تنويه
هذا الخبر بعنوان "الحياة الاجتماعية العثمانية في سياحتنامه أوليا جلبي.. التعليم والإقطاع والقضاء" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في هذه الحلقة الثانية والأخيرة من استعراض الحياة الاجتماعية العثمانية الكلاسيكية في زمن الرحالة أوليا جلبي، كما وثقها في كتابه الموسوعي "سياحتنامه" الذي استغرق تسجيل رحلاته ومشاهداته نحو 40 عامًا في العالم العثماني وما حوله، نستعرض مشاهداته حول نظام التعليم العثماني، والحياة الروحية من تصوف وتكايا و"مثنوي" لمولانا، ونظام الإقطاع العسكري والتجنيد وملكية الأرض، وإدارة الأقاليم من إيالات وألوية وأقضية ونواح وقرى، لتُختتم هذه الإطلالة بنظام القضاء وإدارة البلديات.
الكُتاب والمكتب والمدرسة
يميز المؤلف بدقة بين "المكتب" و"المدرسة" عند تعداد كل منهما في أي مدينة أو بلدة. فالمدرسة التي يتلقى فيها التلميذ تعليمه الأولي أو الابتدائي تسمى "مكتب"، ومدرسها "خواجة" أو خوجة. كان التعليم الابتدائي واسع الانتشار في القرن السادس عشر، لكنه تدهور لاحقًا ولم ينهض إلا مع عصر التنظيمات (1839). ورغم صدور أوامر سلطانية بإلزامية التعليم الابتدائي، لم يُطبق مبدأ التعليم الإلزامي قط. كان التعليم الابتدائي بسيطًا، يقتصر على القراءة والكتابة وحفظ القرآن والعمليات الحسابية الأساسية والمعارف الإسلامية، وأضيفت لاحقًا مادتا التاريخ والجغرافية. وفي المدن الكبيرة، كانت تدرس الموسيقى والخط واللغة الفارسية لغة الشعر الصوفي، إضافة إلى العربية أو التركية. كان التعليم في المكتب مختلطًا، يضم البنات والأولاد، وتبدأ الدراسة بين الرابعة والسادسة وتستغرق أربع سنوات أو أكثر. كان الصبيان والبنات يجلسون في نفس الفصل الدراسي على مقاعد منفصلة، مع تغطية رؤوسهم احترامًا للنظام. كانت مكاتب تحفيظ القرآن (الكتاتيب) منتشرة، وكذلك مكاتب تعليم فن الخط في التكايا. كان عدد تلاميذ المكتب العادي أقل من مئة، وبعضها يتراوح بين 20-30 تلميذًا. المكاتب الكبيرة كانت قليلة وتسمى "طاش مكتب". بلغ عدد مدارس القاهرة وضواحيها في نهاية القرن السابع عشر حوالي 6176 مدرسة ومكتبًا، وفي إسطنبول 1993 مدرسة. كان من المعتاد أن يكون مدرسو مدارس القاهرة والشام ومكة المكرمة من الأتراك من الأناضول، مما يفسر لقب "خوجة" الذي تحمله بعض العائلات حتى اليوم.
أما المدرسة، فكانت المؤسسة الثقافية التعليمية الرئيسية في الفترة الكلاسيكية للدولة العثمانية. تُدرس بها العربية والتركية، وتتكون من قسمين: متوسط وعالٍ. كان إتمام الدراسة الابتدائية شرطًا للالتحاق بالقسم المتوسط. كانت الدراسة في المدرسة تنقسم إلى 12 درجة بعد الابتدائية، والدرجات الأربع الأخيرة هي مرحلة الدراسة العالية، ويُطلق على مدرسيها "كبار المدرسين" وعلى طلبتها "طلبة علوم" أو "صوفتة" بالتركية، ويلقون احترامًا اجتماعيًا خاصًا.
تصوف وتكايا و"مثنوي" مولانا
كانت الطرق الصوفية والتكايا جزءًا لا غنى عنه في الحياة الاجتماعية العثمانية. ففي كل قصبة توجد تكية على الأقل، وهناك تكايا خاصة لطرق عديدة في كل مدينة، تعمل بمثابة نوادٍ اجتماعية. تجري فيها أحاديث علمية وفنية وصوفية، واحتفالات وفقًا لآداب كل طريقة، كما تُعَلّم فيها صناعات وعلوم وآداب ولغات. كانت الطرق والتكايا مؤسسات تربوية وتعليمية فريدة. كانت الطريقة النقشبندية منتشرة جدًا في الشرق العربي وتركيا، وكذلك الطرق ذات المنشأ العربي كالقادرية والرفاعية والخلوتية. ومن الطرق التركية: المولوية، البكتاشية، القلندرية، السنبلية، الچلوتية، البايرامية، الكلشنية، الملامتية، العشاقية، والسعدية. كانت البكتاشية الأكثر انتشارًا بين العامة والجند، والمولوية بين المثقفين، وكان الانكشارية بكتاشيين. تنسب البكتاشية إلى حاجي بكتاش ولي، والمولوية إلى مولانا جلال الدين الرومي، وكلاهما جاء من خراسان إلى الأناضول. كانت التكية الصغيرة تسمى زاوية، والكبيرة دركاه، والأكبر آستانة. ولكل تكية شيخ، يتدرج في السلسلة حتى يصل إلى المتصوفين القدامى. كان التصوف عنصرًا هامًا في الحياة العثمانية، وكثيرًا ما كانت مشيخة الطريقة في أسرة واحدة، كسلالة مولانا جلال الدين الرومي. كان للمرأة توجه قوي نحو التصوف، وكانت في التكايا ساعات مخصصة للنساء. كان المسيحيون العثمانيون يدخلون التكايا لحب الاستطلاع ومشاهدة الاحتفالات، أشهرها احتفال المولوية "آيين شريف مولوي"، وهو طقس موسيقي ورقص صوفي كرقصة السماع. كانت الكلمات المنشدة في المراسم من نتاج الشعر الصوفي من ديوان "مثنوي" لمولانا جلال الدين الرومي. كان السماع يجري مرة أسبوعيًا في التكايا المولوية ويسمى "مقابلة". كانت بعض هذه التكايا الكبيرة مدارس لتعليم الموسيقى واللغة الفارسية. كان لكل تكية محبوها وداعموها، وأتباعها من الدراويش المحيطين بشيخ التكية. نظام طاعة الدراويش يشبه نظام الجيوش، فأمر الشيخ لا يُناقش.
نظام الإقطاع العسكري والتجنيد
يسرد أوليا جلبي أعداد فرسان "تيمارلي سباهي" الذين تقدمهم كل منطقة. تشكيلات تيمارلي سباهي هي جيش من الخيالة، وهي أهم أصناف الخيالة في الجيش العثماني. انتشر هذا النظام في كل أطراف الأناضول وروملي. خيال الأقاليم، تيمارلي سباهي، لا يتقاضى راتبًا من الدولة، بل يُقطع أرضًا زراعية تسمى "تيمار" إن كانت صغيرة، أو "زعامت" إن كانت كبيرة. يقوم ضابط السباهي الكبير (زعيم) بجمع الخراج من الفلاحين في إقطاعيته مقابل اشتراكه في القتال مع جنوده بأعداد وتجهيزات متناسبة مع مساحة ومحصول الإقطاعية. يعتبر الزعيم مسؤولًا عن الأمن في الأراضي التي يديرها وقت السلم. قد يكون التيمار قرية بكاملها أو عدة قرى، ولا يمكن لصاحب التيمار جبي خراج أكثر مما تقره القوانين. عند استدعاء السباهيين للقتال، ينضمون إلى آمر الكتيبة (آلاي بك)، ثم إلى آمر اللواء (سنجق بك)، ثم إلى قائد الفريق أول (بكلربك)، وأخيرًا إلى السرعسكر (قائد الجيش العثماني). بدأت نظام الإقطاع (تيمارلي) مع السلاجقة، وكان لديهم نوعان من الجند: تيمارلي؛ و"قابوقولو" (قوات المركز التي تتقاضى رواتب). السباهي هو الخيال الذي يدير الأرض، وصاحبها هو الدولة. لم يتأسس هذا النظام خارج نواة الإمبراطورية العثمانية في الأناضول إلا في إيالات روملي والشام. في عام 1650، كان للدولة من جنود التيمارلي وجنود الرواتب ما مجموعه 566 ألفًا. المكون البشري الأساسي لخيالة التيمارلي هو العشائر ذات الأصل التركماني. لعب السباهية دورًا كبيرًا في أسلمة الأناضول وروملي وصبغها بالثقافة التركية. بدأ هذا الصنف من الجيش يتضاءل اعتبارا من الربع الأخير للقرن السادس عشر، وأُلغي عام 1850، بسبب ازدياد أهمية المشاة وتقدم تقنية الأسلحة النارية والمدفعية. بعد حل نظام التيمار، اختلت ملكية الأراضي العثمانية، وحل محل سباهية التيمار ملاك استحوذوا على هذه الأراضي. في بلاد الشام، استقرت عشائر تركمانية عديدة واستعربت، وخدمت أدوارًا في الإدارة والحكم. في مصر، لم تؤسس تشكيلات التيمار العثماني لوجود نظام الإقطاع العسكري بها منذ أواخر عهد الأيوبيين والمماليك.
الأقاليم.. إيالات وألوية وأقضية ونواح وقرى
استقر نظام إدارة الأقاليم في المشرق العربي منذ عهد المماليك والعثمانيين إلى الآن، بما في ذلك هيكلية المناطق ووحداتها الإدارية من إيالات، وألوية، وأقضية، ونواح، وقرى، على الترتيب. جاءت التقسيمات الإدارية متوازية مع حدود التكوينات العشائرية والتشكيلات القبلية ودوائر النفوذ والعصبيات المناطقية. كانت تلك التقسيمات انعكاسًا لتلك الأوضاع وتكريسًا لها. لم تكن تلك التقسيمات متجمدة، فكثيرًا ما كان يُؤسس لواء جديد أو يُلغى لواء لضمه إلى آخر بسبب تغير العوامل السكانية أو الاقتصادية أو الاستراتيجية. وأحيانًا يُنقَل مركز الإيالة أو اللواء أو القضاء من مدينة إلى أخرى رغبة في تنميتها أو تعزيز وضعها الاستراتيجي. كانت إيالة مصر تحتل الرتبة الأولى في بروتوكول التشريفات العثمانية، تليها إيالة المجر، ثم إيالة روملي، ثم إيالة حبش، ثم إيالة بغداد، ثم إيالة اليمن، وأخيرًا إيالة الشام.
القضاء والبلديات
كان القاضي العثماني قبل عصر التنظيمات (1839) حاكمًا في أمور التقاضي والحقوق، ورئيسًا لبلدية موقعه. كان ينظر في الدعاوى القضائية قبل الظهر، وفي أمور البلدية بعد الظهر. كان القاضي الصغير الذي يسمى نائبًا هو الآمر الملكي لناحيته، أي مدير الناحية ورئيس بلديتها وحاكمها. أما الشخص الذي يدعى قاضيًا، فكان هو الآمر الملكي لقضائه، قائم مقام القضاء، ورئيس بلدية القضاء وحاكمه. كان القضاة يحكمون في القضايا الجزائية والدعاوى العامة بموجب الفقه الحنفي والقوانين الصادرة باسم الخاقان. كان من المبادئ الأساسية للإدارة العثمانية عدم إمكان صدور الجزاء أو إنفاذه بدون حكم القاضي، باستثناء قضايا أمن الدولة التي كانت من اختصاص أمير اللواء أو والي الإيالة. كان القرار الذي يصدره القاضي ينفذ على الفور، ما عدا حكم الإعدام، إذ يمثل المحكوم عليه أمام أمير اللواء أو والي الإيالة ومعه حكم القاضي. في مصر، كان قاضي القاهرة يسمى "مصر قاضيسي" أو "مصر أفنديسي". كان أول من تولى قضاء مصر للعثمانيين هو كمال باشزاده أحمد شمس الدين أفندي (1517)، وهو من أكبر علماء العثمانية. كان بإمرة قاضي مصر مئة موظف ومئة خادم وثلاثمئة محضر (شرطة عدلية)، وله مستشارون من المذاهب الأربعة. جُمعت سجلات المحاكم في بناية ذات قبة حجرية، وتراكمت الوثائق منذ الفتح الإسلامي على شكل جبل من الأوراق.
أخبار ذات صلة
ثقافةإنجي شوكت: أصغر عميدة كلية في مصر تقود شغف العمارة نحو النساء والأطفال
ثقافةملحمة الفرس تعود بقوة: الإيرانيون يحتفون بالشاهنامة في زمن الأزمات
ثقافةسيدني بواتييه: من بائع الطماطم إلى أيقونة هوليوود ومحارب ضد العنصرية
ثقافة
