قطر
سياسة

بعد عملية الخليل.. نتنياهو يهدد بـ"67" جديدة: ما الرسالة وما التداعيات؟

الجزيرة٢٤ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٢:٠٢ ص0 مشاهدة
بعد عملية الخليل.. نتنياهو يهدد بـ"67" جديدة: ما الرسالة وما التداعيات؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "بعد عملية الخليل.. ماذا يعني تهديد نتنياهو بـ"67″ جديدة؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

منذ عقود طويلة، لا تكاد تمر حملة انتخابات في إسرائيل دون أن يعزز الائتلاف الحاكم شعبيته لدى ناخبي مجتمعه الاستيطاني عبر مزيد من العنف والقمع ضد الشعب الفلسطيني. هذا النهج يمثل أقصر طريق إلى قلوب وعقول المستوطنين الخائفين الذين يعيشون هاجس نهاية الكيان الإسرائيلي وخراب الهيكل الثالث. وعندما يكون الائتلاف الحاكم ممثلاً لأكثر اتجاهات اليمين تطرفاً وعنصرية واستعداداً لممارسة التطهير العرقي، فإن الأمر يصبح أشد خطورة. يتجلى ذلك في رؤية بتسلئيل سموتريتش، الذي يرى أنه ليس أمام الفلسطيني سوى: "العبودية أو التهجير أو القتل". هذا الثالوث تترجمه يومياً ممارسات الاحتلال وإجراءاته تجاه الشعب الفلسطيني. نشهد استمراراً للإبادة والتدمير والتنكيل، سياسةً وخطاباً واستيطاناً وخططاً عسكرية لعنف لم يسبق له مثيل منذ غزو واحتلال عام 1967، بما يتسق مع تعهدات بنيامين نتنياهو، زعيم الائتلاف اليميني المتطرف. يُضاف إلى ذلك جرعات التخويف والتهديدات التي يبثها قادة اليمين العنصري يومياً في وعي المجتمع الاستيطاني. يتساءل الكاتب الأمريكي ستيف أوينز، على منصة ميديوم (Medium): لماذا تعتمد السياسة الإسرائيلية على التهديد الدائم؟ ويلفت أوينز إلى أنه رغم مرور 78 عاماً على قيام إسرائيل، لا تزال الدولة تفتقد وثيقة تأسيسية موحدة، بل تقوم على خليط من قوانين أساسية وأحكام قضائية وعرفية. هذه نقطة ضعف هيكلية ينبع منها كل شيء آخر. لا يمكن للاحتلال والتطهير العرقي إلا أن يستدعيا مقاومة من يرزحون تحتهما، خاصة في ظل جرائم واعتداءات المستوطنين اليومية في الضفة الغربية.

في هذا السياق، جاء الكمين الذي نصبه منفذا العملية عند مدخل مدينة الخليل الغربي، قرب حاجز "فرش الهوا"، لعناصر كتيبة الاحتياط "آري" التابعة لقيادة الجبهة الداخلية للاحتلال. يُعد هذا الحاجز من أبرز الحواجز العسكرية المحيطة بالخليل، ويمثل للفلسطينيين رمزاً للإذلال اليومي والإغلاقات المتكررة.

أكد نتنياهو أن الجيش سينفذ في الضفة الغربية عملية واسعة وقوية لم يُشهد مثلها منذ حرب عام 1967. وأضاف أن حكومته أقامت أكثر من 100 مستوطنة وبؤرة استيطانية جديدة، متعهداً ببناء المزيد. استهدف منفذا العملية، حمودة الجعبة وفراس الجعبة، عناصر جيش الاحتلال الذين يعتدون على الأهالي في الأسواق والشوارع. أدى إطلاق النار إلى اشتباك مع قوات الاحتلال استمر أكثر من 20 دقيقة، مما يفسر تأخر إجلاء المصابين. أسفر الاشتباك عن مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة 4 آخرين، واستشهاد المنفذين. أعقب ذلك إجراءات عسكرية واسعة وتشنجات سياسية إسرائيلية حادة.

استهدف منفذا العملية جنوداً من جيش الاحتلال، ولم يكن المدنيون هدفهم. أقدما على ذلك وهما يعلمان الثمن الباهظ الذي سيدفعه أقرب الناس إليهما حسب سياسة الاحتلال في مثل هذه الأحداث من هدم المنازل والعقوبات الجماعية. اقتحمت قوات الاحتلال منازل المقاومين وقامت بعدة اعتقالات. وجه رئيس وزراء الكيان بنيامين نتنياهو القوى الأمنية بفرض حصار على الخليل وإغلاق الضفة الغربية بالكامل. وهدد نتنياهو بملاحقة عناصر المقاومة ومن يقفون وراءهم في كل مكان وزمان. وفي زيارة إلى الخليل، قال نتنياهو إن الجيش سيقتحم الأحياء التي خرج منها منفذا الهجوم ويُجلي سكانها، ويدخل جميع المنازل لجمع السلاح، مضيفاً أنه سينفذ فيها ما نُفذ في مخيمات شمال الضفة الغربية هدماً وتهجيراً وتفريغاً. أمرت قوات الاحتلال الأهالي بالفعل بإخلاء بيوتهم في مناطق واسعة من المدينة. فرضت القوات الإسرائيلية حصاراً على الخليل وحلحول، وتدرس الحكومة توسيع العملية لتشمل مناطق أخرى. وأكد نتنياهو مجدداً أن الجيش سينفذ في الضفة الغربية عملية واسعة وقوية لم يُشهد مثلها منذ حرب عام 1967، وأن حكومته أقامت أكثر من 100 مستوطنة وبؤرة استيطانية جديدة، متعهداً ببناء المزيد.

لا ينبغي استبعاد أي شيء في هذه الفترة الانتخابية المتوترة، إذ يجد نتنياهو وائتلافه أنفسهم في موقف حرج. التركيز ينصب الآن على تصعيد كبير لعمليات القمع في الضفة الغربية في الأيام المتبقية حتى الانتخابات. يتساءل المفاوض الإسرائيلي السابق دانيال ليفي: هل يشن نتنياهو حرباً جديدة يوم الاقتراع أم في إطار بناء ائتلاف؟ ويرى أنه إذا أقدم الائتلاف الحاكم في إسرائيل على تصعيد عنيف آخر، فلن يكون ذلك مفاجئاً طبقاً لتاريخه الحافل بالحروب الدائمة ضد الفلسطينيين والمنطقة. يأتي ذلك عقب اشتباك الخليل بعد استفزازات إسرائيلية متواصلة ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، رآها كثيرون مصممة لخلق ذريعة لإراقة دماء الفلسطينيين كأداة انتخابية. سارع نتنياهو والوزيران سموتريتش وبن غفير إلى توجيه تهديدات عبر الكاميرات من الخليل، تستبطن ترقباً لمثل هذه الفرصة، بلا منطق أمني أو ضرورة أمنية.

يُتوقع أن تكون نتائج الانتخابات متقاربة بين الائتلاف الحاكم والمعارضة الصهيونية. لا يزال بإمكان الناخبين أن يتأثروا بمثل هذه الأحداث. رغم التحفظات بشأن غياب بديل قوي من أحزاب المعارضة الصهيونية، وضرورة الاعتراف بأن المشكلة أعمق بكثير، وأن نهج الصراع تجاه الفلسطينيين والمنطقة مترسخ بنيوياً ومنهجياً في السياسة الإسرائيلية، فإن هذه الانتخابات ستكون تنافسية بشدة، ولها تداعيات بعيدة المدى. هناك اعتبار آخر جدير بالتأمل، خاصة إذا مرت الأيام حتى يوم الاقتراع دون قصف إيران أو تصعيد يغير قواعد اللعبة. يبدو مرجحاً أن يرى نتنياهو فائدة أكبر في تصعيد كبير كوسيلة لتشكيل بيئة التفاوض حول تكوين الحكومة المقبلة بعد الانتخابات، بديلاً عن التحرك قبل يوم الاقتراع. ويعتمد ذلك جزئياً على نتيجة الانتخابات والظروف المحيطة بها.

السيناريو الأوضح، في ظل تسريبات متداولة حالياً، أن تشن إسرائيل ضربة ضد إيران بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، التي ستجرى يوم 3 نوفمبر/تشرين الثاني، بعد أسبوع من تصويت الإسرائيليين. وهذا سيتطلب بالضرورة تأييداً أو تشجيعاً أو مشاركة فعالة من الرئيس ترمب. عندما يتعلق الأمر بشن عملية عسكرية واسعة النطاق في الضفة الغربية، فلن تخاطر القيادة العسكرية بالظهور متساهلة بعد إخفاقات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. ويُعدّ سيناريو تصعيد الوضع في الضفة الغربية، كما هو في غزة حالياً، قراراً يخص نتنياهو وحده ولا يتطلب تدخلاً أمريكياً.

يمكن تفسير التصعيد الكلامي الأخير على أنه مناورة تفاوضية لإخضاع إيران، وقد يتشجع ترمب على الاعتقاد بإمكانية نجاح ذلك. لكن الأدلة قوية جداً على أن الأمور لن تسير هكذا. فقد كان خيار ترمب في ادعاء نجاح الضغط والانسحاب متاحاً ولا يزال كذلك، لكن نظراً لعدم استخدامه هذا الخيار في ظروف أكثر ملاءمة، يبدو الآن أقل احتمالاً. وهناك توافق بين المحللين يُرجّح أن تكون المرحلة التالية عودة إسرائيل وأمريكا إلى ضربات نشطة، على نطاق جديد من الشدة والتدمير، لكن بتوقعات ونوايا متباينة بين الإسرائيلي والأمريكي. فالأول لديه طموح مفرط، بينما يفتقد الثاني خطة استراتيجية. وقد تُستفز إيران لتكون هي المبادِرة.

ينبغي الانتباه إلى ديناميكيات قد تظهر في إسرائيل بعد يوم الاقتراع، وقد تكون مؤثرة، بل ربما حاسمة، فيما سيحدث لاحقاً تجاه إيران أو الضفة الغربية. سيتمكن نتنياهو أيضاً من الادعاء بأنه انتظر انتهاء الانتخابات لئلا يُتهم بخلط الأمن بالدعاية الانتخابية، وأنه كان ينبغي عليه التحرك منذ زمن، لكنه امتنع لتجنب أي تلميح لحسابات سياسية. وسيجادل بأن أي تأخير إضافي، لعدة أسابيع خلال مفاوضات تشكيل الائتلاف، غير مقبول أمنياً. لا يرجّح أن يتبنى تحالف المعارضة الصهيونية موقفاً موحداً في هذه الظروف. وسيرى نتنياهو هذه الأزمة فرصة للتأثير أو حتى تحديد مسار مفاوضات تشكيل الائتلاف الحاكم الجديد.

الأمر الذي قد يربك تقديرات نتنياهو وحتى ترمب، هو اندلاع انتفاضة فلسطينية شاملة في الضفة الغربية في مواجهة حملة القمع والاقتلاع والتطهير العرقي الجديدة. ورغم موقف سلطة رام الله المناهض دائماً لانتفاضة شعبية، فإن نطاق هذه الحملة الإسرائيلية الجديدة قد يتعدى قمع المقاومة وتوسيع الاستيطان، إلى تفكيك سلطة رام الله ذاتها واجتياح كافة المناطق وإلغاء الترتيبات المرتبطة باتفاق أوسلو، وإن كان هذا بدوره سيُورّط إسرائيل في مأزق إدارة حياة نحو 4 ملايين فلسطيني.

شارك الخبر: