لماذا هوت قيمة الجنيه المصري أمام الدولار؟ وما هي تداعيات الأزمة الاقتصادية؟


هذا الخبر بعنوان "لماذا قفز سعر صرف الدولار في مصر وما النتائج؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣٠ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهد سعر صرف الجنيه المصري انخفاضًا قياسيًا مقابل الدولار في الأيام الأخيرة، حيث وصل إلى حوالي 56 جنيهًا للدولار الواحد. يأتي هذا التراجع وسط مخاوف متزايدة بشأن الأوضاع الجيوسياسية في المنطقة وتأثيراتها المحتملة على الديون والاستثمار والأسعار داخل مصر.
أوضح محافظ البنك المركزي المصري، حسن عبد الله، أن ارتفاع سعر صرف الدولار يعود إلى قوى العرض والطلب ضمن نظام سعر الصرف المرن الذي يتبناه البنك حاليًا، واصفًا إياه بـ"خط الدفاع الأول" في مواجهة الصدمات الخارجية. وأكد عبد الله أن نظام سعر الصرف الثابت لا يناسب الاقتصاد المصري نظرًا لافتقاره للاحتياطيات النقدية الكبيرة، وسعر فائدة قريب من سعر الفائدة على الدولار، ومستوى تضخم منخفض.
وأشار إلى أن الالتزام بسعر الصرف الثابت خلال الأزمة التي صاحبت اندلاع حرب أوكرانيا أدى إلى ظهور سوق سوداء للدولار، في وقت كان فيه التضخم يصل إلى نحو 38%، بينما هو الآن حوالي 13%، مؤكدًا على أهمية توحيد سعر الصرف.
بالنظر إلى جانبي العرض والطلب، يلاحظ أن الطلب على الدولار في مصر مرتفع عادة لسداد فاتورة الواردات الضخمة، التي تجاوزت 83 مليار دولار في عام 2025، بينما بلغت الصادرات حوالي 49 مليار دولار، مما أدى إلى عجز في الميزان التجاري المصري بلغ نحو 34 مليار دولار في عام 2025، وفقًا لبيانات مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء المصري. بالإضافة إلى ذلك، تلتزم مصر بسداد أقساط الديون الخارجية وفوائدها بقيمة 62.8 مليار دولار في الفترة من أبريل/نيسان 2026 حتى مارس/آذار 2027، مما يشكل ضغطًا إضافيًا على سعر صرف الجنيه المصري.
على جانب العرض، تبرز أهمية تحويلات المصريين في الخارج، التي بلغت 47.3 مليار دولار في العام المالي المنتهي في يونيو/حزيران الماضي، وفقًا لبيانات البنك المركزي المصري، والتي تساهم بشكل أساسي في توفير العملات الأجنبية اللازمة لتمويل الواردات وسداد أقساط الديون.
لكن هناك متغيرات في الأسابيع الأخيرة فاقمت من أزمة الدولار في مصر ورفعت الطلب عليه، مما أدى إلى هذا التراجع غير المسبوق في قيمة الجنيه المصري.
يوضح الخبير الاقتصادي وعضو مجلس إدارة البورصة المصرية سابقًا، إيهاب سعيد، أن السبب الرئيسي في ارتفاع سعر صرف الدولار في مصر مؤخرًا هو الأوضاع الجيوسياسية في المنطقة، خاصة بعد إعلان مصر مساندتها للسعودية في مواجهة الهجمات، مما يثير مخاوف صناديق التحوط من المخاطر. وأضاف سعيد أن هذه الصناديق تفضل التخارج الفوري من السوق المصرية في حال وجود مخاطر، مما يعني زيادة سريعة في الطلب على الدولار.
يتفق الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي مع هذا الرأي، مؤكدًا أن العامل الرئيسي هو الخروج المتسارع للأموال الساخنة والاستثمارات قصيرة الأجل من سوق الدين المصري، مما تسبب في زيادة كبيرة في الطلب على الدولار.
من وجهة نظر الهاشمي، فإن العامل الثاني هو الضغوط على الحكومة المصرية نتيجة ارتفاع فاتورة الطاقة بعد اندلاع الحرب الأمريكية على إيران، مما زاد من الطلب على الدولار وضغط على الموازنة العامة. وفي هذا السياق، يوضح سعيد أنه تم احتساب سعر النفط في الموازنة المصرية على أساس 75 دولارًا للبرميل، بينما تجاوز السعر حاليًا 110 دولارات للبرميل، مما يتطلب مبالغ كبيرة بالدولار لتغطية هذا الفارق شهريًا.
وأوضح سعيد أن هذا الطلب المكثف على الدولار من جانب صناديق التحوط والحكومة المصرية أدى إلى ارتفاع كبير في سعر الدولار. وعندما يجد البنك المركزي أن الطلب كبير، فإنه يترك تحديد سعر الصرف لآلية العرض والطلب في إطار مرونة سعر الصرف، مما يؤدي إلى انخفاض كبير في قيمة الجنيه أمام الدولار، وهو ما قد يشجع المستثمرين الأجانب على العودة مستقبلاً.
أضاف الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب أن هناك خروجًا يوميًا للمال الساخن من الأوراق المالية الحكومية، مثل أذون الخزانة المصرية، منذ رفع الاحتياطي الفدرالي الأمريكي سعر الفائدة في سبتمبر/أيلول الماضي، مع توقعات برفع الفائدة لاحقًا في أوروبا وأمريكا. وكان الحل للحد من خروج الأموال الساخنة هو رفع سعر صرف الدولار، مما يعني عددًا أكبر من الجنيهات لكل دولار للمستثمرين الأجانب، وهو ما قد يشجعهم على البقاء.
وأوضح أن خروج المال الساخن جاء مع اقتراب أشهر رجب وشعبان ورمضان، حيث يبدأ التجار في استيراد السلع استعدادًا لشهر رمضان، مما يزيد من الطلب على الدولار. عامل آخر مهم في الطلب على الدولار هو اقتراب نهاية عام 2026، حيث تقوم شركات الاستثمار بتحويل أرباحها إلى الخارج، مما يرفع الطلب على الدولار مع خروج جانب من المعروض منه.
يرى سعيد أنه لا يمكن تحديد مدى الارتفاع المستقبلي لسعر صرف الدولار في الوقت الحالي، مشيرًا إلى أن الطلب المرتفع المرتبط بالأزمات الجيوسياسية قد يؤدي إلى استمرار الارتفاع. لكن إذا أسفرت انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي عن تغيير في السياسة الأمريكية وتوقفت الحرب على إيران، فسوف تتراجع أسعار النفط، وبالتالي يقل الطلب على الدولار لشراء الطاقة، ويمكن أن يعود المستثمرون الأجانب إلى مصر.
يشير الهاشمي إلى تجربة العراق مع ارتفاع الدولار نتيجة الحرب، حيث تم خفض قيمة الدينار العراقي أمام الدولار. ويوضح أن ارتفاع سعر الدولار يعني موجة من ارتفاع أسعار السلع، بما في ذلك مستلزمات الإنتاج المستوردة، بالإضافة إلى ارتفاع الأسعار في الأسواق الموازية. وتكون المحصلة تراجع القوة الشرائية للمواطنين وضعف رواتب الموظفين والمتقاعدين، وارتفاع كبير في أسعار السلع والخدمات، مما قد يؤدي إلى موجة من الركود التضخمي.
يشير عبد المطلب إلى أن ارتفاع سعر الدولار يزيد من القيمة المطلقة لمدفوعات الديون وفوائدها بالجنيه المصري في الموازنة العامة، مما يؤدي إلى زيادة عجز الموازنة وتخفيض التمويل الحكومي المتاح للاستثمارات العامة، ومزاحمة الحكومة للقطاع الخاص للحصول على التمويل المصرفي، مما يؤثر سلبًا على الاستثمار.
وأضاف عبد المطلب أن ارتفاع سعر الدولار يغري حائزي الأرصدة الدولارية بالاحتفاظ بها، ويزيد من الطلب على الدولار وتحويل الأموال والمدخرات من الجنيه إلى الدولار، وهو ما يعرف بالدولرة. الانخفاض المستمر لقيمة العملة المحلية يدفع المستثمرين إلى التحول لملاذات آمنة مثل الذهب والدولارات والعقارات، مما قد يؤدي إلى "اكتناز" بدلاً من الادخار الذي يتحول إلى استثمارات تُضخ في شرايين الاقتصاد.
يتفق الخبراء على أن هناك مجموعة مهمة من العوامل التي فرضتها أوضاع الحرب في إيران أسهمت في تعميق أزمة الجنيه المصري وتراجع قيمته، من بينها خروج الأموال الساخنة من الاقتصاد المصري وارتفاع تكلفة الطاقة. لكن تبقى المشكلة الأساسية هي فاتورة الواردات الهائلة التي تتطلب باستمرار توفير عملات أجنبية لتمويلها، ويستمر معها العجز في الميزان التجاري لتتواصل الضغوط على العملة المحلية.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد