من الغابات إلى الخوادم الرقمية.. كيف تحول سباق غوغل نحو الذكاء الاصطناعي إلى أزمة بيئية متصاعدة؟


هذا الخبر بعنوان "من الأشجار إلى الخوادم.. كيف تحول سباق غوغل للذكاء الاصطناعي إلى أزمة بيئية؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٥ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
مع تصاعد قدرة الذكاء الاصطناعي على تنفيذ المهام وتشغيل الخدمات المتنوعة، تتزايد الحاجة إلى بنية تحتية ضخمة خلف الكواليس، وهي حقيقة لا يدركها كثير من المستخدمين الذين يتعاملون مع النماذج وكأنها مجرد برامج بسيطة تعمل على الشاشة. وفي الواقع، تعتمد هذه التطبيقات على مراكز بيانات هائلة تضم آلاف الخوادم والمعالجات، وتستهلك كميات متنامية من الكهرباء والمياه ومساحات شاسعة من الأراضي. ومع تسارع خطى شركة غوغل في تطوير الذكاء الاصطناعي، يبرز تساؤل مهم يتجاوز حدود التكنولوجيا البحتة ليلامس التكلفة البيئية الباهظة لهذا السباق المحتدم نحو حوسبة أشد قوة.
تضخ شركات التكنولوجيا الكبرى استثماراتها بمليارات الدولارات لإنشاء مراكز بيانات جديدة تلبي الطلب الهائل على الذكاء الاصطناعي التوليدي والخدمات السحابية. وتبرز شركة غوغل في طليعة هذه الشركات التي توسع بنيتها التحتية تزامنا مع تطوير نماذج جيميناي ورقائق تي بي يو (TPU) المخصصة لمعالجة أعباء العمل الضخمة للذكاء الاصطناعي.
قد يوحي مصطلح الحوسبة السحابية بوجود عالم رقمي مجرد وغير ملموس، لكن تشغيله يستدعي منشآت مادية ضخمة على الأرض. فمركز البيانات يحتاج إلى مبانٍ واسعة النطاق، ومحطات توليد كهرباء، وأنظمة تبريد معقدة، وشبكات ألياف ضوئية، إضافة إلى الطرق والمرافق المساندة، مما يجعل اختيار موقع المشروع قرارا عالي التأثير.
ففي فنلندا، كشفت شركة غوغل عن خطط لاستثمار 13 مليار يورو (ما يعادل نحو 14 مليار دولار) لتطوير البنية التحتية الرقمية خلال عامي 2026 و2027، ضمن توسع يغطي مراكز بيانات ومشاريع حيوية للطاقة. وأوضحت الشركة أن هذه الاستثمارات تأتي لمواكبة الطلب المتنامي على خدمات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية. وفي منطقة فالا الفنلندية، تمتلك غوغل مساحات شاسعة تضم مئات الهكتارات المهيأة للتوسعات المستقبلية، بينما أطلقت في المقابل مبادرات تهدف إلى استعادة الغابات وتعزيز التنوع الحيوي هناك.
وهنا تبرز المفارقة بوضوح، فالشركة التي توظف تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراقبة البيئة وحماية النظم الطبيعية، هي نفسها التي تستحوذ على مساحات واسعة من الأراضي لبناء منشآت تشغيل تلك التقنيات ذاتها.
لا تتوقف التحديات عند بناء مراكز البيانات، بل تبدأ المشكلة الأكبر بعد تشغيلها، إذ تحتاج آلاف الخوادم والمعالجات إلى كميات هائلة من الطاقة الكهربائية، سيما أثناء مراحل تدريب النماذج الكبيرة وتشغيلها لخدمة ملايين المستخدمين حول العالم.
وفي تقريرها البيئي للعام الجاري، أكدت شركة غوغل أنها وقعت خلال عام 2025 اتفاقيات لتأمين أكثر من 12 غيغاواطا من الطاقة النظيفة لمواجهة استهلاك الكهرباء المتصاعد والحد من الانبعاثات الناتجة عن عملياتها. كما لفتت الشركة إلى تحسن كفاءة مراكز بياناتها، مؤكدة أن استثماراتها المتواصلة في الرقائق المتقدمة والبنية التحتية أسهمت في توفير قدرات حوسبية أكبر بأقل كمية ممكنة من الطاقة مقارنة بالأجيال السابقة.
وعلى الرغم من ذلك، لا يعني ارتفاع الكفاءة تراجع الأثر البيئي بشكل تلقائي؛ فكلما زادت كفاءة الحوسبة وانخفضت تكلفة التشغيل، تشجع ذلك على استخدامها على نطاق أوسع. وبينما قد تتراجع الطاقة المطلوبة لكل عملية منفردة، فإن الارتفاع الكبير في إجمالي عدد العمليات والخدمات يؤدي في النهاية إلى زيادة إجمالي الاستهلاك، لتتجسد هنا أبرز مفارقات سباق الذكاء الاصطناعي القائمة على كفاءة أكبر لكل وحدة حوسبة مقابل طلب متزايد بلا توقف على الحوسبة نفسها.
لا تقتصر الموارد المستهلكة في مراكز البيانات على الكهرباء وحدها، بل تولد الخوادم والمعالجات حرارة هائلة أثناء عملها، مما يستدعي تشغيل أنظمة تبريد مستمرة. وتعتمد بعض تلك المراكز على المياه ضمن عمليات التبريد، حيث ترى شركة غوغل أن التبريد المائي قد يتفوق أحيانا في كفاءة استهلاك الطاقة على أنظمة التبريد الهوائي، إلا أن ذلك يطرح أزمة أخرى مرتبطة بالبصمة المائية، خصوصا في المناطق التي تواجه شحا ملاحيا أو مائيا.
وتؤكد الشركة سعيها لاختيار تقنيات التبريد بناء على الظروف المحلية، مع الاعتماد على مياه معاد تدويرها في مواقع محددة، إلى جانب الاستثمار في مشروعات تعوض جزءا من استهلاكها المائي وتدعم الأحواض المائية. ورغم ذلك، فإن التوسع المتسارع لمراكز البيانات يزيد من تعقيد إدارة هذا المورد الحيوي، نظرا لارتباط احتياجات المنشآت بموارد المجتمعات والبيئات المحيطة.
وفي الهند، تتجلى تداعيات هذا التوسع بوضوح من خلال الشراكة القائمة بين شركة غوغل ومجموعة أداني (Adani Group) العاملة في قطاع الطاقة، لإنشاء مشروع ضخم لمركز بيانات في ولاية أندرا براديش. وتشير تقارير صحفية إلى أن السعة المتوقعة للمشروع قد تبلغ نحو 2.5 غيغاواط، وهو مؤشر صارخ على حجم الطاقة الهائل المطلوب لتشغيل مراكز البيانات الحديثة لخدمات الذكاء الاصطناعي.
وأثار هذا المشروع نقاشات محلية بشأن استغلال الأراضي والموارد في وقت تعاني فيه مناطق هندية عديدة من ضغوط متزايدة تتعلق بالمياه والطاقة والتوسع العمراني، مما يثبت أن البنية التحتية للذكاء الاصطناعي أصبحت عنصرا رئيسيا في التخطيط الاقتصادي والبيئي للدول وليست مجرد استثمار تقني خاص.
تسعى شركة غوغل جاهدة لامتصاص تلك الانتقادات عبر التوسع في استخدام مصادر الطاقة النظيفة، وتحسين كفاءة الرقائق ومراكز البيانات، وضخ استثمارات إضافية في المبادرات البيئية. وتوضح الشركة أن أحدث رقائقها المخصصة للذكاء الاصطناعي حققت طفرات نوعية في كفاءة استهلاك الطاقة، إلى جانب تطوير منشآت أكثر ترشيدا لاستهلاك الكهرباء والمياه.
ومع ذلك، لا يبدو الاعتماد على الطاقة النظيفة حلا جذريا لجميع المشكلات؛ فالكهرباء منخفضة الانبعاثات تتطلب بدروها بنية تحتية ضخمة لإنتاجها ونقلها، فضلا عن أن تشييد أي مركز بيانات جديد يستلزم بالضرورة توفير الأراضي، والمياه، والمواد الخام، ومعدات التبريد، وشبكات الاتصالات. وبناء على ذلك، فإن تقييم الأثر البيئي للذكاء الاصطناعي لا يجب أن يقتصر على الانبعاثات الناجمة عن تشغيل الخوادم فحسب، بل ينبغي أن يغطي دورة حياة البنية التحتية بأكملها، بدءا من تهيئة الأرض وبناء المنشأة وصولا إلى صناعة الرقائق وتشغيلها ثم التخلص منها.
في المقابل، تسوق شركة غوغل تقنيات الذكاء الاصطناعي باعتبارها وسيلة فعالة لمواجهة التحديات البيئية الكبرى، بدءا من تحسين كفاءة شبكات الطاقة، مرورا بمراقبة الغابات والتنبؤ بالظواهر المناخية، ووصولاً إلى دعم جهود الحفاظ على التنوع الحيوي.
غير أن توظيف التقنية لمعالجة المشكلات البيئية لا يلغي الأثار السلبية الناتجة عن البنية التحتية المشغلة لها؛ فكلما ارتفع سقف الطلب على نماذج أكثر تقدما وقوة، زادت تبعا لذلك الحاجة لمراكز بيانات أضخم وقدرات حوسبية أرفع مستوى. ومن هنا تترسخ المعضلة الجوهرية لسباق الذكاء الاصطناعي، المتمثلة في أن التكنولوجيا التي تعد بخفض الهدر وترشيد الموارد، تتطلب في الواقع موارد ضخمة لكي تعمل على نطاق واسع.
ومع استمرار شركة غوغل ومنافسيها في تشييد مراكز بيانات جديدة، لن يقتصر التحدي الفعلي على رفع كفاءة الخوادم، بل يمتد لضمان ألا تتسبب الزيادة الهائلة في حجم الحوسبة في محو المكاسب البيئية المحققة. وبذلك، لن يرتبط المستقبل البيئي للذكاء الاصطناعي بقوة النماذج وحدها، بل بمدى نجاح شركات التقنية في الإجابة عن التساؤل الأشد صعوبة حول كيفية بناء البنية التحتية للثورة الرقمية بمعزل عن تحويل الأرض والمياه والطاقة إلى فاتورة خفية لهذا السباق التقني المحتدم.
تكنولوجيا
تكنولوجيا
تكنولوجيا
سياسة