قطر
سياسة

جيل الأزمات في فرنسا: طلاب يطالبون بمستقبل أفضل وسط اضطرابات متصاعدة

الجزيرة١٤ أكتوبر ٢٠٢٦ في ١٢:١٦ م0 مشاهدة
جيل الأزمات في فرنسا: طلاب يطالبون بمستقبل أفضل وسط اضطرابات متصاعدة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "جيل نشأ وسط الأزمات.. من طلاب فرنسا الغاضبون؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لم تعد الاحتجاجات الطلابية في فرنسا مجرد مطالب بتحسين ظروف الدراسة أو توفير المدرسين وتجديد المباني المدرسية، بل أصبحت تعبيراً عن أزمة أوسع يعيشها جيل نشأ في عالم تتوالى فيه الاضطرابات الاقتصادية والسياسية والمناخية، فيما تتزايد مخاوفه من مستقبل يبدو أقل استقراراً وفرصاً من الماضي. هتف المحتجون بعبارات مثل: "هل أنتم متعبون؟ لسنا متعبين!"، و"باسم الله إنها الظلمات!"، وهي عبارة انتشرت على نطاق واسع، يُقال إن شرطياً أطلقها أثناء محاولته اختراق مجموعة من طلاب المدارس الثانوية، حسبما نقلت صحيفة لونوفيل أوبس. ومع استمرار التظاهرات في مختلف أنحاء البلاد حتى الثلاثاء 13 أكتوبر/تشرين الأول 2026، يبرز سؤال أساسي: هل تواجه فرنسا احتجاجاً عابراً في الوسط التعليمي، أم أنها أمام جيل يسعى إلى إعادة تعريف علاقته بالدولة والمجتمع ومستقبله؟

من المطالب إلى أزمة الثقة: تتمثل المطالب المباشرة للطلاب في تحسين ظروف التعليم، وتوفير المعلمين، وترميم المؤسسات المتهالكة، وتخفيف الضغوط المرتبطة بالتوجيه الجامعي ونظام القبول في التعليم العالي "باركورسوب" (Parcoursup). لكن هذه المطالب، على بساطتها الظاهرية، تكشف عن شعور متنامٍ بأن المؤسسات لا توفر للشباب الحد الأدنى من الشروط التي تتيح لهم بناء مستقبلهم. وترى سونيا ديلسال ستولبر في افتتاحيتها بصحيفة ليبراسيون أن الطلاب لا يطالبون بالمستحيل، بل بـ"ساعات دراسية مناسبة، وأساتذة حاضرين، ومبان لائقة"، إلى جانب فرص أكثر عدالة وأقل إثارة للقلق للالتحاق بالتعليم العالي.

جوهر الاستياء: يؤكد هيكتور، الطالب الذي نقلت صحيفة لوباريزيان حديثه خلال تظاهرات باريس، أن المشكلات معروفة منذ وقت طويل، وأن إطلاق منصات للتشاور لا يكفي ما لم تتبعها حلول ملموسة. وهكذا يتحول الخلاف من المطالبة بموارد إضافية إلى أزمة ثقة في قدرة المؤسسات على الاستماع والاستجابة.

جيل مختلف.. لكنه ليس متجانساً: لا تنتمي الحركة إلى فئة اجتماعية واحدة. تعرض صحيفة لاكروا نموذجين متباينين: الفتى إستيف (15 عاماً) من مونتروي في سين سان دوني، والفتاة لوسريس (17 عاماً) من بلدة لو فيزينيه الميسورة نسبياً. ورغم الفوارق الاجتماعية، يلتقي الاثنان عند الإحساس بالمسؤولية تجاه واقع تعليمي لا تتوزع فرصه بالتساوي. وتوضح هذه المقارنة أن الاحتجاج لا يمكن اختزاله في غضب طلاب الأحياء الشعبية وحدهم، وإن كانت مشكلات نقص الموارد وتدهور المباني أشد وضوحاً في بعض المناطق المحرومة. ومع ذلك، لا يمثل المتظاهرون جميع الشباب الفرنسي؛ فبحسب مقياس المعهد الوطني للشباب والتعليم الشعبي لعام 2025، يشعر 70% من الفئة العمرية بين 15 و17 عاماً بالرضا عن حياتهم، بينما يقول 57% إنهم لا يشعرون بأن صوتهم مسموع. وتوضح هذه الأرقام أن الرضا الشخصي لا يتعارض بالضرورة مع الشعور بالتهميش السياسي والاجتماعي.

ضغط وقلق: يمثل نظام التوجيه والقبول الجامعي أحد أبرز مصادر القلق لدى هذا الجيل. ووفق دراسة منتالو، التي شارك فيها باحثون من المعهد الوطني الفرنسي للصحة والبحوث الطبية وجامعة باريس سيتي، لا يقول سوى نصف طلاب المرحلة الثانوية إنهم بخير، في حين يشعر 68% بالقلق إزاء آلية تحديد مساراتهم الدراسية، وترتفع النسبة إلى 78% بين الفتيات. وتشير الدراسة إلى أن القلق المرتبط بالعلامات والاختيارات التعليمية يرتبط بارتفاع خطر المعاناة من ضائقة نفسية متوسطة إلى شديدة. عاش هؤلاء جائحة كورونا والإغلاق، وشهدوا الحرب في أوكرانيا وتداعيات الصراع في الشرق الأوسط، وواجهوا آثار التغير المناخي. وتختصر التلميذة إيلواز هذا الشعور بقولها: "لا أعيش في عالم يبعث على الارتياح، ولن أخفي ذلك عنكم". ويضاف إلى ذلك القلق بشأن العمل والسكن والاستقرار الاقتصادي، إذ يشير ريدا ديدي، المدير العام لجمعية "غراين دو فرانس"، إلى تراكم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والتكنولوجية والجيوسياسية.

لغة مشتركة: على الرغم من اختلاف البيئات الاجتماعية، فإن منصات التواصل، مثل تيك توك وسناب شات، أسهمت في نقل صور الاحتجاجات وتبادل الشعارات والتجارب بين المؤسسات التعليمية في أنحاء فرنسا. ويوضح عالم الاجتماع باولو ستوبيا أن عملية الحشد لا تتوقف عند وقوع الاحتجاج في مدرسة، بل تتكرر عبر المنصات الرقمية. كما أسهمت الرموز الثقافية المشتركة، المستمدة من ثقافة الإنترنت والمانغا، في تشكيل هوية احتجاجية خاصة بالشباب. وترى صحيفة لاكروا أن هذا الحضور الجماعي يناقض الصورة النمطية التي تصف الشباب بأنه غير مهتم بالشأن العام، فمشاركتهم السياسية لا تمر بالضرورة عبر الأحزاب أو التنظيمات التقليدية، بل قد تبدأ من شبكات التواصل ثم تنتقل إلى الشارع.

احتجاجات أم حركة اجتماعية أكبر؟ تراهن الحكومة، وفق تقرير لونوفيل أوبس، على تراجع التعبئة مع اقتراب عطلة الخريف، لكن النقابات الطلابية ترى أن التوقف لن يحدث ما لم تقدم السلطات استجابات ملموسة. وفي تظاهرات 13 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، تباينت تقديرات المشاركة بين 480 ألفاً، وفقاً للجهات النقابية المنظمة، و161.5 ألفاً، وفقاً لوزارة الداخلية. ويستحضر بعض المشاركين احتجاجات طلابية سابقة، ولا سيما حركة عام 1990 التي انتهت بإقرار خطة حكومية لتمويل تجديد المدارس. وتظل احتمالات اتساع الاحتجاجات مرتبطة بقدرة الطلاب على بناء تحالفات مع فئات اجتماعية أخرى. وفي المحصلة، لا تكمن أهمية احتجاجات طلاب فرنسا في أعداد المشاركين وحدها، بل في الأسئلة التي تطرحها بشأن العدالة التعليمية، والصحة النفسية، والتفاوت الاجتماعي، والاستماع إلى الشباب. وحسب الناشطة السويدية غريتا ثونبرغ، التي شاركت في تظاهرات باريس، إن ما يجري "معركة محلية من أجل أزمة أوسع في نظام لا يعطي الأولوية لشبابه". وبينما يبقى مآل الحركة مفتوحاً، فإن رسالتها الأساسية واضحة: لا يكفي مطالبة الشباب بالاستعداد للمستقبل، إذا كانت المؤسسات التي يفترض أن تهيئهم له لا توفر لهم الثقة والفرص والشروط الضرورية لبنائه.

شارك الخبر: