الذكاء الاصطناعي: سباق يتطلب بنية تحتية قوية وإصلاحات بيروقراطية عاجلة


هذا الخبر بعنوان "سباق الذكاء الاصطناعي بين معضلة البنية التحتية وتحدي تفكيك البيروقراطية" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أدوات برمجية أو منصات رقمية متطورة، بل تحول إلى ركيزة إستراتيجية تعيد صياغة معادلات الاقتصاد العالمي وجذب رؤوس الأموال. وفي منتدى الاستثمار العالمي المنعقد في العاصمة القطرية الدوحة، تراوحت نقاشات بعض الجلسات بين تحديات بناء البنية التحتية الصلبة ومراكز البيانات وتأمين الطاقة والرقائق، وبين استحقاقات الإصلاح الإداري وتوظيف التقنيات الذكية لتفكيك الإجراءات البيروقراطية المعقدة أمام المستثمرين. وأجمع خبراء ومسؤولون دوليون شاركوا في ندوتي "الاستثمار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي" و"الترويج للاستثمار وتيسيره في عصر الذكاء الاصطناعي"، على أن ضخ المليارات وشراء الحلول التكنولوجية الجاهزة لا يكفيان وحدهما؛ إذ تقتضي الاستفادة الحقيقية وجود منظومة متكاملة وسياسات واضحة وبيانات موثوقة، مع بقاء العنصر البشري ركيزة أساسية لضمان الدقة والرقابة والابتكار.
في الندوة الأولى، حذر رئيس هيئة مراكز البيانات الدولية، مهدي باريَفي، من اتساع الفجوة الرقمية، مشيراً إلى أن الدول التي تتخلف عن الاستثمار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي ستجد صعوبة بالغة في اللحاق بركب الاقتصادات المتقدمة، لافتا إلى أن بناء قدرات حاسوبية ذات سيادة أضحى ضرورة إستراتيجية. وكشفت المداخلات عن تركز استثماري لافت؛ إذ يستحوذ 10 بلدان فقط على نحو 80% من استثمارات الذكاء الاصطناعي عالميا. ولم تقتصر عقبات الدول النامية عند حاجز التمويل، بل امتدت إلى متطلبات تشغيل مراكز البيانات من أراضٍ وشبكات اتصال ومصادر طاقة مستدامة. وفي هذا السياق، ذكر رئيس جمعية "سيمي" (SEMI)، ليث التميمي، أن مراكز البيانات تستهلك حاليا قرابة 2% من إجمالي الطاقة العالمية، مشددا على أن صناعة أشباه الموصلات تمثل قلب هذه المنظومة التي تتطلب إستراتيجية استثمارية شاملة للموارد والمعدات والمهارات المحلية، مدعومة ببيئة تنظيمية مستقرة تضمن استقرار السياسات وتوزيع المخاطر.
من جانبها، أكدت ممثلة شركة "زد تي إي" (ZTE)، سمر تشن، أن بنية الذكاء الاصطناعي تقوم على شبكة متصلة تضم الطاقة، والموارد الطبيعية ، والكابلات، ومصادر البيانات المفتوحة، وتأهيل الكوادر البشرية.
ودعا متحدثون الدول النامية إلى عدم السعي لمنافسة الاقتصادات الكبرى في شتى قطاعات سلسلة القيمة. وأوضحت مسؤولة الإستراتيجية في شركة "كاي" (َQai)، أسماء فكري، أن سلسلة القيمة واسعة جدا، وعلى الدول تحديد نقاط قوتها النسبية والاستثمار في كفاءاتها بدلا من تكرار تجارب الآخرين. وهو ما أيده التميمي وحيدر عمار، المدير الإداري والشريك في الشرق الأوسط لدى مجموعة بوسطن الاستشارية؛ حيث شدد عمار على أهمية قيام الحكومات بتقدير الطلب الفعلي على الخدمات وأتمتتها وتوليد استخدامات حقيقية داخل المؤسسات قبل التورط في بناء قدرات حاسوبية فائضة. واستعرض الرئيس التنفيذي لجمعية تطوير البنية التحتية في أفريقيا، فيفيك ميتال، تجارب أفريقية ناجحة، مشيرا إلى التقدم الذي أحرزته رواندا ، ومشاريع لتوسيع الاتصال الريفي والإنترنت لخدمات الزراعة والصحة والإسكان الميسر، مبينا جدوى توجيه التقنية لحل مشكلات اقتصادية قائمة.
وطُرحت الجلسة خيار "التعاون الإقليمي" وتقاسم التكاليف بين البلدان متفاوتة الإمكانات؛ كأن تتكامل دول تمتلك وفرة في الطاقة، مثل قطر، مع دول تملك ثروة بشرية كبرى، مثل مصر، بما يحقق التكامل ويوفر التكاليف دون اشتراط امتلاك كل دولة لكامل قدرات الحوسبة على أراضيها.
وانتقالا إلى تسخير الذكاء الاصطناعي في تحسين مناخ الأعمال، شددت الجلسة الثانية على أن التقنيات الحديثة توفر مسارات فعالة لتبسيط المعاملات وتوفير المعلومات الموثوقة للمستثمرين وتسريع تأسيس الشركات، واستعرضت الجلسة تجارب عدد من الدول في توظيف هذه التقنيات لتقليص الإجراءات البيروقراطية وتحسين الخدمات الحكومية، إلى جانب التحديات التي تواجه تطبيقها.
وأظهرت المداخلات أن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي لا تتوقف على شراء الأدوات التقنية أو إطلاق المنصات الرقمية، بل تتطلب أيضا مراجعة الإجراءات القائمة، وتوفير بيانات موثوقة ومحدثة، وتدريب الموظفين، مع الإبقاء على الرقابة البشرية لضمان دقة المخرجات ومساءلة الجهات المسؤولة عنها. وبهذا الصدد نبه الشريك والمدير المعني بالتجارة والاستثمار والجغرافيا السياسية في مجموعة بوسطن الاستشارية، كريستيان رودريغيز-شيفيل، إلى أن التقنية "ليست حلا سحريا"، مؤكدا أنها لا تصلح الإجراءات الحكومية المعيبة أو تضارب المسؤوليات، بل تقتضي مراجعة المسارات الإدارية وتدريب الموظفين أولا.
واستعرضت الجلسة نماذج دولية متنوعة: كوريا الجنوبية: استعرضت هيونا كيم، المديرة العامة لمكتب وكالة ترويج التجارة والاستثمار في الدوحة، نظاما قيد التطوير يعتمد على تقنية "التوليد المعزز بالاسترجاع" (RAG) لتقديم إجابات قانونية دقيقة للمستثمرين استنادا إلى النصوص واللوائح الرسمية الموثقة، لتفادي الأخطاء التي قد تكون أشد ضررا من عدم الرد. كما عرضت خدمة تتيح للموظف الحصول على تقرير تحليلي شامل عن أي شركة مستهدفة خلال نحو دقيقتين بمجرد إدخال رقم تسجيلها التجاري.
السلفادور: أوضح الرئيس التنفيذي للمركز الوطني للتسجيلات، كاميلو تريغيروس، أن توظيف الذكاء الاصطناعي عبر النافذة الموحدة ومنصة "نوتاليكس" (Notalex) خفّض متوسط انتظار المعاملات الاستثمارية إلى أقل من ثماني دقائق، بدقة معالجة بلغت 97%، ومكّن من إنجاز 64% من المعاملات في اليوم نفسه، إلى جانب تسجيل أكثر من 11 ألف شركة مساهمة مبسطة برأسمال يبدأ بدولار واحد.
كازاخستان: بيّن رئيس جمعية المناطق الاقتصادية الخاصة في كازاخستان، يربول بخارباييف، أن جذب الاستثمارات في ظل وجود أكثر من 7000 منطقة اقتصادية حول العالم يتطلب سرعة القرار وتوافر بيانات موثوقة ومترابطة للمستثمرين حول الطاقة واللوائح والعمالة، معلنا عن تعاون مع منظمة "الأونكتاد" لرقمنة مناطق بلاده الـ18.
جامايكا وإستونيا: طُرحت تجربة جامايكا في إطلاق منصة مدعومة بصور الأقمار الصناعية تتيح استخراج بيانات المستثمر آليا وإصدار رموز استجابة سريعة تسهل ترخيص الأنشطة، إلى جانب الإشارة إلى مبادرة "بيروقراط" الإستونية كأداة ذكية لمساعدة المستثمرين في قراءة الأطر التنظيمية.
وخلصت المداولات إلى أن الجهدين المادي والإداري يرتبطان بحقيقة واحدة؛ وهي أن البنية التحتية الصلبة والمنصات الرقمية الذكية تفقد جدواها التنموية إن لم تترافق مع الاستثمار في الكوادر البشرية وتأهيلها. وأكد المشاركون ضرورة إصلاح المنظومة التعليمية لدمج أدوات الذكاء الاصطناعي مع الحفاظ على مهارات التفكير النقدي، والتمسك بالرقابة البشرية على مخرجات الذكاء الاصطناعي وصياغة القرارات السيادية، لضمان تحويل الاستثمارات الرقمية إلى نمو اقتصادي وفرص عمل مستدامة تلبي الأولويات الوطنية لكل دولة.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد