلنة. بالنسبة إلى منى، لن تضيف الزيادة المنتظرة إلى راتبها، بحسب إشعار تلقته، أكثر من 8 آلاف ريال (5 دولارات)، فيما تقول إن نصيب زوجها لن يتجاوز 9 آلاف ريال (نحو 6 دولارات). وحتى إذا حصل الزوجان على هذين المبلغين، فلن يتجاوز مجموع راتبيهما الحكوميين 177 ألف ريال (111 دولارًا)، ليبقى أقل من إيجار المنزل وحده بنحو 33 ألف ريال (21 دولارًا).

يعكس الخبير الاقتصادي اليمني محمد الجماعي، مستشار وزير الصناعة والتجارة، محدودية أثر الزيادة في مواجهة تكاليف المعيشة. ويرى أن الزيادة خطوة إيجابية تأخرت كثيرا، لكنه لا يتوقع أن تعالج الفجوة المتراكمة بين الأجور والأسعار خلال سنوات الحرب. ويميز الجماعي بين زيادة الدخل وتسوية الحقوق الوظيفية المتأخرة، موضحا أن صرف العلاوات المستحقة منذ سنوات لا يعني بالضرورة تحسنا مستداما في مستوى معيشة الموظفين. وتواصلت الجزيرة نت مع وزير الخدمة المدنية والتأمينات للحصول على توضيحات بشأن القيمة الفعلية للزيادات والعلاوات وعدد المستفيدين ومواعيد الصرف، لكنها لم تتلق ردا حتى إعداد التقرير.

أما في العاصمة صنعاء الخاضعة لسيطرة الحوثيين، فيأخذ سؤال الراتب بعدا آخر. فإلى جانب اختلاف قيمة الريال بفعل الانقسام النقدي بين مناطق الحكومة والحوثيين، يواجه موظفون حكوميون مشكلة عدم انتظام الصرف، حتى بات موعد الحصول على الراتب جزءا من معاناتهم المعيشية. يونس يحيى الأبي، الموظف في مكتب الضرائب بصنعاء منذ ما قبل عام 2000، يبلغ راتبه نحو 60 ألف ريال يمني (112 دولارًا وفق سعر الصرف المحلي)، لكنه لا يتسلم سوى دفعات متقطعة تقارب 35 ألف ريال (65 دولارًا) كل شهرين أو ٣ أشهر، وكانت آخر دفعة حصل عليها قبل شهرين. وفي المقابل، تحتاج أسرته المكونة من ثمانية أفراد، وفق تقديراته، إلى نحو 180 ألف ريال شهريًا للغذاء وحده (336 دولارًا)، و30 ألفًا للمواصلات (56 دولارًا)، ونحو 90 ألف ريال للعلاج (168 دولارًا)، في ظل وجود أكثر من مريض يعاني أمراضا مزمنة بين أفراد الأسرة. ولا تغطي الدفعة التي يتسلمها من راتبه حتى خُمس نفقات الغذاء لشهر واحد، بينما تضاف إلى مصروفات الأسرة رسوم التعليم الجامعي وفواتير الخدمات واحتياجات أخرى. ولسد هذه الفجوة، يستعين يونس بدخل من إيجارات العقارات، إلى جانب الاستدانة، لكن الديون تراكمت عليه خلال السنوات الثلاث الماضية حتى بلغت نحو ٤ ملايين ريال (7.5 آلاف دولار)، وفق إفادته للجزيرة نت. ولم يتمكن يونس حتى الآن من العثور على عمل إضافي يساعده على تغطية نفقات أسرته، كما بات من الصعب عليه الاستدانة من الأقارب والأصدقاء، الذين يعانون بدورهم من ضيق الحال. ولا تختلف معاناة مديحة، المعلمة في إحدى المدارس الحكومية بصنعاء، كثيرا عن حال يونس، فراتبها الأساسي البالغ 40 ألف ريال (75 دولارًا) لا يصل إليها كاملا، وإنما تتسلم نصفه فقط، أي 20 ألف ريال (37 دولارًا)، على فترات غير منتظمة. وتقول إن آخر دفعة حصلت عليها كانت قبل ٤ أشهر، بينما تستمر احتياجات أسرتها من الغذاء والإيجار والمواصلات والعلاج دون توقف. وأمام هذا الوضع، تبحث مديحة عن فرصة عمل أخرى تساعدها على تدبير المصروفات، لكنها لم تتمكن من العثور على عمل في ظل محدودية الفرص المتاحة. وفي حين يواجه موظفون بمناطق الحكومة تآكل رواتبهم أمام الأسعار، يجد موظفون في مناطق سيطرة الحوثيين أنفسهم أمام دخل متقطع يصعب الاعتماد عليه. ويربط الجماعي هذه الأزمة بعدم انتظام صرف الرواتب وشح السيولة وضعف فرص العمل.

لا يكفي استقرار العملة وحده لاستعادة ما فقدته الرواتب من قيمتها. فقد أشارت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو)، في تقرير صدر منتصف أكتوبر/تشرين الأول، إلى أن الاستقرار النسبي لسعر الصرف ساعد على احتواء تكاليف بعض السلع الغذائية المستوردة في مناطق الحكومة، لكن محدودية دخول الأسر وتقلبها لا يزالان يقيدان قدرتها على شراء الغذاء. ويرى الجماعي أن تحسين القدرة الشرائية يتطلب استقرار العملة وزيادة الدخول وضبط الأسعار، إلى جانب توفير موارد مالية مستدامة تضمن انتظام صرف الرواتب والزيادات، في ظل تراجع الإيرادات العامة وتوقف صادرات النفط. أما منى عبد الله، فلا تنتظر من الزيادة المرتقبة تغييرا كبيرا في ميزانية أسرتها. فما ستضيفه إلى راتبها وراتب زوجها لن يسد سوى نحو ثلث العجز بين الراتبين وإيجار المنزل، فيما تبقى بقية المصروفات خارج هذه الحسابات. وتختصر مطلبها بقولها للجزيرة نت: "لا نطمح إلى رفاهية، بل إلى أبسط حقوقنا، راتب عادل يكفي لتوفير لقمة العيش لأسرنا بكرامة، دون أن تثقل كاهلنا الديون".

شارك الخبر: