قطر
تكنولوجيا

مخاطر الهواتف الذكية على الأطفال: من الاستدراج الرقمي إلى العزلة النفسية

الجزيرة٨ سبتمبر ٢٠٢٦ في ٠٨:٥٢ ص0 مشاهدة
مخاطر الهواتف الذكية على الأطفال: من الاستدراج الرقمي إلى العزلة النفسية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "ماذا يحدث لطفلك عندما يمسك الهاتف؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ سبتمبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لم تعد شاشة الهاتف مجرد نافذة إلى العالم، بل تحولت بالنسبة إلى ملايين الأطفال إلى عالم كامل، قد يبدأ بلعبة إلكترونية، وينتهي أحيانا بابتزاز أو عزلة أو اضطراب نفسي أو سقوط في دوامة يصعب الخروج منها. ومع بداية العام الدراسي، تتصاعد عالميا المخاوف من تمدد هذا العالم إلى حياة الأطفال اليومية.

أكثر من نصف دول العالم باتت تفرض قيودا على استخدام الهواتف داخل المدارس، فيما اتجهت دول أخرى إلى وضع حدود عمرية لاستخدام منصات التواصل الاجتماعي. وبحسب المعطيات الواردة في حلقة برنامج "للقصة بقية" التي بثت مساء الاثنين على شاشة الجزيرة، يتعرض أكثر من 300 مليون طفل سنويا لأشكال من الاستدراج أو التحرش الرقمي أو طلب مواد غير لائقة.

لكن الأرقام، مهما بدت صادمة، لا تكشف وحدها حجم المأساة. فخلف كل رقم قصة إنسانية، وإحداها لفتاة دخلت عالم الألعاب الإلكترونية في الرابعة عشرة من عمرها، لتجد نفسها بعد فترة قصيرة أمام شخص انتحل شخصية فتاة، واستدرجها إلى منصة أخرى، قبل أن يسيطر على حساباتها ويستولي على صورها.

تروي الفتاة، في الفيلم الذي عرضه "للقصة بقية"، أنها بدأت بإرسال الصور تحت ضغط التهديد، وأن المبتز هددها باستهداف حسابات والدتها وشقيقها ونشر صورها إذا لم تستجب لطلباته. تقول إن الخوف سيطر عليها إلى درجة أنها فقدت التركيز في دراستها، ولم تعد تنام أو تأكل بصورة طبيعية. وكانت الصدمة الأكبر لوالدتها حين اكتشفت أن ابنتها وصلت إلى التفكير في الانتحار وتناول أدوية والدها للتخلص من الكابوس الذي تعيشه.

هنا تكشف القصة الوجه الأكثر خطورة للمصيدة الرقمية: الخطر لا يقف عند حدود الوقت الذي يقضيه الطفل أمام الشاشة، بل يبدأ حين يصبح الطرف الآخر خلفها مجهولا، وحين تتحول الخوارزميات من أدوات لترتيب المحتوى إلى وسائل قادرة على جذب الانتباه واستغلال نقاط الضعف.

وفي الفيلم الوثائقي المصاحب للحلقة، يصف أحد المعلقين نموذج عمل منصات التواصل بأنه قائم على تحويل المستخدم إلى سلعة، بحيث يصبح "انتباهه" هو المنتج الذي يباع للمعلنين، فيما تصمم المنصات لإبقائه متصلا لأطول فترة ممكنة، من خلال محتوى قادر على شد انتباهه بصورة متواصلة.

ويزداد الخطر عندما يتعلق الأمر بالأطفال؛ إذ تشير المعطيات الواردة في الحلقة إلى أن الأطفال يمثلون نحو ثلث مستخدمي الإنترنت عالميا، وأن تعرضهم للإنترنت قد يضعهم أمام التنمر والمحتوى العنيف والتحريض على إيذاء النفس والاستغلال الجنسي.

المشكلة لا تظهر دائما في صورة ابتزاز واضح. أحيانا تبدأ بهدوء داخل المنزل. آباء يتحدثون في الفيلم عن أبنائهم الذين انعزلوا عن محيطهم، وأمهات يلاحظن اتساع الفجوة بينهم وبين أطفالهم، وتراجع الحوار العائلي لحساب الساعات الطويلة أمام الشاشات.

وتصف والدة الضحية كيف كانت تجد ابنتها في الصباح ممسكة بهاتفها، بينما توهمها بأنها ما زالت منشغلة بواجباتها المدرسية. ومع الوقت، ظهرت عليها علامات الخوف والتوتر وفقدان الشهية والدوار والنوم الطويل.

ويحذر أحد الخبراء، كما ورد في الفيلم، من ارتفاع معدلات القلق والاكتئاب والتراجع الدراسي، مشيرا إلى أن بعض الأطفال ينغلقون على أنفسهم داخل غرفهم ويتخلون عن التفاعل مع أسرهم وأصدقائهم، لأن الشاشة أصبحت بالنسبة إليهم مصدر المتعة الأساسي.

لكنه يشدد في الوقت نفسه على ضرورة عدم التعامل مع العلاقة بين الاستخدام الرقمي وهذه المشكلات باعتبارها علاقة سببية حتمية؛ فقد تكون الألعاب أو وسائل التواصل ملاذا لطفل يعاني أصلا مشكلات مدرسية أو اجتماعية.

وفي الجزء التحليلي من "للقصة بقية"، ناقش البرنامج القضية مع البروفيسور ريان علي، أستاذ جامعة حمد بن خليفة ورئيس كرسي اليونسكو في التقنيات الرقمية والسلوك البشري، ودراغانا كورين، المديرة التنفيذية لمؤسسة "مختبر التوطين".

يقول البروفيسور ريان علي إن التجربة الأسترالية ما زالت مبكرة للحكم عليها، مشيرا إلى أن النتائج الأولية غير مشجعة، وأن دراسات أظهرت استمرار نسبة كبيرة من الأطفال في استخدام وسائل التواصل رغم القيود. ويعتقد ريان علي أن المشكلة ليست في استحالة التحقق من أعمار المستخدمين؛ فالذكاء الاصطناعي، وتحليل طريقة التفاعل والاهتمامات، وتقنيات التعرف على الوجه، يمكن أن توفر وسائل أكثر فاعلية للتحقق من العمر.

أما دراغانا كورين فتحذر من أن الحظر بلا إنفاذ حقيقي قد يتحول إلى مجرد إعلان، مشيرة إلى أن كثيرا من الأطفال يستطيعون التحايل على القيود العمرية. وترى أن الحل يحتاج إلى تشريعات وهيئات تنظيمية قادرة على مراقبة الشركات وفرض جزاءات حقيقية عليها.

ويرفض ريان علي اختزال الحل في الحظر، قائلا إن الحظر يجب أن يكون آخر الحلول، وإن حماية الأطفال تتطلب تضافر الأسرة والتعليم والصحة والمجتمع، إلى جانب الضغط على شركات التكنولوجيا لتتحمل مسؤوليتها.

الأكثر إثارة للقلق، بحسب ريان علي، ليس مجرد قضاء ساعات طويلة أمام الشاشة، بل قدرة المنصات على قراءة سلوك المستخدم واكتشاف نقاط ضعفه، ثم تقديم محتوى مصخص خصيصا لجذب انتباهه. ويقول إن الخوارزميات قد تستغل مؤشرات على الاكتئاب أو التوتر أو غيرهما لتقديم محتوى أكثر ملاءمة لهذه الحالة.

وتذهب دراغانا كورين إلى أن المسؤولية لا تقع على الحكومات وحدها، بل تشمل الأهل والمدرسة والمجتمع أيضا، محذرة في الوقت ذاته من الإفراط في الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي في الواجبات الدراسية.

أما ريان علي فيضيف خطرا آخر يتعلق بالذكاء الاصطناعي نفسه؛ إذ يرى أن الاعتماد المفرط عليه قد يحد من التفكير النقدي والقدرة على اتخاذ القرار، ويتحدث عن مؤشرات أولية على انخفاض الاحتفاظ بالمعلومات لدى مستخدميه بكثافة.

ومن المفارقات التي يلفت إليها ريان علي أن إدمان الأب أو الأم للاستخدام الرقمي قد ينعكس على الأبناء، مشيرا إلى دراسة أجريت في خمس دول خلصت إلى أنه كلما ارتفع الإدمان الرقمي لدى الآباء ارتفع لدى الأبناء.

وفي الختام، يؤكد ريان علي أن وسائل التواصل يمكن أن توفر فوائد للأطفال، خصوصا لمن يعانون الخجل أو يحتاجون إلى مساحات للتعبير والتواصل، مقترحا تغيير فلسفة الخوارزميات لتنمية مهارات الأطفال بدل حبسهم داخل فقاعة رقمية مغلقة.

شارك الخبر: