قطر
ثقافة

من أنفيلد إلى كامب نو: كيف تصنع الملاعب هوية الأندية وذاكرة الجماهير؟

الجزيرة٢٩ أكتوبر ٢٠٢٦ في ١٠:٢٢ م0 مشاهدة
من أنفيلد إلى كامب نو: كيف تصنع الملاعب هوية الأندية وذاكرة الجماهير؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "من أنفيلد إلى كامب نو.. ملاعب تصنع هوية الأندية وذاكرة جماهيرها" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

عندما نذكر نادي ليفربول، لا يتبادر إلى الذهن اسمه فقط، بل غالباً ما نستحضر مدرج "الكوب" الشهير في ملعب أنفيلد، بأعلامه وأوشحته وهتافاته التي تملأ المكان. وبالمثل، يرتبط نادي برشلونة في أذهان مشجعيه بصورة المدرجات الزرقاء والحمراء في معقله التاريخي، ملعب كامب نو. هذه العلاقة الوثيقة بين الملعب والنادي ليست وليدة الصدفة؛ فالملعب يتجاوز كونه مجرد مساحة لممارسة كرة القدم، ليصبح جزءاً لا يتجزأ من شخصية النادي وهويته أمام جماهيره والعالم. بدءاً من ألوان المقاعد وتصميم المدرجات، وصولاً إلى شكل السقف والواجهة، وانتهاءً بالأعلام واللافتات والتيفوهات، تتشكل هوية بصرية فريدة تمنح كل ملعب طابعه الخاص، وتجعل المشجع قادراً على التعرف عليه حتى قبل ظهور اسمه على الشاشة.

كيف تتكون هوية الملعب؟

تبدأ الهوية البصرية للملعب من التفاصيل التي قد تبدو بسيطة، لكنها تترك بصمة واضحة في الصورة العامة. فالألوان تلعب دوراً محورياً في إضفاء حضور مباشر على المدرجات؛ فالمقاعد الزرقاء في ملعب الاتحاد تعكس هوية مانشستر سيتي، بينما تهيمن درجات الأحمر على مدرجات سان ماميس، بما يتناسب مع ألوان أتلتيك بلباو. ولا يقتصر الأمر على ألوان المقاعد، بل يمتد ليشمل المواد المستخدمة في البناء، وشكل السقف والواجهة، وطريقة توزيع المدرجات حول أرضية الملعب. فالخرسانة المكشوفة، والصلب، والزجاج، والإضاءة الخارجية، كلها عناصر يمكن استغلالها لخلق صورة مميزة للنادي.

كما يؤدي شكل المدرجات دوراً يتجاوز الجانب الجمالي؛ فالمدرجات القريبة من أرضية الملعب، أو المدرج الكبير الذي يجمع آلاف المشجعين في مكان واحد، يمنح الجماهير حضوراً بصرياً وصوتياً مختلفاً. هنا، تتداخل العمارة مع تجربة المشاهدة، حيث لا يحدد التصميم ما تراه الجماهير فحسب، بل يؤثر أيضاً في كيفية سماع الهتافات وانتقالها داخل الملعب.

أما الطبقة الأخيرة، فتتمثل في الجمهور نفسه؛ فالأعلام والأوشحة واللافتات والتيفوهات، رغم تغيرها من مباراة لأخرى، تظل جزءاً أساسياً من صورة النادي وذاكرته.

ملاعب كلاسيكية

في الملاعب القديمة، لا تنشأ الهوية دائماً نتيجة خطة تصميم موحدة، بل قد تكون نتاج عقود من التوسعات والتعديلات التي تركت كل منها بصمتها على شكل المبنى وشخصيته.

يُعد ملعب أنفيلد، معقل ليفربول، نموذجاً واضحاً لهذه العلاقة؛ فقد تحول مدرج "الكوب" إلى رمز يتجاوز وظيفته المعمارية، ليصبح أحد أبرز عناصر صورة ليفربول. فالمكان لا يُعرف بحجمه أو تصميمه فقط، بل بالثقافة الجماهيرية التي تشكلت بداخله، وبالأغاني التي ارتبطت به، وباللحظات التاريخية التي شهدها.

وينطبق الأمر ذاته على ملعب أولد ترافورد، الذي افتُتح عام 1910، وأصبح عبر التوسعات المتعاقبة جزءاً من هوية مانشستر يونايتد. يحمل المبنى آثار مراحل مختلفة من تاريخ النادي، ويجمع بين عناصر معمارية قديمة وتحديثات فرضتها متطلبات كرة القدم الحديثة.

أما ملعب سانت جيمس بارك، الخاص بنيوكاسل يونايتد، فيتميز بشكله غير المتماثل، الذي تأثر بقيود الموقع المحيط به. ومع مرور الوقت، لم يعد هذا الشكل مجرد نتيجة لظروف البناء، بل أصبح علامة مميزة في أفق المدينة.

في هذه الملاعب، تتكون الهوية من مزيج يصعب نسخه بالكامل: مبنى له تاريخ، وموقع يرتبط بالمدينة، وجماهير تتوارث علاقتها بالمكان جيلاً بعد جيل. لذلك، لا يمكن اختزال شخصية أنفيلد أو أولد ترافورد في لون المقاعد أو شكل الواجهة؛ فجزء كبير من قيمتهما البصرية مرتبط بما يمثله المكان في ذاكرة المشجعين.

هل يمكن صناعة التاريخ؟

مع تطور متطلبات السلامة وارتفاع الحاجة إلى زيادة السعة وتحسين الخدمات، اتجهت أندية عديدة إلى بناء ملاعب جديدة أو إعادة تصميم منشآتها القديمة. لكن هذه الخطوة طرحت تحدياً مختلفاً: كيف يمكن نقل هوية نادٍ عريق إلى مبنى جديد لا يحمل ذاكرة المكان السابق؟

فالملاعب الحديثة قد تتميز بتصميم متطور، ومرافق ضيافة متكاملة، وشاشات عملاقة وأنظمة إضاءة حديثة، لكنها قد تبدو متشابهة بصرياً إذا غابت عنها العناصر التي تربطها بتاريخ النادي وجماهيره. لهذا، لم يعد التصميم المعماري وحده كافياً؛ إذ تلجأ الأندية إلى التماثيل والجداريات والصور التاريخية والخطوط الزمنية التي تستعرض أبرز محطات النادي ونجومه، لمنح الملعب الجديد طبقة من الذاكرة لا تستطيع الخرسانة وحدها توفيرها.

يقدم ملعب الإمارات، معقل أرسنال، مثالاً على هذا الاتجاه من خلال التماثيل التي تخلد رموز النادي في محيط الملعب. كما يمكن للأعمال الفنية والمحتوى التاريخي داخل الممرات أن يحول تجربة الوصول إلى المدرجات إلى رحلة في تاريخ الفريق، بدلاً من أن تكون مجرد انتقال من البوابة إلى المقعد.

الفكرة هي أن الملعب الحديث لا يحتاج إلى تقليد شكل المنشأة القديمة للحفاظ على هوية النادي؛ بل يمكنه التعبير عنها من خلال الألوان والفن والرموز والذاكرة الجماعية التي يحملها المكان الجديد.

العمارة عنصر حاسم

يقدم ملعب سان ماميس الجديد في بلباو نموذجاً لافتاً لكيفية دمج الهوية البصرية في التصميم منذ البداية. فعندما افتُتح الملعب في عام 2013، لم يكن التحدي مجرد إنشاء منشأة حديثة، بل الحفاظ على الروح التي ارتبطت بالملعب القديم، المعروف بلقب "الكاتدرائية".

تظهر ألوان أتلتيك بلباو بوضوح في التصميم الداخلي، مع غلبة المقاعد الحمراء، وتوظيف الأحمر والأسود في أجزاء من الهيكل الداخلي، إلى جانب الواجهة البيضاء التي تكمل ألوان النادي. أما الواجهة الخارجية، فتستفيد من الإضاءة لتمنح المبنى حضوراً بصرياً مختلفاً ليلاً.

لكن العنصر الأهم لا يتعلق بالألوان وحدها، بل بطريقة توزيع المدرجات وقربها من أرضية اللعب. فقد استهدف التصميم الحفاظ على إحساس الجماهير بالقرب من المباراة، بما يساعد على استمرار الأجواء الصاخبة التي ارتبطت بالملعب القديم.

على الجانب الآخر، يقدم ملعب الاتحاد تجربة مختلفة؛ فقد أُنشئ الملعب أساساً لاستضافة دورة ألعاب الكومنولث في عام 2002، قبل تحويله إلى ملعب لكرة القدم، ليصبح لاحقاً معقل مانشستر سيتي. هذا التاريخ يوضح أن بعض الملاعب لا تُبنى بالضرورة منذ البداية لتجسيد هوية نادٍ بعينه، وإنما تكتسب هذه الهوية تدريجياً بعد انتقال النادي إليها.

في الاتحاد، تظهر الهوية الزرقاء في المقاعد، بينما يمنح استخدام الزجاج والصلب التصميم طابعاً حديثاً يتماشى مع صورة النادي المعاصرة. وهنا يؤدي اللون دوراً أساسياً في ربط المبنى بالفريق، إلى جانب العناصر البصرية والرموز التي أضافها النادي إلى محيطه.

هل تنتقل الهوية من ملعب لآخر؟

تزداد أهمية العلاقة بين الملعب والجمهور عندما يضطر النادي إلى مغادرة معقله مؤقتاً. وقد عاش برشلونة هذه التجربة خلال أعمال إعادة تطوير كامب نو، حين خاض مبارياته على ملعب مونتجويك الأولمبي.

الملعبان مختلفان من حيث التصميم وطبيعة التجربة الجماهيرية. فكامب نو ارتبط تاريخياً بمدرجاته الضخمة وألوانه الزرقاء والحمراء، بينما صُمم مونتجويك لاستضافة فعاليات رياضية متعددة، ويضم مضماراً لألعاب القوى يبعد المدرجات نسبياً عن أرضية الملعب.

ومع ذلك، لم يفقد برشلونة هويته بمجرد الانتقال إلى ملعب آخر؛ فقد بقيت الألوان والقمصان والشعارات والهتافات حاضرة، واستمرت الجماهير في حمل رموز النادي إلى المكان الجديد. ويمكنك أن تطالع أي هدف لبرشلونة في "مونتجويك" فتشعر بنفس الأجواء الكلاسيكية في "كامب نو"، وبالتأكيد كان للإخراج دور حاسم في الأمر.

لكن انتقال هذه العناصر لا يعني أن التجربتين متطابقتان؛ فشكل المدرجات، والمسافة عن أرضية الملعب، وطبيعة الوصول إلى المنشأة، كلها عوامل تؤثر في أجواء المباراة، وهو ما يكشف حدود قدرة الجمهور على تعويض الاختلافات المعمارية بالكامل.

أما مشروع إعادة تطوير كامب نو، فيوضح كيف يمكن أن تصبح المقاعد نفسها جزءاً من الهوية البصرية، من خلال توظيف تدرجات الأزرق والأحمر في المدرجات. وبذلك، يسعى التصميم الجديد إلى الحفاظ على الصورة المألوفة للملعب، مع إدخال عناصر معاصرة تعكس مرحلة جديدة في تاريخ النادي.

وإذا كانت بعض الملاعب ترتبط بنادٍ واحد، فإن ملعب الأولمبيكو في روما يقدم حالة مختلفة؛ فهو يستضيف مباريات روما ولاتسيو، المنافسين التاريخيين في العاصمة الإيطالية.

لا ينتمي الملعب معمارياً إلى أي من الناديين، ولذلك تتغير صورته من مباراة لأخرى. ففي مباريات روما، تبرز الألوان الصفراء والحمراء في المدرجات، بينما تهيمن الأعلام واللافتات السماوية والبيضاء عندما يلعب لاتسيو. ويظهر التحول بوضوح في المدرجات خلف المرميين، حيث تتمركز مجموعات المشجعين وتعرض التيفوهات والأعلام التي تعبر عن هوية الفريق صاحب المباراة. كما تمتد هذه الألوان إلى محيط الملعب والشوارع المؤدية إليه، لتصبح المدينة نفسها جزءاً من المشهد.

في هذه الحالة، لا يفرض المبنى هوية بصرية ثابتة على الناديين؛ بل يعمل كمساحة محايدة تتغير ملامحها بحسب الجمهور الذي يشغلها. وتصبح الأعلام والأوشحة واللافتات الوسيلة الأوضح للتعبير عن الانتماء.

من يصنع الهوية؟

تكشف هذه النماذج كلها أن الهوية البصرية لملاعب كرة القدم لا تنشأ من عنصر واحد، بل من طبقات متداخلة؛ فالتصميم يحدد شكل المدرجات والواجهة والسقف، والألوان تمنح المكان صورته المميزة، بينما تضيف الذاكرة التاريخية عمقاً لا يمكن استنساخه بسهولة.

لكن الجمهور يظل العنصر الأكثر قدرة على تحريك هذه الهوية ومنحها معناها؛ فالمقاعد الحمراء في سان ماميس تكتسب دلالتها من ارتباطها بأتلتيك بلباو، ومدرج الكوب لا يصبح رمزاً لليفربول بسبب هندسته وحدها، بل بسبب ما صنعته الأجيال بداخله من ذكريات وأغانٍ ولحظات استثنائية.

وفي المقابل، توضح تجربة الأولمبيكو أن الجمهور يستطيع تغيير الصورة البصرية لملعب محايد، فيما تظهر تجربة برشلونة أن الهوية يمكن أن تنتقل إلى منشأة جديدة، حتى لو لم تنتقل معها كل تفاصيل التجربة الأصلية.

في النهاية، لا تنحصر هوية الملعب في الخرسانة، ولا يستطيع الجمهور وحده أن يصنع كل شيء. إنها علاقة متبادلة بين المكان ومن يسكنه؛ فالمبنى يمنح النادي صورته الثابتة، والجمهور يمنحه صوته وذاكرته وحياته. ولهذا، فإن الملعب الأكثر نجاحاً في التعبير عن هوية ناديه ليس بالضرورة الأحدث أو الأكبر، بل ذلك الذي تتكامل فيه العمارة والألوان والتاريخ والجماهير، حتى يصبح مكاناً لا يشبه سواه، ويصعب تخيل النادي من دونه.

شارك الخبر: