مذنب هالي بعد 40 عامًا: خيبة أمل الجمهور واكتشافات العلماء غيرت فهمنا للمذنبات


هذا الخبر بعنوان "بعد 40 عاما على ظهوره المخيب في 1986.. ماذا اكتشف العلماء داخل مذنب هالي؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بعد مرور 40 عامًا على ظهوره الأخير في عام 1986، تعود الأوساط الفلكية لاستذكار قصة مذنب هالي، الذي شكل مفارقة فريدة في تاريخ استكشاف الفضاء. فبينما خيب المذنب آمال الملايين الذين انتظروه كحدث سماوي نادر، إلا أنه قدم للعلماء اكتشافات غير مسبوقة غيرت نظرتهم للمذنبات. فبينما كان الجمهور يتطلع لرؤية ذيله الطويل، كانت ست مركبات فضائية من أوروبا والاتحاد السوفيتي واليابان والولايات المتحدة في مهمة لدراسة نواته وغازاته وغباره، في حملة علمية دولية عُرفت بـ "أسطول هالي".
يُعد مذنب هالي أشهر المذنبات الدورية، حيث يعود إلى قرب الشمس كل 76 عامًا تقريبًا. ويتكون المذنب من الجليد والغبار والمواد الصخرية، وعند اقترابه من الشمس ترتفع حرارته، مما يؤدي إلى تحرر الغازات والغبار وتكوين هالة وذيل طويل. وفي عام 1986، أتيحت للبشرية فرصة نادرة لرؤية نواة المذنب عن قرب لأول مرة، بدلاً من الاكتفاء بمراقبة ضوئه وذيله من الأرض.
ارتبط مذنب هالي بتاريخ البشرية لأكثر من ألفي عام، حيث تعود أقدم مشاهدة مؤكدة له إلى عام 240 قبل الميلاد، وسجله الفلكيون الصينيون. وكانت المذنبات تثير الخوف والدهشة، وتربطها الشعوب بالكوارث والحروب. ومن الشواهد التاريخية البارزة تصويره في "نسيج بايو" الذي يوثق الغزو النورماني لإنجلترا عام 1066. كما استلهم الرسام الإيطالي جيوتو دي بوندوني صورة المذنب في رسم نجمة بيت لحم عام 1301، ولاحقًا أطلقت وكالة الفضاء الأوروبية اسم "جيوتو" على المركبة التي كشفت أسرار المذنب في 1986.
لم يغب المذنب عن التاريخ العربي، حيث يربط بعض الباحثين ظهوره اللامع عام 837 ميلادية بالإشارة في قصيدة "فتح عمورية" لأبي تمام. وبعد قرون، جاء الفلكي الإنجليزي إدموند هالي ليقدم التفسير العلمي لعودة المذنب، حيث استنتج في عام 1705 أنها تعود لجرم واحد وتنبأ بعودته عام 1758، وتحققت نبوءته بعد وفاته، فحمل المذنب اسمه.
قبل عودة هالي عام 1986، ارتفعت توقعات الجمهور، خاصة بعد ظهوره اللافت عام 1910. لكن الظروف الفلكية لم تكن مواتية؛ فعند أقرب نقطة له من الشمس في 9 فبراير 1986، كان على الجانب البعيد منها بالنسبة للأرض، مما حجبه عن الأنظار. وفي مارس، ظهر بذيل أقصر بكثير مما كان متوقعًا، وكان موقعه المنخفض في السماء الشمالية وصعوبة رصده بسبب التلوث الضوئي سببًا إضافيًا لخيبة الأمل. وعند اقترابه من الأرض في 10 أبريل، كانت المسافة أكبر بثلاثة أضعاف مقارنة بعام 1910، وكان المذنب قد تجاوز مرحلة لمعانه الأكبر، ثم تقلص ذيله بصورة مفاجئة.
حظي هالي باهتمام فلكي وثقافي عربي في عام 1986، وشهدت الأردن فعاليات ومحاضرات صحفية وثقافية، منها محاضرة بعنوان "مذنب هالي.. الضيف الغالي، مرة في العمر" قدمها الفلكي الدكتور عبد الرحيم بدر في الجامعة الأردنية. عكست هذه الفعاليات الاهتمام الواسع بالمذنب، ليس فقط كموضوع فلكي، بل كفرصة للتعريف بعلم الفلك وربط الجمهور بحدث عالمي.
في الوقت الذي خيب فيه هالي آمال المشاهدين، كان العلماء يحققون نجاحًا علميًا كبيرًا. أطلقت اليابان المركبتين "ساكيغاكي" و"سويسي"، وأطلق الاتحاد السوفيتي المركبتين "فيغا 1" و"فيغا 2"، وشاركت الولايات المتحدة بالمركبة "مستكشف المذنبات الدولي"، وأرسلت وكالة الفضاء الأوروبية المركبة "جيوتو". هدفت هذه المركبات لدراسة المذنب عن قرب، وساهمت في جمع بيانات قيمة حول بيئته ونواته.
جاء الإنجاز الأكبر من المركبة الأوروبية "جيوتو"، التي مرت على مسافة قريبة من نواة هالي في مارس 1986، وأرسلت صورًا كشفت تفاصيل غير مسبوقة. كانت المفاجأة الأولى أن النواة لم تكن كرة منتظمة، بل جسمًا غير منتظم الشكل يشبه حبة البطاطس العملاقة. المفاجأة الثانية كانت أن سطح النواة كان شديد السواد، مغطى بطبقة داكنة من الغبار، خلافا للصورة المتخيلة لجرم جليدي لامع. وكشفت الصور عن ثلاث مناطق نشطة تنطلق منها نفاثات الغاز والغبار، مما أظهر عالم المذنبات أكثر تعقيدًا مما كان يُعتقد.
لم تتوقف مفاجآت هالي، ففي عام 1991، رصد فلكيون بلجيكيون المذنب وهو على بعد كبير من الشمس، وبدا أكثر لمعانًا بكثير مما كان متوقعًا، في انفجار مفاجئ للنشاط لم يجد العلماء تفسيرًا حاسمًا له. وفي 8 ديسمبر 2023، بلغ هالي أبعد نقطة في مداره عن الشمس، ليبدأ رحلة العودة التي ستقوده مجددًا إلى سماء الأرض صيف عام 2061. وتشير التوقعات إلى أن ظروف ظهوره المقبل ستكون أفضل من عام 1986، وقد يبدو أكثر لمعانًا، مما يمنح الأجيال القادمة فرصة لمشاهدة العرض الذي افتقده الكثيرون. وحتى ذلك الحين، تواصل بقايا المذنب تقديم عروضها السنوية عبر شهب الجباريات في أكتوبر وشهب إيتا الدلويات في مايو، شاهدة على أن هالي لم يغب تمامًا عن سمائنا. يبقى السؤال مع اقتراب عودته عام 2061: هل سيحتفظ بلقبه "مذنب لا يرى إلا مرة في العمر"؟ أم أن البعض سيحظى بفرصة رؤيته مرة ثانية بعد 75 عامًا؟
تكنولوجيا
تكنولوجيا
تكنولوجيا
سياسة