واسيني الأعرج: حكايات جدتي، نجاة من الموت، وتشكّل الأمكنة في مسيرة أديب جزائري عالمي


هذا الخبر بعنوان "واسيني الأعرج: نجوت من الاغتيال وشكلتني الأمكنة وصنعتني حكايات جدتي" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم تكن حياة الروائي الجزائري واسيني الأعرج أقل تشويقاً وإثارة من أعماله الأدبية التي حظيت بتقدير واسع في الساحة العربية. فقد تشكلت مسيرته بين ثنايا الحكايات الشعبية، والطقوس الدينية، ومقاومة الاحتلال، ليبلغ به المطاف أستاذاً في جامعة السوربون العريقة بباريس. ولد واسيني أحمد الأعرج في الرابع من أغسطس عام 1954، بقرية سيدي بوجنان الواقعة في ولاية تلمسان على الحدود الجزائرية المغربية. كانت نشأته في كنف أسرة فقدت الأب الذي اغتالته يد الاحتلال الفرنسي تحت وطأة التعذيب خلال الثورة الجزائرية، حيث ألقي بجسده في بئر مياه ولم يتم العثور عليه أبداً. هذه الفاجعة ألهمت والدته، وبعد فشل كل محاولاتها للعثور على رفات زوجها وتخصيص قبر له، كتبت روايته الأولى بعنوان "القبر المفتوح".
بعد الاستقلال، طلب أقارب الأعرج من والدته الإذن لهم بقتل "الحرْكي"، وهو المتعاون مع المستعمر الفرنسي الذي تسبب في مقتل زوجها، وكان اسمه علي. لكن الأم رفضت ذلك. وحتى يومنا هذا، يحلم واسيني الأعرج بمحاورة هذا الرجل الذي عاد إلى الجزائر بعد سنوات قضاها في فرنسا، مؤكداً أنه لا يحمل له أي ضغينة، بل يرغب فقط في معرفة تفاصيل ما جرى مع المناضلين السجناء في تلك الفترة قبل وفاته. في تلك القرية الصغيرة التي كانت تعج بالحكايات الشعبية وحب الأولياء، ترعرع واسيني، المنحدر من سلالة أندلسية. وقد تنبأت له إحدى الغجريات عند ولادته بأنه سيعبر البلدان ويموت بالحديد. ورغم عمله في التهريب صغيراً لبيع الملابس والألعاب عبر الحدود، إلا أن والدته كانت تزرع فيه طموحاً أكبر، إذ أخبرته بأنه "لم يولد ليكون مهرباً". انتقل إلى مدينة تلمسان وهو في الحادية عشرة من عمره، ثم إلى وهران حيث حصل على ليسانس الأدب، ثم الماجستير والدكتوراه من جامعة دمشق، قبل أن ينال دكتوراه أخرى من جامعة السوربون.
يعزو الأعرج فضل حبه للغة العربية وللأدب إلى جدته لأمه، التي يعتبرها صانعته وخارجة من عباءتها. فقد تربى على حكايات أجداده الأندلسيين التي كانت ترويها له، وهي التي رافقته إلى الشيخ لتعليمه القراءة والكتابة والقرآن، ونصحتْه بشدة بعدم التخلي عن العربية لصالح الفرنسية. خلال دراسته الجامعية في وهران، انخرط الأعرج في التيارات السياسية المتنوعة، وانتمى إلى حركة التطوع الطلابي التي كانت تشرح للفلاحين القوانين الزراعية الجديدة. كما واصل قراءاته الأدبية، وتعرف على أعمال كبار الكتاب مثل تولستوي وغوستاف فلوبير وناظم حكمت.
بعد تخرجه، سافر إلى دمشق لمتابعة دراساته العليا، وقضى فيها عشر سنوات، عاد بعدها للعمل أستاذاً بجامعة وهران. لكن مع بداية ما عُرفت بـ"العشرية السوداء" في الجزائر، تعرض المثقفون لتهديدات شديدة من بعض التيارات الإسلامية التي سعت لفرض رؤيتها على ما يجب أن يكتبوه.
نجاة من الموت
عندما اندلعت "العشرية السوداء" في الجزائر (1992-2002)، خشيت والدة واسيني الأعرج تحقق نبوءة الغجرية، فذهبت إلى أحد الفقهاء لعمل تميمة نحاسية تقيه من الرصاص، وألزمته بارتدائها. ورغم عدم اقتناعه بالأمر، إلا أنه التزم بأمر والدته التي كانت تؤمن بأن الله صرف عنه الكثير من الرصاص بسبب هذه التميمة. خلال هذه الفترة، التي كتب عنها روايته "شرفات بحر الشمال"، وُضع اسمه وأسماء مثقفين وصحفيين آخرين على قوائم الاغتيال، وقُتل بعضهم بالفعل، منهم طاهر جاووت، الذي وصفه الأعرج بأنه كان قادماً من بيت صوفي وله خلفية إسلامية واسعة، لكنه أُدين لكتابته أعماله بالفرنسية. ومع تصاعد المخاطر، سافر الأعرج مع أولاده إلى باريس كمدرس زائر في مدرسة الأساتذة لمدة ستة أشهر، ثم تلقى دعوة للعمل في جامعة السوربون. وقد نجا الروائي الجزائري من محاولة اغتيال بالصدفة عندما تخلف عن الذهاب صباحاً إلى مقهى ألبير كامو، كما كان يفعل كل صباح، ليُقتل شخص آخر يدعى واسيني الأحرش بدلاً منه. انتشر الخبر وتبنت الجماعة العملية، ونعت جهات الأعرج قبل أن تتضح حقيقة أن شخصاً آخر قُتل خطأ.
الحياة في فرنسا
كانت الشاعرة زينب الأعوج، زوجة واسيني، على قوائم القتل أيضاً. يقول الأعرج إنه لم يكن يستسلم لهذه التهديدات أو يستهين بها، وكان حريصاً جداً ويلجأ إلى التنكر مراراً. وقد قرر الرحيل عن بلده بعد اغتيال صديقه الكاتب عبد القادر العالول خلال شهر رمضان. في باريس، انطلق الأعرج في كتاباته مستفيداً مما يعتبره شعوراً بالأمن والسكينة وانتظام الحياة، ليبلغ إنتاجه ثلاثين رواية بالعربية، حيث راهن على مئات الملايين من العرب بدلاً من الرهان على أربعين مليون فرنسي. وعندما وصل الأعرج إلى الولايات المتحدة في أوائل التسعينيات، بعد حصوله على منحة كتابة استمرت لأكثر من عام، نظر إلى البنايات الشاهقة متسائلاً: "هل كان ذلك الطفل الصغير الذي يمشي بلا نعل يحلم بأن يصل إلى هذا العالم؟". وعن علاقته بالفرنسيين، يوضح الأعرج أنه لا ينظر إليهم كقتلة لأبيه، مؤمناً بأن الاستعمار الفرنسي هو الذي قتله وليس أحفاد المستعمرين.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة