طرابزون سبور: نبض البحر الأسود وصوت مدينة تتحدى المركزية


هذا الخبر بعنوان "نبض البحر الأسود.. كيف أصبح طرابزون سبور صوت مدينة بعيدة عن المركز؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في حلقة مميزة من برنامج “الدحيح”، تُسلط الضوء على قصة نادي “طرابزون سبور”، الفريق الذي نشأ من اندماج أندية مدينة تركية على ساحل البحر الأسود، وكيف تحول من فريق محلي إلى رمز للهوية وكسر احتكار إسطنبول للقب الدوري التركي. في 30 أبريل/نيسان 2022، لم يكن تعادل طرابزون سبور مع أنطاليا سبور مجرد نتيجة في سباق الدوري، بل كان ليلة احتفالات امتدت من ملعب “شينول غونيش” إلى شوارع المدينة، بعد انتظار دام 38 عامًا للقب الدوري.
تبدأ الحلقة من هذا المشهد الاحتفالي، لكنها تتعمق في قصة المدينة خلف هذا الانتصار. طرابزون، المدينة الواقعة على البحر الأسود، والتي عرفت سابقًا بموقعها التجاري المزدهر، شعرت لعقود بأنها بعيدة عن مراكز الاقتصاد وكرة القدم في تركيا. تأسيس نادي طرابزون سبور لم يكن مجرد إنشاء فريق جديد، بل كان بمثابة إعلان عن حضور المدينة وقدرتها على المنافسة.
جغرافيًا، تقع طرابزون بين البحر والجبال، مما منحها طبيعة خلابة ولكنه صعّب اتصالها بالمراكز التركية الكبرى. تاريخيًا، كانت طرابزون محطة تجارية هامة، لكن تغير مسارات التجارة والنقل أدى إلى تراجع وزنها الاقتصادي. ومع تراجع الاقتصاد المحلي، شهدت المدينة هجرة لأبنائها بحثًا عن فرص عمل في إسطنبول وأنقرة ومدن أوروبية. ومع ذلك، بقيت المدينة حاضرة في الذاكرة عبر الروابط المحلية، اللهجة، العادات، وبالأخص فريق كرة القدم الذي جمع هذه العناصر تحت راية واحدة.
تطرح الحلقة فكرة أن الرياضة، في المدن التي تشعر بالبعد عن المركز، لا تصبح مجرد ترف، بل قد تتحول إلى مساحة للاعتراف ووسيلة للتأكيد على الحضور في منافسة لا تملك فيها المدينة نفس المال أو النفوذ الذي تمتلكه المدن الكبرى. تتجلى هذه الروابط في المدرجات، حيث لا يقتصر تشجيع الجمهور على الفريق، بل يمتد إلى الرموز واللافتات التي تصنع لغة خاصة.
في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، كانت كرة القدم التركية تهيمن عليها أندية إسطنبول الكبرى. حتى منتصف السبعينيات، ظل لقب الدوري محصورًا بين غلطة سراي، فنربخشه، وبشكتاش. في طرابزون، لم يكن هناك نقص في الفرق أو الشغف، بل كانت هناك أندية محلية متعددة ذات جماهير وخصومات، مما شكل عقبة أمام فكرة تكوين فريق واحد يمثل المدينة. لكن ضغطًا شعبيًا ومحليًا دفع باتجاه تجاوز الانقسام، وفي 2 أغسطس/آب 1967، توحدت أندية المدينة تحت اسم “طرابزون سبور” بألوان عنابية وزرقاء فاتحة.
في عام 1974، صعد طرابزون سبور إلى الدرجة الأولى، وبعد عامين فقط، في موسم 1975-1976، أحرز لقب الدوري، ليصبح أول نادٍ من خارج إسطنبول يتوج بالبطولة التركية. كان هذا التحول أكبر من مجرد مفاجأة رياضية، فقد كسر الفريق احتكارًا دام 16 عامًا. اعتمد الفريق في نجاحه على لاعبين من أبناء المنطقة ومنظومة ناشئين محلية. لكن مع تطور حقوق البث والرعايات وسوق الانتقالات، واجه طرابزون سبور صعوبة أكبر في مجاراة أندية إسطنبول ذات الموارد الأوسع.
تتوقف الحلقة عند محطات بارزة في ذاكرة جمهور طرابزون سبور، منها موسمي 1995-1996 و2010-2011. في سياق قضية التلاعب التي هزت الكرة التركية عام 2011، شارك طرابزون سبور في دوري أبطال أوروبا بعد استبعاد فنربخشه. هذه القضية لم تكن مجرد تفصيل قانوني، بل عكست شعورًا متراكمًا لدى جمهور المدينة بأن المنافسة لا تجري دائمًا بين أندية متكافئة.
تستعيد الحلقة واقعة مباراة طرابزون سبور وغلطة سراي عام 2016، حيث انتزع المدافع صالح دورسون البطاقة الحمراء من الحكم وأشهرها في وجهه احتجاجًا على قرارات تحكيمية. أصبحت هذه الواقعة رمزًا لشعور بالغضب والاحتجاج لدى قطاع من مشجعي النادي، وهو شعور مرتبط بقصة مدينة ترى أنها تنافس من مسافة أبعد عن مركز الثقل الكروي والاقتصادي في تركيا.
في موسم 2021-2022، عاد طرابزون سبور إلى القمة بعد 38 عامًا، ليظهر اللقب كاستعادة جماعية لصوت المدينة. لم يكن التتويج نهاية للخسارات السابقة، بل منح الجمهور نهاية مختلفة لقصة طويلة، حيث أصبح اسم المدينة يتردد في الملاعب التركية وخارجها. احتفالات 2022 لم تكن مجرد نهاية موسم، بل علامة على عودة المدينة إلى واجهة الحكاية.
في الختام، يعود البرنامج إلى الرقم 61، رمز ولاية طرابزون، ليؤكد أن النادي ليس مجرد فريق ينافس على لقب، بل هو لغة مدن لا ترى نفسها في المركز، لكنها ترفض البقاء على الهامش. احتفالات عام 2022 لم تكن فقط بفوز الفريق، بل بحضور مدينة كاملة في لعبة بدت حكرًا على الآخرين.
رياضة
رياضة
ثقافة
ثقافة