لماذا تظل إسرائيل ثابتة رغم تقلبات السياسة؟ تحليل معمق لما بعد 7 أكتوبر


هذا الخبر بعنوان "حتى لو خسر نتنياهو.. لماذا لن تتغير إسرائيل؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في 27 أكتوبر/تشرين الأول، يتوجه الإسرائيليون إلى صناديق الاقتراع لانتخابات الكنيست، وهي الأولى منذ عملية طوفان الأقصى عام 2023. تتأرجح التحليلات العربية حول مستقبل إسرائيل بين رؤيتين تبدوان متعارضتين: الأولى ترى الدولة ككيان استراتيجي موحد ينفذ خطة قديمة، والثانية تصور مجتمعًا منقسمًا يقوده ائتلاف متطرف. لكن هذا المقال يختبر هذين الافتراضين ويكشف أن الخلاف الحقيقي في إسرائيل يدور داخل إجماع أمني راسخ، مما يجعل التغيير الجذري مع تبدل الحكومات أمرًا مستبعدًا.
يُظهر التحليل المعمق للأوراق البحثية والمؤسسات الأمنية والأحزاب ومراكز الاستطلاع والصحافة الإسرائيلية على مدى السنوات الثلاث الماضية أن الخلافات الإسرائيلية، رغم حدتها، تظل محصورة ضمن إجماع أمني واسع اتسع بعد طوفان الأقصى. هذا الإجماع يؤكد على مبدأ استخدام القوة كأمر غير قابل للنقاش، بينما ينصب الخلاف على كيفية ترجمة هذه القوة إلى نظام سياسي مستقر وفعال.
بعد هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول، سقط ما يُعرف بـ "الكونسبتسيا" أو المفهوم الذي كان سائدًا، والذي تضمن تقديرات استخباراتية خاطئة حول حماس، واستراتيجية عسكرية قائمة على "جز العشب"، ورؤية سياسية ترى إمكانية إدارة الصراع مع الفلسطينيين دون حله، واعتقاد بأن التطبيع الإقليمي يمكن أن يشتري الأمن. واجهت الطبقتان العسكرية والاستخبارية نقدًا منهجيًا، مما أدى إلى التحول من "عقيدة الحسم" إلى "عقيدة الاحتواء"، ثم إلى سياسات أكثر حزمًا مثل "المنع" و"العمق الجغرافي" و"الحرب المفتوحة".
على الصعيد السياسي، لم تسقط فكرة إدارة الصراع مع الفلسطينيين، بل تطورت. فقد أصبح الفلسطينيون جزءًا من حرب أوسع نطاقًا ضد إيران، مما أعاد تعريف مكانتهم في الخطاب الاستراتيجي. هذا الإطار الجديد، الذي يجد صداه لدى اليمين والوسط، يرى في إيران "رأس الأخطبوط" ويقدم مخرجًا من سؤال الاحتلال.
لقد سقطت أدوات "المفهوم" القديم، لكن فرضيته الأعمق، وهي إمكانية تأجيل السؤال الفلسطيني، خرجت من الحرب أقوى. فقد انتقلت القضية الفلسطينية من خانة السياسة إلى خانة الأمن، مما يجعلها مسألة ردع أو إزالة للتهديدات بدلًا من التفاوض.
تُظهر المقارنة مع عام 1973 أن سقوط "المفهوم" حينها أدى إلى سلام، بينما سقوط "المفهوم" الحالي أدى إلى الاحتفاظ بأراضٍ جديدة. كما أن استدعاء البعد اللاهوتي الأسطوري، مثل "عماليق"، يحول العدو إلى كيان مطلق، ويجعل الحرب "أبدية بتبرير إلهي"، وهو تصور خطير تتبناه الصهيونية الدينية.
تتعدد الإجابات الإسرائيلية حول "اليوم التالي" للحرب، وتشمل الجغرافيا (السيطرة على مناطق أمنية)، والديموغرافيا (الاستيطان وتغيير الواقع على الأرض)، والإقليم (إدارة عربية فلسطينية في غزة بدعم إقليمي). لكن هذه الإجابات تواجه تحديات، منها عدم وجود أغلبية شعبية للضم المعلن، وتناقضات في العلاقة مع واشنطن، وصعوبة بناء نظام إقليمي يستوعب التفوق العسكري الإسرائيلي مع إبقاء الفلسطينيين خارج السياسة.
تُظهر استطلاعات الرأي انقسامًا في المجتمع الإسرائيلي حول الأهداف الاستراتيجية، وغياب أغلبية واضحة للضم أو لحل الدولتين. ومع ذلك، هناك إجماع واسع على أهمية "مناطق الأمن"، وشكوك حول الدعم الأمريكي. يفسر هذا تجنب المعارضة الحديث عن الفلسطينيين، حيث يتركز الخلاف على كيفية استخدام القوة العسكرية بفعالية، وليس على جوهر السياسات الأمنية.
رغم أن الانتخابات قد تغير شكل الدولة ومن يحكمها، إلا أنها لا تبدو قادرة على تغيير جوهر السياسات تجاه الجيران أو السكان تحت السيطرة الإسرائيلية. فالرهان على صناديق الاقتراع كمخرج يحتاج إلى مراجعة، لأن الإجماع الأمني قد حُسم بالفعل. إن إعادة تأطير الحرب كمواجهة مع إيران هو الإنجاز الفكري الأهم، لأنه أخرج فلسطين من خانة السياسة إلى خانة الأمن، وهو ما تسلم به أي قراءة عربية تقبل هذا الإطار.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة