قطر
ثقافة

ملحمة الفرس تعود بقوة: الإيرانيون يحتفون بالشاهنامة في زمن الأزمات

الجزيرة١٩ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٥:٠٨ م0 مشاهدة
ملحمة الفرس تعود بقوة: الإيرانيون يحتفون بالشاهنامة في زمن الأزمات

تنويه

هذا الخبر بعنوان "العودة إلى الأساطير.. لماذا يتهافت الإيرانيون على ملحمة الفرس بعد الحرب؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في ظل تدهور سوق الكتاب الإيراني وصعوبة القدرة الشرائية، تشهد ملحمة "الشاهنامة" للشاعر أبي القاسم الفردوسي إقبالاً لافتاً، لتتصدر قوائم الأكثر مبيعاً بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. يثير هذا الاهتمام تساؤلات حول ما إذا كان يعكس عودة للأدب أم سلوكاً رمزياً يبحث فيه الإيرانيون عن هويتهم الوطنية في ظل تهديد وجودي.

بدأت الظاهرة بمقطع فيديو انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي، أعلن فيه أحد مديري دور النشر في طهران عن تصدر "الشاهنامة" لقوائم المبيعات. احتفت الصحافة الفارسية بهذا الحدث، بينما اعتبره مراقبون رد فعل نفسياً على صدمة الحرب. يأتي هذا الإقبال في وقت تعاني فيه البلاد من أزمة اقتصادية طاحنة تجعل شراء الكتب ترفاً للكثيرين.

نفاد النسخ

في قلب العاصمة طهران، وعلى جانبي شارع "الثورة الإسلامية"، التقت الجزيرة نت بجمال هاديان زواره، مدير دار "علمي فرهنكي" للنشر والتوزيع. عبر زواره عن دهشته من الإقبال، موضحاً أن جميع نسخ "الشاهنامة" التي طبعتها الدار قد نفدت خلال فترة الحرب والأشهر التي تلتها. وأضاف أن هذا الإقبال لم يقتصر على الداخل الإيراني، بل امتد إلى الخارج، حيث أبدى الكتّاب والمترجمون الأجانب اهتماماً بمعرفة إيران عبر الأدب والتاريخ.

أسباب التحول

يربط زواره هذا التحول بالحرب الأخيرة وتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول عزمه تدمير إيران وحضارتها. ويرى أن هذه التصريحات أثارت مشاعر الإيرانيين حول هويتهم، وأن نتائج الحرب دفعت المهتمين بالشأن الإيراني إلى التعرف مجدداً على تاريخ البلاد وحضارتها. وأشار إلى أن الحرب دفعت الإيرانيين إلى إعادة النظر في تاريخهم وأمجادهم، وأن صمودهم أمام الحرب الأمريكية الإسرائيلية أدى إلى نتائج غير متوقعة، مما دفعهم للبحث عن فهم أعمق لهويتهم وثقافتهم من خلال دراسة "أمهات الكتب" وعلى رأسها "الشاهنامة".

الكتاب كدواء

في جولة ميدانية بسوق الكتاب، أكد الشاب محمد (32 عاماً، مدرس) أن ارتفاع مبيعات "الشاهنامة" يظهر اتجاه الناس نحو ما يبعث على الفخر خلال الأزمات. وأشار إلى أن الملحمة نشأت استجابة لحاجة ثقافية وهوياتية، وأن الفردوسي لجأ إلى الماضي والأساطير لصون الهوية الإيرانية.

من جانبها، ترى سُلالة (42 عاماً، موظفة) أن الإقبال على "الشاهنامة" ليس ظاهرة أدبية فحسب، بل هو طقس سياسي ورمزي نابع من الخشية الجماعية على وحدة الوطن. واعتبرت أن اقتناء الملحمة ووضعها في البيوت يأتي في سياق تحرك الجمهور للحفاظ على وطنه، وأن الناس وجدوا في "الشاهنامة" أرخص دواء للطمانينة في ظل انقطاع الإنترنت.

تحولات في الوعي الجمعي

ترى الباحثة في الشؤون الثقافية سارا مسعودي أن هذا الإقبال يعكس تحولات عميقة في الوعي الجمعي الإيراني وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع. وتؤكد أن "الشاهنامة" ليست نصاً أدبياً عادياً، بل هي ذاكرة ثقافية ووثيقة هوية وطنية، تمثل ضماناً للذاكرة الثقافية الإيرانية وشهادة ميلاد الأمة، خاصة وأن الفردوسي كتبها في زمن الضغط.

وأشارت مسعودي إلى أن السلطة الإيرانية تسعى لاستخدام رموز "الشاهنامة" وأمجادها، وربطها بالتطورات الجارية، في مؤشر على التحول في السياسة الثقافية نحو القومية إلى جانب الهوية الدينية. وتتضمن هذه الرموز مفاهيم المقاومة ومناهضة الظلم، وتستخدمها حتى المعارضة الإيرانية ضد الجمهورية الإسلامية.

البعد الاجتماعي والثقافي

توضح مسعودي أن هناك عدة مسرحيات تدور حول أساطير "الشاهنامة" تُعرض في طهران، وهذه العروض تزيد من مبيعات الملحمة. ومن منظور علم الاجتماع الثقافي، عندما يصبح المستقبل غامضاً، يميل الناس إلى الروايات التي تمنحهم الاستمرارية والمقاومة، و"الشاهنامة" تمتلك هذه الخاصية.

فيما يتعلق بالعلاقة بين الدولة والمجتمع، تشير مسعودي إلى أن السلطة تريد أن تكون الحاكم الثقافي للبلاد، وتستخدم رموز "الشاهنامة" وفق رواياتها، مثل ربطها بالمنتخب الوطني للمونديال. وترى المعارضة في هذا استغلالاً للأساطير الوطنية لصالح الرسالة الأيديولوجية.

وتضيف مسعودي أن نظرة السلطة الإيرانية إلى الوطنية والقومية تغيرت عقب الحرب الأخيرة، فقامت باستخدام الأساطير لتمرير رسائل أيديولوجية. كما أن بعض العلامات التجارية الإيرانية بدأت تستخدم رموز "الشاهنامة" في إعلاناتها. ويريد الإيرانيون اقتناء "الشاهنامة" في بيوتهم كعلامة على بقاء واستمرارية هويتهم في زمن الخطر.

شارك الخبر: