نزاعات الملكية الفكرية: محرك جديد لإعادة تشكيل الاستثمار العالمي بمليارات الدولارات


هذا الخبر بعنوان "أصول بمليارات الدولارات.. نزاعات الملكية الفكرية تعيد رسم خريطة الاستثمار العالمي" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في جلسات منتدى الاستثمار العالمي 2026 بالدوحة، سلط مسؤولون وأكاديميون وخبراء دوليون الضوء على التحول الجوهري للأصول الاستثمارية المعاصرة، متسائلين كيف أصبحت براءات الاختراع والعلامات التجارية والبيانات الرقمية عصب الاقتصاد الحقيقي بدلاً من كونها مجرد أدوات حماية قانونية. كما نوقشت سبل ضبط نزاعات هذه الأصول عند عبورها الحدود الوطنية وتصادمها مع سيادات وتشريعات الدول المختلفة، في ظل غياب مسار قضائي دولي موحد. تكتسب هذه التساؤلات أهمية بالغة نظراً لطبيعة النزاعات العابرة للقارات، والحاجة لبناء استثمارات قادرة على التكيف مع الأزمات الجيوسياسية والتوترات التجارية والتحولات الهيكلية السريعة في الأسواق. جاء ذلك في جلسة بعنوان "نحو حوكمة عالمية موثوقة للملكية الفكرية والاستثمار وتسوية النزاعات الدولية"، ضمن فعاليات النسخة التاسعة من المنتدى، الذي عُقد في الدوحة بالشراكة مع مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد). وأجمعت النقاشات على أن تنظيم الملكية الفكرية لم يعد مجرد شأن حقوقي، بل أصبح ركيزة أساسية لاستقرار التجارة الدولية، مع التحذير من أن تشرذم القواعد وازدواجية معايير التقاضي يهددان حركة التدفقات الرأسمالية العالمية التي تعاني من تركز حاد، حيث تستحوذ 20 دولة فقط على أكثر من 80% من إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر عالمياً.
طفرة أصول العلامات التجارية: يشهد الاقتصاد الدولي انقلاباً هيكلياً لصالح رأس المال غير الملموس المتمثل في الابتكارات التقنية والبيانات والعلامات التجارية، على حساب الأصول المادية. ورغم المرونة التي يمنحها هذا التحول للشركات، فإنه يفرض معضلات تمويلية معقدة في ظل تعطل الأجهزة القضائية الدولية، مما دفع الدول نحو إصلاحات وطنية لسد الفراغ. يوضح ماركو أليمان، مساعد المدير العام للمنظمة العالمية للملكية الفكرية (الويبو) ورئيس قطاع الملكية الفكرية ومنظومات الابتكار، أن قيمة كبريات الشركات العالمية تتشكل بنسبة تقارب 90% من الأصول غير الملموسة. وتشير دراسة اقتصادية لـ"الويبو" وجامعة "لويس" في روما إلى أن حجم الإنفاق على توليد الأصول غير الملموسة بلغ نحو 10 تريليونات دولار سنوياً، وأنها تمثل 12% من إجمالي الناتج المحلي العالمي، متفوقة على الأصول المادية. كما قفزت طلبات تسجيل العلامات التجارية عالمياً فوق 40 مليون طلب، وتجاوزت براءات الاختراع الدولية 3.5 ملايين طلب سنوياً، مما يعكس طفرة ريادة الأعمال ولكنه يضاعف النزاعات. ويلفت مدير الجلسة أحمد السليطي إلى المفارقة بين التزامات الدول في معاهدات الملكية الفكرية وتآكل منظومة الإنفاذ الدولي، مؤكداً أن غياب آليات ناجزة لحسم النزاعات العابرة للحدود يعيق تدفقات الابتكار. وفي هذا السياق، يقترح صالح المانع، وكيل الوزارة المساعد لشؤون التجارة بوزارة التجارة والصناعة بدولة قطر، حلولاً وطنية استباقية، خاصة مع شلل جهاز الاستئناف في منظمة التجارة العالمية منذ عام 2019. وقد سارعت الدوحة إلى تحصين بيئتها الاستثمارية عبر تأسيس "محكمة الاستثمار والتجارة"، وتفعيل لجان التحكيم وفض المنازعات السريعة، والانضمام إلى نظامي "مدريد" و"نيس" الدوليين لحماية العلامات التجارية رقمياً.
السيادة الوطنية وحقوق المستثمرين: تتقاطع الملكية الفكرية مع الحقوق الخاصة للشركات، مما يخلق تصادماً بين حماية رؤوس الأموال وسلطة الدولة في رعاية مصالحها العامة. تحلل الدكتورة سوزان كارامانيان، عميدة كلية القانون بجامعة حمد بن خليفة، جذور هذا التشرذم في اتفاقية "تريبس"، حيث تلزم الدول بتوفير إجراءات إنفاذ فعالة مع منحها مرونة واسعة في التطبيق. أدت اتفاقيات ثنائية أكثر تشدداً، مثل اتفاقية التجارة الحرة بين أمريكا والأردن، إلى تعميم المعايير الصارمة دولياً. يوضح خاور قريشي، رئيس مؤسسة ماكنير الدولية للمحاماة، أن إدراج الملكية الفكرية كأصول رأسمالية في معاهدات استثمار ثنائية فتح الباب لمقاضاة الدول، إلا أن اتفاقيات التجارة الحرة الحديثة شهدت موجة ارتدادية لحماية السيادة التنظيمية.
إدارة النزاعات والذكاء الاصطناعي: مع تسارع الرقمنة والذكاء الاصطناعي، يواجه المستثمرون والشركات الناشئة فخاخاً إجرائية عند تسجيل وحماية حقوقهم دولياً، مما يجعل اللجوء إلى الوسائل البديلة والتحكيم التجاري ضرورة. يفصل أستاذ الملكية الفكرية بجامعة أكسفورد روبرت بوريل المخاطر التشغيلية لنظام تسجيل العلامات الدولي، مثل تكدس السجلات، والهجوم المركزي، والتشتت القضائي. ترفض المحامية المتخصصة في التكنولوجيا والتحكيم الدولي لاريسا بارهيبريوس وصف توازي المسارات القضائية بالعيب الهيكلي، مؤكدة أن نزاعات منظمة التجارة العالمية تحكمها قواعد بين الدول، بينما يوفر تحكيم معاهدات الاستثمار تعويضاً مالياً لحماية المستثمر الفرد. يوضح عمرو أبو شامة، المستشار الأول في المركز السعودي للتحكيم التجاري، أن الوسائل البديلة لتسوية المنازعات تمثل الدرع الأكثر فاعلية في النزاعات التعاقدية. وتتجه حوكمة الملكية الفكرية نحو نظام هجين يتراجع فيه الاعتماد على المحاكم الدولية الشاملة لصالح أقطاب قضائية وطنية وإقليمية متخصصة. وسيكون الرهان المستقبلي للدول النامية والشركات الناشئة على بناء قدرات محلية تستوعب تقنيات الذكاء الاصطناعي، وصياغة عقود استثمارية توظف التحكيم والوساطة كخط دفاع أول لحماية القيمة الاقتصادية للأصول.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد