قطر
ثقافة

رحلة التابع الفضي: كيف ألهمت أطوار القمر تاريخ الحضارات والبشرية؟

الجزيرة١٨ سبتمبر ٢٠٢٦ في ٠٩:٥٧ ص0 مشاهدة
رحلة التابع الفضي: كيف ألهمت أطوار القمر تاريخ الحضارات والبشرية؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "بوصلة السماء السحرية.. كيف نسجت الحضارات تاريخها على وقع أطوار القمر؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ سبتمبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تشكل بحار القمر في مخيلة الحضارات صورة أرنب له أذنان ورأس وجسم. تخيل إنسانا يقف وحيدا في صحراء شاسعة قبل آلاف السنين، لا ساعة في معصمه، ولا بوصلة في يده، ولا أضواء مدينة تبدد عتمة الليل. يرفع رأسه، فيجد جرما فضيا يتغير وجهه كل ليلة، من هلال نحيل إلى بدر مكتمل، ثم يتراجع ببطء حتى يختفي. كان ذلك القمر أكثر من منظر جميل في السماء، بل كان ساعة يعرف بها الإنسان مرور الأيام، وتقويما يضبط به المواسم، وعلامة يستدل بها في رحلاته، وجرما نسجت حوله الحضارات قصص الآلهة والخلود والحب والموت.

على امتداد آلاف السنين، ترك القمر بصمته في حياة البشر، من ألواح بابل الطينية إلى أساطير الهند والصين، ومن منازل القمر عند العرب إلى آلهة القمر في اليونان وروما. على مسافة شاسعة تقدر بنحو 384 ألف كيلومتر عن كوكبنا، ظل هذا التابع الفضي يؤدي دورا عمليا حاسما لا غنى عنه في نجاة واستمرار الحضارات المبكرة وتمددها. فقبل اختراع الساعات الميكانيكية وأجهزة تحديد المواقع الجغرافية المتطورة، كان لمعان هذا الجرم المتوهج وموقعه في كبد السماء بمثابة الدليل الأكبر للإنسان القديم.

لقد استخدمه الرحالة والتجار والمستكشفون لضبط اتجاهاتهم بدقة خلال رحلاتهم الطويلة، حيث عمل كأول بوصلة كونية حقيقية ترشدهم وتنقذهم من التيه المدقع، خاصة في أوقات الليل الطويلة عندما يختفي مسار الشمس وتتعذر الرؤية. ولم يتوقف دور هذا الجرم العجيب عند تحديد المسارات الجغرافية والأماكن، بل امتد ليكون أداة فلكية دقيقة لتحديد الزمان وتنظيم الإيقاع الحياتي، حيث شكلت أطواره التقويم القمري الذي اعتمدت عليه كافة الشعوب الزراعية.

في الجزيرة العربية، راقب العرب حركة القمر بين النجوم، وقسموا الطريق الذي يقطعه في السماء إلى 28 منزلة قمرية، من الشرطين والبطين إلى الثريا والدبران ثم أخيرا الرشا. ولم تكن هذه المنازل مجرد أسماء لنجوم متفرقة، فقد ارتبط ظهورها واختفاؤها بالمواسم والطقس. ومع الإسلام، اكتسبت دورة القمر أهمية جديدة مع التقويم الهجري القمري. وفي حضارات جنوب الجزيرة العربية القديمة، ارتبط القمر بمعبودات وأسماء مختلفة، منها ود والمقه وسين.

في الهند القديمة، اتخذت العلاقة بالقمر شكلا أسطوريا مختلفا مع إله القمر شاندرا الذي تزوج 27 ابنة للملك داكشا تمثل محطات سماوية تعرف بالنكشاترا. وتروي الأساطير قصة حبه لروهيني وكيف أدت غيرة بقية الزوجات إلى لعنة جعلت ضوءه يضعف ويختفي تدريجيا.

أما في الصين القديمة، فقسم الفلكيون السماء إلى 28 منزلا نجميا تعرف باسم شيو. وأصبح القمر بطلا لأسطورة تشانغ آه، المرأة التي شربت إكسير الخلود وصعدت إلى القمر لتعيش برفقة الأرنب اليشمي، وهي قصة يستعيدها الصينيون في مهرجان منتصف الخريف.

وفي بلاد الرافدين، عرف السومريون إله القمر باسم نانا، بينما اشتهر عند البابليين والآشوريين باسم سين. وسجل الفلكيون البابليون ملاحظاتهم على ألواح طينية لتتطور السماء من مسرح للآلهة إلى مختبر للرصد والحساب. وفي اليونان، تجسد القمر في الإلهة سيليني، بينما كان للرومان إلهة القمر لونا.

وفي العصر الحديث، سعى العلم لتفسير تأثير القمر بيولوجيا، حيث أشار الدكتور كريستيان كاجوتشين، الباحث المتخصص في علم الأحياء الزمني بجامعة بازل السويسرية، إلى أن دورة القمر تؤثر على نوم الإنسان وفسيولوجيته وتخفض مستويات هرمون الميلاتونين خلال ليالي البدر، مما يفسر التغيرات المزاجية التي لاحظها الأسلاف ونسجوا حولها الأساطير.

شارك الخبر: