قطر
سياسة

تعز تحت الحصار: الدخان والنفايات تطارد السكان وسط معركة البقاء

الجزيرة٤ نوفمبر ٢٠٢٦ في ٠٩:٥٤ ص0 مشاهدة
تعز تحت الحصار: الدخان والنفايات تطارد السكان وسط معركة البقاء

تنويه

هذا الخبر بعنوان "بين الرصاص وأكوام النفايات.. حكاية مدينة يمنية يطاردها الدخان تحت الحصار" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٤ نوفمبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في مدينة تعز اليمنية، تتصاعد أعمدة الدخان الأسود من أكوام النفايات المشتعلة في سائلة عصيفرة شمالي المدينة، بينما تنتشر الروائح الكريهة في الأحياء السكنية المحيطة. مشهد تراكم أكياس القمامة والمخلفات المنزلية بات جزءاً من الحياة اليومية للسكان، الذين يجدون أنفسهم محاصرين بين النفايات والدخان، في أزمة تتجاوز آثارها تدهور خدمات النظافة إلى تهديد صحتهم وسلامة البيئة المحيطة بهم.

منذ مطلع أكتوبر/تشرين الأول الماضي، تشهد المدينة تراكماً متزايداً للنفايات، بعدما تعذر على شاحنات النظافة الوصول إلى المقلب الرئيسي غربي المدينة، الواقع في منطقة التماس والخاضع لسيطرة الحوثيين. وبحسب عمال النظافة، تنتشر قناصة في محيط المقلب، وقد تعرضوا لإطلاق النار أكثر من مرة أثناء محاولتهم الوصول إليه لتفريغ حمولات الشاحنات، الأمر الذي حال دون استمرار عمليات الترحيل.

أدى تعذر الوصول إلى المقلب إلى اضطراب منظومة جمع المخلفات والتخلص منها، في وقت تعاني فيه المدينة نقصاً حاداً في المشتقات النفطية وتراجعاً في الإمكانات التشغيلية لصندوق النظافة، ما دفع إلى تراكم النفايات في الشوارع ومجاري السيول، واللجوء إلى إحراق بعضها للتخلص منها. ورصدت الجزيرة نت ميدانياً أكواماً من المخلفات في عدد من شوارع المدينة، تتركز بصورة لافتة في منطقة عصيفرة، حيث تمتد النفايات داخل السائلة من منتصف شارع التحرير الأسفل وصولاً إلى المنطقة، وسط الأحياء السكنية التي بات سكانها يتعرضون بصورة يومية للأدخنة والروائح المنبعثة من المخلفات. ولا تبدو سائلة "السعيد" في منطقة عصيفرة مجرد مكان لتجميع القمامة، إذ تحولت إلى مساحة تتكدس فيها المخلفات المنزلية وتشتعل فيها النيران بين الحين والآخر، بينما تتصاعد الأدخنة باتجاه المنازل المجاورة، في ظل غياب بدائل آمنة للتخلص من النفايات.

يقول عبده هادي، أحد سكان حي عصيفرة، إنه يشعر بضيق شديد جراء تراكم القمامة في السائلة، مؤكداً أن معاناته لا تختلف عن معاناة بقية السكان، خصوصاً القاطنين بالقرب من مواقع تجمع المخلفات. ويضيف في حديثه للجزيرة نت: "هذا يسبب لنا اختناقاً وأمراضاً، الصغار والكبار، والجهال يختنقوا من الدخان، قدها ريحة كريهة، وفوق هذا يحرقوها". ولا يقتصر انزعاج هادي على الروائح والأدخنة، إذ يرى أن تراكم النفايات وإحراقها أصبحا يشكلان تهديداً مباشراً لحياة أسرته وسكان الحي، في ظل استمرار الأزمة دون حلول تنهي معاناتهم. ويضيف هادي متحدثاً عن الأوضاع المعيشية في المدينة: "نحن محاصرون من كل جهة، لا غاز ولا بترول، وسوق سوداء". وتكشف معاناة عبده جانباً من التداعيات المتداخلة للحصار، الذي لم يعد يقتصر على نقص الوقود والسلع الأساسية، حيث امتد إلى الخدمات البلدية، وأصبح السكان يواجهون نتائج تعطلها داخل أحيائهم ومحيط منازلهم.

وبحسب مدير مشروع النظافة بمدينة تعز، محمد إبراهيم، تنتج المدينة يومياً ما بين 550 و600 طن من النفايات، بما يعادل نحو 16 ألفاً و500 إلى 18 ألف طن شهرياً، ونحو 198 ألفاً إلى 219 ألف طن سنوياً. ويوضح محمد، في حديثه للجزيرة نت، أن أعمال جمع المخلفات وترحيلها تأثرت بشدة منذ 5 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، نتيجة الحصار المفروض على المدينة، وإغلاق المقلب الواقع في مناطق التماس، إلى جانب الاضطرابات الاقتصادية والنقص الحاد في المشتقات النفطية، مما حدّ من قدرة صندوق النظافة على تشغيل معداته بانتظام وتغطية مختلف مناطق المدينة. ويشير إلى أن الصندوق يواجه تراجعاً حاداً في موارده المالية، نتيجة إغلاق منافذ التحصيل الرئيسية، وتوقف توريدات بعض الجهات والمنشآت، وعدم سداد منشآت أخرى التزاماتها المالية في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة. ويضيف أن تراجع الإيرادات انعكس بصورة مباشرة على قدرة الصندوق على تغطية نفقاته التشغيلية وتأمين متطلبات العمل الأساسية، وفي مقدمتها الديزل وقطع الغيار وأعمال الصيانة اللازمة لتشغيل معدات جمع المخلفات وترحيلها. ويحذر من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى مزيد من التراجع في معدلات جمع النفايات، وتفاقم تراكمها في الشوارع والأحياء السكنية.

ومع تعذر نقل النفايات إلى المقلب الرئيسي، يجد عمال النظافة أنفسهم أمام واقع بالغ الصعوبة، إذ تستمر عمليات جمع المخلفات من بعض الشوارع، لكن المشكلة تبقى في عدم القدرة على ترحيلها والتخلص منها في المواقع المخصصة. ويقول أحد عمال النظافة، خلال وجوده في منطقة عصيفرة وأثناء تفريغ شاحنة المخلفات في السائلة، للجزيرة نت: "نحن هنا معانا القمامة في سائلة عصيفرة بسبب الحرب، والناس هنا معرضون للأمراض من القمامة، ونحن نكدس النفايات في السائلة، خليها على الله".

لا تنفصل أزمة القمامة عن التدهور الأوسع للخدمات الأساسية في المدينة. ففي 20 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، حذر المنسق المقيم للشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في اليمن، لوران بوكيرا، من التدهور السريع للأوضاع الإنسانية والاقتصادية في تعز، مشيراً إلى أن إغلاق الطرق وانعدام الأمن يمنعان وصول الإمدادات الحيوية، بما فيها الوقود، ويهددان استمرار الخدمات الأساسية. وأوضح أن إنتاج المياه في المدينة انخفض إلى النصف، وأن البدائل المتاحة بدأت تنفد، داعياً إلى فتح ممرات آمنة أمام السلع التجارية والمواد الغذائية والأدوية والمساعدات الإنسانية. وفي 23 أكتوبر/تشرين الأول، حذر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، واليونيسف، وبرنامج الأغذية العالمي من تفاقم الأزمة الإنسانية في المدينة، مع استمرار انقطاع طرق الإمداد. وأوضح أوتشا أن شح الوقود أدى إلى تراجع إنتاج المياه بنحو 50%، فيما ارتفعت تكلفة المياه المنقولة بالشاحنات إلى نحو ثلاثة أضعاف. وفي الإحاطة نفسها، قالت اليونيسف إن أكثر من 52 ألف طفل في محافظة تعز جرى تحديد إصابتهم بسوء التغذية الحاد من بين أكثر من 168 ألف طفل خضعوا للفحص خلال العام، بينهم أكثر من 11 ألفاً و500 طفل يعانون سوء التغذية الحاد الوخيم.

وتوضح منظمة الصحة العالمية أن سوء جمع النفايات والتخلص منها قد يؤدي إلى انسداد قنوات تصريف المياه، وتجمع المياه الراكدة داخل المخلفات، بما يوفر بيئة ملائمة لتكاثر نواقل الأمراض، ومنها البعوض المرتبط بحمى الضنك والملاريا، فضلاً عن مخاطر تلوث المياه وانتشار الأمراض المرتبطة بها. ويرى مختصون في الصحة العامة أن الروائح المنبعثة من النفايات المتحللة قد تسبب الإزعاج والصداع والغثيان لدى بعض الأشخاص، كما قد تؤدي الروائح والملوثات الموجودة في الهواء إلى تفاقم أعراض الحساسية والربو لدى الأشخاص الذين يعانون من مشكلات تنفسية، خصوصاً عند التعرض المستمر لها، مشيرين إلى أن الأطفال وكبار السن والأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة قد يكونون أكثر عرضة للمضاعفات الصحية المرتبطة بالبيئات الملوثة.

مع تواصل التصعيد العسكري، تتشابك خيوط المأساة في تعز، حيث تلتهم نيران القمامة المشتعلة في السوائل والشوارع ما تبقى من هواء نقي، لتمسي المدينة رهينة لحروب مترابطة تبدأ من رصاصات القناصة على تخوم المقالب، ولا تنتهي عند مخاوف الوباء والاختناق، في مشهد يومي يعيد التذكير بأن الحصار هنا لا يحرم السكان من رغيف الخبز والوقود فحسب، بل يمتد ليحاصر أبسط شروط الحياة الإنسانية ويهدد بيئتهم ومستقبل أطفالهم بصمت مطبق.

شارك الخبر: