قطر
ثقافة

سبيل الحوريات: حمام الأميرات الذي يكشف أسرار عمّان قبل ألفي عام

الجزيرة٧ نوفمبر ٢٠٢٦ في ٠٤:١٦ م0 مشاهدة
سبيل الحوريات: حمام الأميرات الذي يكشف أسرار عمّان قبل ألفي عام

تنويه

هذا الخبر بعنوان ""سبيل الحوريات".. حمّام الأميرات الذي يروي حكاية عمّان قبل ألفي عام" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ نوفمبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في قلب العاصمة الأردنية عمّان، وسط ضجيج الحياة المعاصرة، تقف بقايا بناء حجري ضخم يروي قصة مدينة أخرى، حيث كان الماء عنصراً أساسياً في هندستها وحياتها اليومية. إنه "سبيل الحوريات" أو "النمفيوم" (Nymphaeum)، أحد أبرز المعالم الأثرية المتبقية من مدينة فيلادلفيا الرومانية، ويعود تاريخه إلى القرن الثاني الميلادي. يقع هذا المكان في شارع قريش، المعروف شعبياً بمنطقة "سقف السيل"، ويحتفظ بما تبقى من حكاية تمتد لنحو ألفي عام، شهدت خلالها عمّان تعاقب الحضارات وتغير الملامح، بينما ظل المبنى شاهداً على جانب من ماضيها.

وفقاً لدائرة الآثار العامة الأردنية، يُعد سبيل الحوريات من أكبر المباني العامة التي شُيدت في فيلادلفيا خلال القرن الثاني الميلادي. كان المكان مخصصاً للراحة والاستجمام وممارسة الأنشطة المختلفة، بالإضافة إلى دوره الحيوي في توفير المياه. أقيم المبنى على حافة مجرى مائي، وكان يتغذى من ينابيع المياه العذبة، مما يبرز العلاقة الوثيقة بين العمارة والمياه. كانت المياه تنساب من الجزء العلوي للمبنى على هيئة شلالات، لتتجمع في حوض رئيسي ثم تتدفق إلى الجزء السفلي.

لم يكن سبيل الحوريات مجرد منشأة لتجميع المياه، بل ارتبط أيضاً بالاستحمام والاستجمام، وكان يُستخدم كحمام للأميرات وعلية القوم في العصر الروماني، واستمر استخدامه في عصور لاحقة. يتسم المبنى بتصميم متماثل يبلغ طوله 68 متراً، ويتكون جزؤه السفلي من أقبية أسطوانية، بينما يضم المستوى العلوي ثلاث حنايا كبيرة وصفين من الحنايا الصغيرة. يُرجح أن هذه الحنايا كانت تضم تماثيل رخامية تزين الواجهة، وهو ما تدعمه الاكتشافات الأثرية التي عُثر فيها على تماثيل لحوريات الماء تُعرض حالياً في متحف الآثار الأردني. كانت الجدران الداخلية والحنايا مكسوة بالرخام، وتدل الفتحات الظاهرة في الحجارة على طريقة تثبيت هذا الكساء. أما الجزء السفلي، فيُعتقد أنه كان يضم المسابح والحمامات والمرافق الصحية، مع نوافير وأعمدة مرتفعة تضفي جمالاً على المكان.

كان سبيل الحوريات قلبًا اجتماعيًا لفيلادلفيا، حيث كان ملتقى للسكان ومكاناً للترفيه والاستجمام، بالإضافة إلى كونه مصدراً للمياه. هذه الوظائف المتعددة تمنح المعلم أهمية تتجاوز حجمه المعماري، وتقدم صورة عن الحياة في المدينة الرومانية، حيث لم تكن المنشآت المائية مجرد مرافق خدمية، بل جزءاً من الفضاء الاجتماعي والثقافي للمدينة.

لم تنتهِ حكاية المكان بانتهاء الحقبة الرومانية، بل واصل حضوره بأشكال مختلفة. خلال الفترة الأموية، استُخدمت حجارة من المبنى لإنشاء خزان مياه، وأعيد استخدام أجزاء منه في القرن التاسع عشر مع عودة النمو العمراني لعمّان. تحول المكان في مرحلة ما إلى خان للمسافرين ودوابهم، قبل أن تتوسع المباني الحديثة حوله.

واجه سبيل الحوريات تحديات الزمن، حيث أثرت العوامل الطبيعية والتلوث والتوسع العمراني على حجارتها. في تسعينيات القرن الماضي، نفذت دائرة الآثار العامة أعمال تنقيب واسعة وترميمات للحفاظ على المعلم وإبراز قيمته التاريخية والمعمارية.

اليوم، يقف سبيل الحوريات كشاهد على تاريخ عمّان العريق، حيث يختبئ خلف بقايا حجاره حكاية مدينة كان الماء يجري في قلبها، وكانت الحياة تتجمع حوله قبل ألفي عام، في مفارقة ساحرة بين الماضي والحاضر.

شارك الخبر: