قطر
تكنولوجيا

فك طلاسم ثلاثة عقود: كيف يتغلب الدماغ على الضوضاء العصبية لمعالجة المعلومات؟

الجزيرة٢٩ سبتمبر ٢٠٢٦ في ٠٩:٤٣ ص0 مشاهدة
فك طلاسم ثلاثة عقود: كيف يتغلب الدماغ على الضوضاء العصبية لمعالجة المعلومات؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "حل لغز الثلاثين عاما.. كيف يستوعب الدماغ المعلومات رغم الضوضاء العصبية؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٩ سبتمبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تعمل آلاف الخلايا العصبية في أدمغتنا معا لتحويل ما تراه أعيننا إلى صورة واضحة ومفهومة. لكن العلماء تساءلوا: هل توجد حدود ثابتة لكمية المعلومات التي يستطيع الدماغ معالجتها، بحيث لا تفيد إضافة مزيد من الخلايا العصبية بعد نقطة معينة؟ أم أن زيادة عدد الخلايا تعني أن الدماغ يستطيع دائما التعامل مع معلومات أكثر؟

لفترة طويلة، أشارت نماذج رياضية إلى وجود حد أقصى لا يمكن للشبكات العصبية تجاوزه. لكن دراسة حديثة، نُشرت في دورية "ساينس أدفانسز"، توصلت إلى أن هذا الحد ليس حتميا كما كان يُعتقد، وأن شبكات الخلايا العصبية في أدمغة الثدييات يمكن أن تزيد قدرتها على تمثيل المعلومات كلما ازداد عدد خلاياها.

يقول هيدياكي شيمازاكي، الأستاذ المشارك في كلية الدراسات العليا للمعلوماتية بجامعة كيوتو اليابانية، في تصريحات حصرية للجزيرة نت: "كان لا بد من حسم هذه المسألة بالاستناد إلى بيانات واقعية. ففي السنوات الأخيرة، أتاحت التقنيات القادرة على تسجيل نشاط ألف خلية عصبية أو أكثر في آن واحد إمكانية رصد كيفية تزايد المعلومات مباشرة مع زيادة عدد الخلايا المشاركة في العملية".

ظل الافتراض السائد في كثير من الدراسات السابقة يميل إلى التشاؤم مدة ثلاثين عاما؛ فالخلايا العصبية ليست رقائق حاسوبية معزولة تماما، بل هي وحدات بيولوجية متصلة ومغمورة في بيئة كيميائية تجعلها عرضة للتأثر المتبادل. وعندما تعاني خلية ما من تقلبات عشوائية أو ضوضاء في نشاطها، فإن هذه الضوضاء تنتقل تلقائيا إلى الخلايا المجاورة، ومع تراكم هذه الضوضاء لا تفيد زيادة عدد الخلايا العصبية التي تراكم المعلومات.

ولاختبار ذلك، اعتمد الفريق على دراسة القشرة البصرية الأولية في الثدييات، وتحديدا عبر إعادة تحليل سجلات تجريبية دقيقة لنحو عشرين ألف خلية عصبية في أدمغة خمسة فئران. وتعد القشرة البصرية للفئران نموذجا بيولوجيا معتمدا لفهم المبادئ الرياضية العامة لمعالجة الصور في الثدييات عموما.

يوضح هيدياكي قائلا: "إذا عرضت الصورة نفسها على الحيوان عدة مرات، فإن الخلية العصبية في قشرته البصرية لا تستجيب بالطريقة نفسها في كل مرة. وهذا التباين من محاولة إلى أخرى هو ما نطلق عليه اسم الضجيج العصبي. وعندما تتغير الصورة قليلا، يتغير أيضا متوسط نشاط الخلايا العصبية؛ وهذا التغير هو الإشارة التي يستخدمها الدماغ للتمييز بين الصورتين".

كشفت التحليلات الرياضية للفريق البحثي أن التذبذبات المشتركة بين الخلايا لا تتجمع في كتلة عشوائية تسد مسار الرؤية كما كان يُعتقد. وأظهرت النتائج بوضوح أن الفئران الخمسة جميعها تقع ضمن فئة استمرار تزايد المعلومات؛ فالضجيج المشترك يبطئ نمو المعلومات، لكنه لا يوقفه ما استمرت القواعد المرصودة في عملها.

إذا كان التغير الطفيف في اتجاه الخطوط البصرية يمثل إشارة تسلك اتجاها محددا، فإن الضوضاء تتوزع في فضاء نشاط الخلايا وفق نظام يُعرف رياضيا باسم ثبات المقياس. ويشرح هيدياكي ذلك قائلا: "ثبات المقياس يعني أن الشيء يبدو متماثلا بغض النظر عن اختلاف حجمه. وفي بياناتنا، نجد أن نمط الضجيج في المجموعات الصغيرة والكبيرة من الخلايا العصبية يتخذ الشكل نفسه بمجرد تعديل الحسابات لتناسب الحجم".

يمكن تقسيم ضجيج الدماغ إلى بضعة أنماط قوية وقائمة طويلة جدا من الأنماط الضعيفة. وقد ركزت الدراسات السابقة فقط على ما إذا كانت الأنماط القوية تحجب الإشارة. ويشير هيدياكي إلى أنه عند تحديد الشرط الدقيق لوصول المعلومات إلى حد أقصى، وُجد أنه لا يمكن تجاهل الأنماط الضعيفة، إذ إن الإشارة لا تُحجب تقريبا عند وجود نمط ضعيف.

وتؤكد الدراسة أن أدمغتنا ليست خارقة، إذ تظل سعة المعالجة محكومة بحواجز فيزيائية وحيوية في العالم الواقعي. وما تظهره الدراسة هو أن الضجيج الداخلي لا يضع بحد ذاته سقفا للمعلومات، ما دامت القواعد المرصودة مستمرة في عملها.

يحمل هذا الفهم الجديد أبعادا تطبيقية واعدة تتجاوز علم الأعصاب النظري؛ إذ يقدم لمهندسي الذكاء الاصطناعي مخططا هندسيا ملهما لتصميم خوارزميات تعلم آلي مقاومة للتشويش، كما يمهد الطريق لتطوير واجهات الدماغ والحاسوب والأطراف العصبية التعويضية.

شارك الخبر: