قطر
سياسة

الفرح المستعار: كيف يمارس العرب الديمقراطية بالوكالة؟

العربي الجديد٨ نوفمبر ٢٠٢٦ في ١٢:٣٥ ص0 مشاهدة
الفرح المستعار: كيف يمارس العرب الديمقراطية بالوكالة؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "ديمقراطيّةُ الانتساب الفوضويّ" نشر أولاً على موقع العربي الجديد وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٨ نوفمبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في زوايا مقهى قاهري مزدحم، ليلة انتخاب باراك أوباما عام 2008، التصق صاحب المقهى بالتلفزيون متابعاً الانتخابات الأمريكية، فسأله أحد الزبائن بسخرية: "هل الانتخابات هذه عندنا ونحن لا نعرف؟". كنت حاضراً في ذلك المقهى ضمن مدعوين لتظاهرة ثقافية، وضحكت معتبراً السؤال مجرد نكتة. مرت ثمانية عشر عاماً، ولم تتغير النكتة. تستمر الشاشات العربية في متابعة تفاصيل الانتخابات الأمريكية، وتحليل أرقام الأصوات، حتى أصبح المشاهد يعرف أسماء شخصيات سياسية أمريكية بارزة، بينما يجهل أسماء نواب دوائره الانتخابية.

شهدنا انتخاب أول مسلم لمجلس الشيوخ الأمريكي، وهو ابن لمهاجرين مصريين، فاحتفت به العواصم العربية وكأنه ابنها. لكن اللافت أن المقعد كان ديمقراطياً أصلاً، ولم يتغير ميزان المجلس بهذا الفوز، كما لم يتغير بانتخاب رجل أسود للرئاسة. قد تكون البشرة السوداء أفضل ما يخدم السياسة البيضاء، كما كتبت سابقاً.

في هذا "الفرح المستعار"، يظهر أن الرأي العام العربي وجد طريقته الخاصة في ممارسة الديمقراطية: بالادعاء بالانتساب للديمقراطيين، والتباهي بالفائزين منهم، خاصة إذا كانت لهم جذور عربية ولو من بعيد. يتم تعليق صورهم في النشرات الإخبارية كما تعلق العائلات صور أقاربها المهاجرين، ثم يعود الجميع إلى حياتهم الطبيعية.

تقتضي الديمقراطية بالمصاهرة أن نصدق أن أصهارنا يعملون لصالحنا. نقرأ عن "الموجة الزرقاء" في أمريكا كأنها ثأر لغزة، بينما يراها الأمريكي فاتورة بنزين. حتى أن نائب ترامب حمل حرب إيران وزر الهزيمة. في الثقافة العربية، يُكرَم الصهر ولا يُستأمَر. يجلس إلى المائدة ثم يعود إلى بيته، ولا يُطلب منه إصلاح سقف بيوت أصهاره. ومع ذلك، ننتظر من ناخب في ميشيغن أن يصلح أحوالنا، وهو لا يعرف عناويننا ولا سمع بمدننا إلا في سياق الحروب.

في تسعينيات القرن الماضي، كان البعض يبرمج أجهزة الفيديو لتسجيل الأفلام وينام مطمئناً، كأن الآلة سهرت عنه. استخرج الفيلسوف النمساوي روبرت بفالر من هذه الحيلة مفهوم "الانفعال بالإنابة"، وهو ما أسميه "الفرح المستعار". يقف الناخب في ديربورن أمام صندوق الاقتراع، يعاقب الحاكم، ويتحمل خيبة المستقبل، بينما نتسلم نحن الفرح جاهزاً، مغلفاً، بلا أي مخاطرة.

يصاحب هذا الفرح المستعار ظلال أخرى. في القدس، أوائل التسعينيات، كتب عالم الاجتماع ستانلي كوهين تقريراً عن تعذيب المعتقلين الفلسطينيين لمنظمة "بتسيلم"، وطلب تمويلاً لترجمته إلى الإنجليزية. سألته الممولة الأمريكية: "لماذا نترجمه؟ الأمور فظيعة، لكن لا داعي لأن يعرفها الجميع". من هذه المواقف استنبط مفهوم "الإنكار التضميني": معرفة الوقائع وإنكار ما يترتب عليها.

في القاهرة المملوكية، كان ابن دانيال يداوي العيون نهاراً ويكتب للظلال ليلاً. أما ظلالنا اليوم فهي مستوردة ولا تشاغب أحداً. أعيننا مصابة بداء "طول النظر": نرى ميشيغن بوضوح تام ونتعثر في عتبة بيوتنا. تبلغ العلة ذروتها في الكنيست، حيث نصفق لـ19 نائباً عربياً نتوهّم أنهم "صانعو ملوك"، في برلمان لا نعترف بشرعيته، بينما لا نصنع في بلداننا مستشاراً بلدياً. لا عيب في الفرح بانتصار الآخرين، العيب أن يصبح بديلاً من انتصارنا.

العيب أن يظل الرأي العام العربي يخرج من الديمقراطية الأمريكية أو الأوروبية متوهماً أنه يمارس السياسة، يرقص في أعراس الآخرين، يدّعي الانتماء إليهم، بينما هم ينكرونه بشدة. ثم يعود إلى بيوت لم يُعقد فيها بعد قران بين الناس وصناديقهم، ولا يجرؤ أحد على السؤال: من ولي الأمر؟

شارك الخبر: