قطر
سياسة

من قوائم الناخبين إلى غضب الشباب: الهند تواجه احتجاجات واسعة ضد حكومة مودي

الجزيرة١٤ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠١:٣٨ م0 مشاهدة
من قوائم الناخبين إلى غضب الشباب: الهند تواجه احتجاجات واسعة ضد حكومة مودي

تنويه

هذا الخبر بعنوان "من قوائم الناخبين إلى غضب الشباب.. لماذا تتسع الاحتجاجات ضد حكومة الهند؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تشهد الهند موجة عارمة من الاحتجاجات الشعبية الغاضبة التي تُعدّ التحدي الأبرز والأشد خطورة على نفوذ رئيس الوزراء ناريندرا مودي وحزبه الحاكم "بهاراتيا جاناتا" منذ وصوله إلى السلطة عام 2014. وقد تحولت الاحتجاجات إلى حراك شعبي غير مسبوق يتجاوز الانقسامات الدينية والطبقية والسياسية، ومدفوع بقضيتين محوريتين: التداعيات الناجمة عن شطب أسماء 130 مليون شخص من قوائم الانتخابات، في مقدمتهم مسلمون، وغضب الشباب العاطلين عن العمل بقيادة ما تُعرف بـ"حركة الصراصير".

في تحقيق ميداني مطول نشرته صحيفة غارديان، تتكشف الأبعاد الإنسانية والسياسية لعملية تُعرف باسم "المراجعة المكثفة الخاصة" (SIR). وأفاد التقرير بأن العملية أسفرت عن حذف 130 مليون اسم من القوائم الانتخابية في جميع أنحاء الهند، وهو رقم يفوق عدد سكان اليابان، وذلك خلال فترة زمنية قياسية لم تشهد الهند لها مثيلا منذ استقلالها قبل 8 عقود.

تصف حكومة مودي عملية المراجعة بأنها إجراء مشروع لتنقية قوائم الناخبين. وقد أُزيلت، تحت إشراف مفوضية الانتخابات، عشرات الملايين من الأسماء العائدة لأشخاص متوفين أو المسجلة أكثر من مرة. غير أن العملية أسفرت أيضا عن حذف أسماء ملايين المواطنين الهنود الأحياء. ويتهم منتقدون السلطات باستغلال التعهد بـ"تنقية" قوائم الناخبين من المهاجرين غير النظاميين لتحقيق أهداف أكثر خطورة، تتمثل في حرمان عشرات الملايين من المسلمين والأقليات الأخرى والفئات الفقيرة والمجتمعات المنتمية إلى الطبقات الدنيا من حق التصويت، وهي فئات لا يشكل أفرادها، في معظمهم، قاعدة انتخابية لحزب بهاراتيا جاناتا الحاكم.

وفي غضون أسابيع قليلة، تصاعد الغضب الشعبي في أنحاء البلاد إزاء عملية المراجعة، وامتدت الاحتجاجات إلى شوارع أكبر المدن الهندية، لتشكل تحديا كبيرا للحكومة. وخلال عطلة نهاية الأسبوع، تحولت نيودلهي إلى "حصن أمني مشدد"، تحيط به الحواجز والمتاريس والطرق المغلقة، في حين انتشر عشرات الآلاف من أفراد الشرطة والقوات شبه العسكرية، واعتُقل آلاف الأشخاص، في محاولة لمنع الاحتجاجات التي يقودها الشباب، والتي تطالب بالإقالة الفورية لغيانيش كومار، رئيس مفوضية الانتخابات والمشرف على عملية مراجعة قوائم الناخبين.

يتهم قادة في المعارضة ومنظمات المجتمع المدني عمليةَ المراجعة المكثفة الخاصة بأنها منحت بالفعل حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم أفضلية انتخابية في ولايات مثل بيهار والبنغال الغربية، وهو ما ينفيه الحزب. ويرى آخرون أن تداعيات العملية أكثر إثارة للقلق، إذ إن التعديلات التي أدخلها رئيس مفوضية الانتخابات، غيانيش كومار، بصورة أحادية على إجراءات المراجعة جعلت المفوضية بمنزلة الجهة التي تفصل في مسألة المواطنة الهندية، في تجاوز واسع للصلاحيات المنوطة بها. وتكمن خطورة القضية في أن حق التصويت لا يمثل مجرد إجراء إداري، بل إنه أساس العلاقة بين المواطن والدولة. فحين يصبح إدراج المواطن في القوائم الانتخابية موضع شك، تتحول الانتخابات من آلية للمشاركة السياسية إلى مصدر للقلق بشأن المواطنة نفسها.

سلطت الصحيفة الضوء على حالة الشابة المسلمة شاهدة فقير (38 عاما) من ولاية البنغال الغربية، التي سُحب منها حق التصويت رغم تقديمها وثائق تثبت مواطنتها وأملاك عائلتها التي تعود إلى عام 1962. وتطورت معاناتها لاحقا إلى القبض عليها وترحيلها القسري نحو الحدود مع بنغلاديش -وهي دولة لم تزرها قط- بتهمة أنها مهاجرة غير شرعية، قبل أن تتلقى المحكمة العليا عريضة تطالب بإعادتها. وفي إفادة أخرى، قال محمد هداية الله صديقي (80 عاما) إن جده شارك في الكفاح من أجل استقلال الهند. ومع ذلك، وجد اسمه محذوفا، ليعيش -بحسب وصفه- في خوف دائم من إرساله إلى معسكر احتجاز.

في تقرير لصحيفة واشنطن بوست، بدأت قبضة مودي على السلطة في الهند تتراخى بفعل الاحتجاجات الشبابية التي اجتاحت مدنا على طول البلاد، ووصلت إلى العاصمة نيودلهي. وقد فرضت السلطات إجراءات أمنية مشددة على وسط العاصمة، ونشرت آلافاً من أفراد الأمن، واعتقلت متظاهرين، وعطلت خدمات النقل، في حين جرى تقييد الوصول إلى الإنترنت بصورة متقطعة. ومع ذلك، خرج آلاف المحتجين وممثلو المعارضة في مسيرات تحدت القيود الحكومية.

ونقلت واشنطن بوست عن المحامي المدافع عن المصلحة العامة براشانت بوشان قوله إن الهند لم تشهد على الأرجح حركة وطنية بهذا الحجم والغضب منذ عام 1975. طوال فترة حكمه التي بلغت 12 سنة، واجه مودي انتقادات حادة بسبب سياساته القومية الهندوسية، وتراجعه عن ضمانات الحريات المدنية، واستهدافه جماعات معارضة.

أما المفارقة اللافتة فتتمثل في أن الحركة التي تتصدر الاحتجاجات بدأت حملة ساخرة على الإنترنت. فقد ظهرت حركة الشباب الغاضبين التي سُميت "حزب الصراصير"، في مايو/أيار، بعدما وصف رئيس المحكمة العليا الشباب العاطلين عن العمل بأنهم "صراصير". وحوّل هؤلاء الشباب الإهانة إلى شعار احتجاجي، قبل أن يوسعوا حراكهم ليشمل مظاهر الفساد والبطالة ومظالم التعليم والانتخابات.

يرى المراسل يانغ في تقريره أن الحركة باتت تجتذب مؤيدين سابقين لمودي، فيما تتجاوز قاعدة الاحتجاجات الانقسامات الطبقية والدينية. ونقل عن سوشانت سينغ، المحاضر في جامعة ييل الأمريكية والضابط الهندي السابق، قوله إن حقوق التصويت تمس جميع الهنود، ولذلك فإن الحركة الحالية تتجاوز الطبقات والطوائف والجماعات الدينية. ومؤخرا، وحدت حركة "الصراصير" جهودها مع حزب المؤتمر الوطني الهندي المعارض للتظاهر في شوارع العاصمة نيودلهي، مطالبة بالإلغاء الفوري لتعديلات السجلات الانتخابية وإقالة رئيس لجنة الانتخابات غيانيش كومار.

في افتتاحيتها، حذرت صحيفة فايننشال تايمز من أن ناريندرا مودي "لن يستطيع إسكات الشباب الساخطين"، وأن الأساليب الأمنية قد تعمّق الاستياء بدلا من احتوائه. وتشير الصحيفة إلى أن الحكومة نشرت عشرات الآلاف من أفراد الأمن، وأغلقت أحياء في العاصمة، واعتقلت قيادات من الحركة، كما أوقفت خدمات نقل وأبعدت المحتجين عن مراكز السلطة. وترى أن هذه الإجراءات تعكس شعورا متزايدا بانعدام الأمان السياسي، وقد تضر بالمصداقية الديمقراطية للحزب الحاكم.

وتلفت الافتتاحية إلى مفارقة مهمة، وهي أنه على الرغم من أن الاقتصاد الهندي يسجل نموا سريعا، فإن كثيرا من الخريجين لا يزالون عاجزين عن العثور على وظائف جيدة. وهنا تتفاعل الأزمة الاقتصادية مع أزمة التمثيل السياسي، إذ يصبح الإحباط من البطالة أشد وطأة حين يشعر الشباب بأن المؤسسات لا تمنحهم صوتا مؤثرا أو فرصة عادلة للمحاسبة. وترى هيئة التحرير أن لدى السلطات الهندية ما يدعوها إلى القلق إزاء تنامي نفوذ الحركة، مشيرة إلى أن انتفاضات قادها الشباب، خلال السنوات الأخيرة، أطاحت بحكومات أخرى في المنطقة، كان آخرها في نيبال.

وتحذر فايننشال تايمز من أن إبعاد الاحتجاجات عن الأنظار لن يزيل أسبابها. كما تدعو إلى إخضاع عملية مراجعة القوائم لتدقيق مستقل، معتبرة أن فقدان الثقة في رئيس مفوضية الانتخابات يثير تساؤلات جدية بشأن أهليته للاستمرار، حتى في غياب دليل مباشر يثبت أن جميع عمليات الحذف كانت مدفوعة باعتبارات سياسية.

تقف الهند عند مفترق طرق حرج، إذ لم يعد التحدي الذي يواجه حكومة ناريندرا مودي مجرد منافسة انتخابية تقليدية، بل تحول إلى حراك شعبي وشبابي واسع النطاق يربط بين الحقوق السياسية الأساسية والأوضاع الاقتصادية المعيشية. والخلاصة أن اتساع نطاق التظاهرات وتلاحم القوى الشبابية المستقلة مع المعارضة السياسية يضع الاستقرار السياسي والمؤسسي للبلاد أمام اختبار غير مسبوق، مما يجعل قدرة النظام على فتح باب الحوار والمراجعة الاستحقاق الوحيد لضمان السلم الأهلي واستعادة الثقة في التجربة الديمقراطية الهندية.

شارك الخبر: