قطر
سياسة

تراجع مشاهدات "60 دقيقة" يكشف صراع الحقيقة والسلطة خلف الكواليس

الجزيرة١٩ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠١:١٠ ص0 مشاهدة
تراجع مشاهدات "60 دقيقة" يكشف صراع الحقيقة والسلطة خلف الكواليس

تنويه

هذا الخبر بعنوان "عندما يخاف الصحفي من رئيسه" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

برنامج "60 دقيقة" الأمريكي، الذي استغرق عقوداً لبناء مصداقيته في عالم الإعلام، واجه مؤخراً تراجعاً حاداً في نسب مشاهدته، وفقاً لبيانات مؤسسة "نيلسن" لقياس نسب المشاهدة. فقد انخفض عدد المشاهدين من حوالي 10.2 ملايين إلى 6.06 ملايين في أسبوع واحد، بنسبة تقارب 41%. ورغم أن المقارنة قد لا تكون عادلة تماماً بسبب استفادة الحلقة السابقة من جمهور مباراة لكرة القدم الأمريكية، إلا أن الانخفاض بنسبة 12% مقارنة بالحلقة المماثلة من العام الماضي، يجعل الحلقة الرابعة من الموسم الحالي الأقل مشاهدة منذ ربع قرن على الأقل.

في "60 دقيقة"، تعلمنا أن أسوأ أنواع القصص الصحفية هي تلك التي تُكتب لإثبات فكرة مسبقة. وقد أشار ابن خلدون قبل أكثر من 6 قرون في مقدمته إلى أن "التشيعات للآراء والمذاهب" من أسباب الكذب في الأخبار، حيث تقبل النفس ما يوافقها من الأخبار بسهولة. افتتاح الموسم الحالي شهد تراجعاً بنسبة 21% عن الموسم السابق، وهي أرقام لا يمكن تفسيرها بمباراة كرة قدم وحدها.

لكن القصة الأهم لا تكمن في الأرقام، بل خلف الكاميرات، في غرف التحرير التي بنت سمعة "60 دقيقة" منذ انطلاقه عام 1968. اندلع خلاف حاد بين المراسلة المخضرمة ليزلي ستال ورئيسة تحرير شبكة "سي بي إس نيوز" الجديدة، باري وايس، حول تحقيق تناول عنف المستوطنين الإسرائيليين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية. وتشير التقارير إلى أن تدخلات الإدارة تجاوزت التدقيق المعتاد، ووصل الخلاف إلى درجة دفعت ستال للتفكير في الاستقالة، رغم نفي الشبكة لهذه الرواية بشدة.

اللافت أن التقرير بث في موعده رغم تعارضه مع مواقف باري وايس المعلنة المؤيدة لإسرائيل. وفي تقديري، أدركت إدارة الشبكة أن الرأي العام الأمريكي تغير، وأن حجب التقرير قد يكلفهم أكثر من بثه. فقد أظهر استطلاع لمؤسسة غالوب أن 41% من الأمريكيين يتعاطفون مع الفلسطينيين أكثر، مقابل 36% مع الإسرائيليين، وهي المرة الأولى التي يتقدم فيها التعاطف مع الفلسطينيين.

لم يكن هذا الخلاف الوحيد، فقد تفاصيل اجتماع عقدته مسؤولة الأخبار الخارجية، شايندي رايس، مع الموظفين، على خلفية اعتراض الإدارة على ذكر عدد الضحايا الفلسطينيين في غزة في تقرير بمناسبة ذكرى "7 أكتوبر". وحذرت رايس العاملين من مخالفة التسلسل الإداري، واعتبرت عدم الامتثال لتعليمات الإدارة عصياناً قد يشكل سبباً قانونياً للفصل.

هناك فرق جوهري بين سؤال رئيس التحرير: "هل نستطيع إثبات هذه المعلومة؟"، وسؤاله: "هل تتوافق هذه المعلومة مع موقفنا السياسي؟". الأول يصنع صحافة جيدة، والثاني يقتلها. أمضيت أكثر من ثلاثة عقود في "60 دقيقة" وشهدت خلافات لا تحصى، لكنني لم أشعر يوماً أن المطلوب هو التخلي عن القناعات المهنية لإرضاء قناعات رئيس سياسية. الصحفيون في "60 دقيقة" اعتادوا الدفاع بشراسة عن تحقيقاتهم، وكانت مراجعة التحقيقات من أكثر العمليات صرامة في الصحافة التلفزيونية.

تعلمنا أن أسوأ أنواع القصص الصحفية هي تلك التي نكتبها لنثبت فكرة مسبقة. وأضاف ابن خلدون سبباً آخر يبدو كأنه كتب لغرف الأخبار اليوم: "تقرب الناس في الأكثر لأصحاب التجلة والمراتب بالثناء والمدح". المؤسسة الصحفية ليست ثكنة عسكرية، وقوة "60 دقيقة" لم تكن في طاعة مراسليه، بل في قدرتهم على طرح الأسئلة التي لا يريد أصحاب السلطة سماعها.

عملت مع صحفيين كبار، واشتركوا في قناعة أساسية: أن ولاء الصحفي الأول للحقيقة، وليس للشركة التي تدفع راتبه. اللافت أن التقرير بث في موعده رغم تعارضه مع مواقف باري وايس المعلنة. وفي تقديري، أدركت إدارة الشبكة أن الرأي العام الأمريكي لم يعد كما كان، وأن حجب تقرير كهذا قد يكلفهم أكثر من بثه.

لم يكن البرنامج مثالياً، لكن ما أعطاه مكانته هو أن معاركه التحريرية كانت جزءاً من البحث عن الحقيقة. اليوم، تخوض المؤسسات الإعلامية الأمريكية أزمة أعمق من تراجع نسب المشاهدة، فالتنافس امتد إلى السؤال الأخطر: من يملك الحق في تحديد الحقيقة التي يسمح للجمهور برؤيتها؟ الأرقام قد تتحسن، لكن الثقة لا تعود بهذه السهولة. احتاج "60 دقيقة" إلى ما يقارب 6 عقود ليبني مكانته، ولم يصنعها المديرون التنفيذيون، بل الصحفيون الذين خاطروا بسمعتهم للحصول على قصة تستحق أن تروى. وحين يبدأ الصحفي بالخوف من رئيسه أكثر من خوفه من الوقوع في الخطأ، تكون المؤسسة قد بدأت تفقد أهم ما تملكه. السؤال الذي ينبغي أن يطرحه القائمون على "60 دقيقة" اليوم ليس لماذا خسر البرنامج 4 ملايين مشاهد، بل كم من الثقة يمكن أن يخسر قبل أن يصبح مجرد برنامج تلفزيوني آخر؟

شارك الخبر: