قطر
سياسة

عملية "فجر اليمن": من احتواء التهديد إلى استعادة زمام المبادرة الاستراتيجية

الجزيرة١٧ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٩:٤٤ م0 مشاهدة
عملية "فجر اليمن": من احتواء التهديد إلى استعادة زمام المبادرة الاستراتيجية

تنويه

هذا الخبر بعنوان ""فجر اليمن".. من إدارة التهديد إلى استعادة المبادرة" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تتجاوز أهمية عملية "فجر اليمن" مجرد الإعلان عن عدد الغارات أو المواقع التي تم استعادتها، لتطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل الصراع اليمني. فهل انتهت مرحلة إدارة خطوط التماس وبدأت مساعي تغيير الشروط العسكرية والسياسية التي سمحت للحوثيين بتهديد الدولة اليمنية وجوارها وحركة الملاحة الدولية؟ يمثل هذا التحول الأبرز، حيث يجب أن تتمثل الغاية الاستراتيجية في استعادة قدرة الدولة على فرض الأمن وإنهاء هيمنة جماعة مسلحة سعت لتحويل الجغرافيا اليمنية إلى أداة ابتزاز مستدامة.

في 5 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، انطلاق العملية الهادفة إلى استعادة مؤسسات الدولة وتحرير صنعاء وإنهاء الانقلاب الحوثي. ويتصدر مضيق باب المندب هذه المعادلة، كونه حلقة وصل حيوية تربط الأمن اليمني بالأمن الإقليمي والاقتصاد الدولي. فاستقرار هذا الممر لا يتحقق بمجرد حماية السفن، بل يستوجب وجود سلطة مسؤولة على اليابسة، مما يبرز أهمية استعادة الساحل الغربي وتمكين مؤسسات الدولة فيه. يمثل هذا إطارًا سياسيًا يتجاوز مجرد استرداد مواقع ساحلية محدودة، ويتطلب فهمًا للفصل بين الهدف النهائي ومراحله.

تكمن الإجابة عن تساؤل "لماذا الآن؟" في أن استمرار سياسة احتواء التهديد يصبح مكلفًا عندما يستغله الطرف الآخر لتوسيع نفوذه. جاء إطلاق العملية عقب تصعيد حوثي طال الساحل الغربي ومحيط باب المندب، وهجمات استهدفت السعودية. لذا، يمكن تفسير التوقيت بأنه مسعى لوقف تراكم مكاسب الحوثيين ومنع تحولها إلى واقع قد يجبر الجميع على التفاوض من موقف ضعيف.

تكمن إشكالية إدارة خطوط التماس في قدرتها على ضبط الاشتباك مؤقتًا دون معالجة مصادر القوة التي تعيد إنتاج التهديد. فإذا احتفظت الجماعة بقدراتها على التسلح والتمويل وتهديد الموانئ والمدن، أصبحت التهدئة هشة. لذا، تكمن القيمة الجوهرية للعملية في تغيير حسابات استخدام القوة، بحيث يصبح التصعيد مكلفًا لمشعله.

من الضروري أن يصب التنسيق الإقليمي في خدمة الغاية ذاتها، فحماية الملاحة وتأمين الطاقة مصلحة مشتركة. ويتطلب ذلك التعاون البحري والدبلوماسي، وتبادل المعلومات، ودعم المؤسسات اليمنية المختصة. وعلى الرغم من أن السيطرة على المواقع المطلة على المضيق لا تعني زوال كافة التهديدات، فإن المعيار الحاسم هو استدامة الأمن وقدرة السلطات على كبح الاعتداءات.

أعلنت القوات الحكومية تحقيق مكاسب ميدانية في محيط باب المندب وذي باب وميون، بينما نفى الحوثيون ذلك. ورغم أنه من المبكر إعلان حسم جغرافي شامل، إلا أن انتقال القوات الحكومية إلى موقع الهجوم بدعم جوي من التحالف يستدعي قراءة جادة وتقييمًا للنجاح بناءً على تثبيت المواقع وتأمين السكان والطرق.

تكمن أهمية الدور السعودي في قدرته على الموازنة بين حماية الأمن الوطني ودعم جهود استعادة الدولة اليمنية. ويقدم التحالف بقيادة السعودية إسنادًا جويًا متواصلًا للقوات اليمنية. يتمثل المغزى السياسي في أن الرياض تساند شريكًا يمنيًا لاستعادة المبادرة، بينما تتصدى لتهديد يمس أراضيها ومصالحها. تعتمد فاعلية هذا الإسناد على جودة المعلومات ودقة التحقق منها ومستوى التنسيق مع القوات اليمنية.

تظل مهمة استعادة الدولة مسؤولية يمنية بالأساس، وليس من مصلحة الرياض أن تصبح بديلاً دائمًا للمؤسسات اليمنية. يتمثل الخيار الأمثل في تعزيز قدرة اليمنيين على حماية بلادهم، ووضع أهداف قابلة للقياس، وربط التقدم العسكري بمشروع سياسي يحول دون تجدد الصراع.

يجب على السعودية إبقاء هدفها جليًا: يمن مستقر، ممرات آمنة، وتقليص قدرة الجماعات المسلحة على تهديد دول الجوار. ويتطلب هذا الموقف ترجمة مؤسسية فاعلة تضمن دمج التشكيلات المشاركة ضمن جهد وطني منظم. فالاختبار الحقيقي يبدأ خلف خطوط المواجهة: من سيتولى إدارة المناطق المستعادة؟ ومن سيتكفل بالرواتب والخدمات؟

إذا اقترن التقدم العسكري بتحسن ملحوظ في الأمن والأوضاع المعيشية، فإن الشرعية ستكتسب قوة لا يمكن للأسلحة وحدها توفيرها. وهنا، يمكن للدعم الاقتصادي والإنساني السعودي أن يسهم في ترسيخ الفرص التي يتيحها الإسناد العسكري. وتمثل حماية المدنيين شرطًا أساسيًا، فلا ينبغي أن يتحمل السكان ضريبة وجود الحوثيين أو أن تعطل احتياجاتهم الأساسية.

إن مقياس نجاح السعودية وشركائها لن يقتصر على إجبار الحوثيين على التراجع، بل سيتحدد بمدى اتساع قدرة اليمنيين على إدارة شؤون بلادهم وتأمين سواحلهم. وحينها، لن تكون استعادة المبادرة سوى نقطة الانطلاق نحو إنهاء الحرب، ليصبح أمن باب المندب ثمرة طبيعية لاستقرار اليمن.

تتمثل السيناريوهات المرتقبة في إحراز تقدم تدريجي، أو استمرار حرب الاستنزاف إذا تعثر التنسيق، أو سعي الحوثيين لتوسيع نطاق هجماتهم. ولا يبدو أي من هذه المسارات حتميًا؛ فمدى تماسك الشريك اليمني، واستمرارية الإسناد، ونجاعة إدارة المناطق المستعادة، هي العوامل الحاسمة. وبإمكان عملية "فجر اليمن" أن تؤسس لتحول استراتيجي جذري إذا ما وظفت القوة كأداة لاستعادة الدولة وتمهيد الطريق لسلام مستدام.

شارك الخبر: