الانتصار الديمقراطي في أمريكا: درس في قوة الإرادة الشعبية ضد الغرور السياسي


هذا الخبر بعنوان "التمرد على واشنطن.. انتصر الديمقراطيون لأنهم أدركوا هذه الحقيقة" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٤ نوفمبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يرى الكاتب أن الانتخابات الأمريكية كانت صفعة قوية على وجوه من يتبنون سياسات التخويف والكراهية، وأن الديمقراطية وحدها قادرة على إزاحتهم من المشهد السياسي. ويشير إلى أن أخطر ما يصيب السلطة ليس الفساد فحسب، بل الغرور الذي يجعل أصحابها يعتقدون أنهم أصبحوا فوق الدولة والمؤسسات والشعوب. وعندما يصل السياسيون إلى هذه المرحلة، يتحول التفويض الشعبي إلى صك ملكية، وتصبح المؤسسات أدوات لخدمة مصالحهم، بينما يُعامل المعارضون كأعداء للوطن. لكن الانتخابات الأمريكية تعيد تذكير الجميع بحقيقة قاسية: مهما بلغت قوة الحاكم، ومهما امتلك من المال والإعلام والنفوذ، فإنه لا يستطيع مصادرة إرادة الشعب إلى الأبد.
لقد كانت ليلة انتخابية سوداء وقاسية للجمهوريين، تحولت فيها صناديق الاقتراع إلى محاكمة سياسية لغرور السلطة وخطاب الكراهية والاستعلاء. لم تكن الهزيمة مجرد خسارة مقاعد ومناصب، بل زلزال سياسي ضرب معاقلهم التقليدية وكشف هشاشة نفوذهم. لقد ارتدت عليهم حملات التخويف والتحريض والتشويه، وانقلبت محاولات شيطنة الخصوم إلى تعبئة شعبية ضدهم. الرسالة كانت أشد قسوة من مجرد هزيمة انتخابية: من يستخف بعقول الناس، ويختزل الدولة في حزبه، ويعتقد أن المال والإعلام والسلطة تمنحه حق احتكار المستقبل، فسيكتشف عاجلاً أم آجلاً أن الإرادة الشعبية قادرة على إسقاط أوهامه، وأن صناديق الاقتراع قد تتحول إلى مقبرة سياسية للغرور والاستبداد.
السلطة التي تخلط بين التفويض الشعبي وحق الاحتكار قد تكتشف، عند أول اختبار حقيقي، أن الناخبين الذين أوصلوها إلى الحكم يملكون القدرة نفسها على إقصائها عنه. والديمقراطية الأمريكية لم تكن يوماً نظاماً مثالياً، فقد شهدت صعود شخصيات استغلت الغضب الشعبي ووظفت الانقسامات الاجتماعية وهاجمت المؤسسات. لكن المفارقة أن الديمقراطية التي تسمح بصعود هؤلاء تمنح المجتمع، إذا حافظ على مؤسساته وحرياته، القدرة على إسقاطهم سياسياً.
الخطأ الأكبر الذي ارتكبته النخب السياسية كان الاعتقاد بأن الحروب الخارجية والصراعات الأيديولوجية الداخلية تستطيع إخفاء الأزمة المعيشية إلى ما لا نهاية. فالناخب الأمريكي لا يعيش داخل الشعارات الانتخابية، بل داخل اقتصاد يواجه فيه ارتفاع الإيجارات، وتكاليف العلاج، وأقساط التأمين، والديون الجامعية، وأسعار الغذاء والوقود، وتراجع القدرة على امتلاك منزل أو تأسيس أسرة. وقد أعاد مرشحون ديمقراطيون الاعتبار إلى شعار "الاقتصاد أولاً"، بعدما أدركوا أن الدفاع عن الديمقراطية يفقد كثيراً من قوته عندما ينفصل عن حياة الناس. فلا يستطيع حزب أن يطالب الطبقة العاملة بالدفاع عن المؤسسات بينما يتجاهل شعورها بأن هذه المؤسسات أصبحت أكثر استجابة لمصالح الأثرياء من احتياجات المواطنين.
لم تكن الهجمات التي شنها ترمب ونائبه وشخصيات جمهورية على المرشحين الديمقراطيين مجرد سجالات انتخابية، بل عكست نمطاً سياسياً يقوم على تحويل الخصوم إلى تهديدات وجودية، واستدعاء المخاوف العرقية والدينية والثقافية لتعبئة القواعد الانتخابية. وقد أصبح المسلم والمهاجر واليساري والناشط الحقوقي أهدافاً جاهزة لحملات التشويه. غير أن هذه الاستراتيجية واجهت حدودها، خصوصاً لدى قطاعات من الشباب ولا سيما جيل زد الذين لم يعودوا مستعدين لقبول تصنيف المواطنين وفق أصولهم ومعتقداتهم. فصعود شخصيات مثل زهران ممداني وعبدول السيد يعكس تحولاً يتجاوز الخلفية الإسلامية لهذين السياسيين، إلى رفض أوسع لاحتكار المؤسسة التقليدية تعريف الوطنية والشرعية السياسية. لقد حاول خصوم هؤلاء المرشحين تصويرهم باعتبارهم غرباء عن المجتمع الأمريكي، لكن السؤال الذي طرحه كثير من الشباب كان أكثر بساطة وعمقاً: من يمثل أمريكا فعلاً؟ السياسي الذي يرفع العلم ويتحدث عن عظمة الأمة بينما يدافع عن مصالح المليارديرات، أم المرشح الذي يناقش الإيجارات والرعاية الصحية والتعليم والعدالة الاقتصادية؟
وتكشف تجربة إلهان عمر جانباً آخر من هذه المواجهة. فقد تعرضت النائبة الأمريكية من أصل صومالي لهجمات متكررة، شملت التشكيك في انتمائها الوطني ومطالبتها بالعودة إلى بلدها الأصلي، رغم أنها مواطنة أمريكية منتخبة. لقد لجأ بعض الذين يرفعون شعارات الدفاع عن الحرية والدستور إلى التشكيك في حقوق المواطنة عندما تأتي نتائج الديمقراطية بشخصيات لا تنسجم مع تصوراتهم الأيديولوجية.
الاقتصاد يهزم الدعاية: الخطأ الأكبر الذي ارتكبته النخب السياسية كان الاعتقاد بأن الحروب الخارجية والصراعات الأيديولوجية الداخلية تستطيع إخفاء الأزمة المعيشية إلى ما لا نهاية. فالناخب الأمريكي لا يعيش داخل الشعارات الانتخابية، وإنما داخل اقتصاد يواجه فيه ارتفاع الإيجارات، وتكاليف العلاج، وأقساط التأمين، والديون الجامعية، وأسعار الغذاء والوقود، وتراجع القدرة على امتلاك منزل أو تأسيس أسرة. وقد أعاد مرشحون ديمقراطيون الاعتبار إلى شعار "الاقتصاد أولاً"، بعدما أدركوا أن الدفاع عن الديمقراطية يفقد كثيراً من قوته عندما ينفصل عن حياة الناس. فلا يستطيع حزب أن يطالب الطبقة العاملة بالدفاع عن المؤسسات بينما يتجاهل شعورها بأن هذه المؤسسات أصبحت أكثر استجابة لمصالح الأثرياء من احتياجات المواطنين. والأكثر أهمية أن الدعوة إلى فرض ضرائب أعلى على الشركات الكبرى وأصحاب الثروات، ومواجهة الاحتكارات، وتوسيع الخدمات العامة، لم تعد مجرد مطالب يسارية هامشية، بل أصبحت جزءاً من نقاش أوسع حول عدالة توزيع الثروة والسلطة داخل المجتمع الأمريكي. لقد اكتشف جيل جديد أن المشكلة ليست في نقص الثروة الأمريكية، بل في توزيع مكاسبها، وليست في عجز الدولة عن الإنفاق، بل في تحديد الجهات التي تستحق هذا الإنفاق. فالدولة التي تستطيع تخصيص المليارات للإنفاق العسكري والمساعدات الخارجية لا تستطيع إقناع مواطنيها بسهولة بأن توفير الرعاية الصحية والسكن الميسر أمر يتجاوز إمكاناتها.
التمرد على واشنطن وحروبها: ولم يعد الغضب مقتصراً على السياسات الداخلية. فقد أحدثت الحروب والصراعات الخارجية -وخاصة في الشرق الأوسط وفي مقدمتها حرب غزة والمواجهة مع إيران- شرخاً متنامياً بين قطاعات من الشباب الأمريكي والمؤسسة التقليدية للسياسة الخارجية، بما فيها قيادات داخل الحزب الديمقراطي. لقد اعتادت واشنطن التعامل مع الدعم العسكري لإسرائيل باعتباره من المسلمات التي لا يجوز إخضاعها للنقاش الجدي. لكن الأجيال الجديدة بدأت تطرح أسئلة محرجة حول المساعدات العسكرية، وحماية المدنيين، والمعايير المزدوجة، ومدى خضوع السياسة الخارجية الأمريكية لمصالح جماعات الضغط. وللمرة الأولى منذ عقود، أصبح الاعتراض على السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط عنصراً بارزاً في التعبئة السياسية داخل قطاعات من الحزب الديمقراطي. وثمة أوجه شبه مع التمرد الشبابي خلال حرب فيتنام، عندما رفض جيل كامل التسليم بحجج المؤسسة الحاكمة حول الأمن القومي والالتزامات الدولية. والمفارقة أن بعض المرشحين الذين تعرضوا للهجوم بسبب انتقادهم إسرائيل وجدوا في هذه المواقف مصدر قوة لدى ناخبين يرون أن السياسة الخارجية يجب أن تخضع للمساءلة الأخلاقية والديمقراطية، لا أن تبقى حكراً على النخب الأمنية وجماعات الضغط. وهذا التحول لا يعني أن أمريكا أصبحت معادية لإسرائيل، ولا أن التوازنات التقليدية انهارت، لكنه يشير إلى أن احتكار النقاش حول العلاقة الأمريكية الإسرائيلية بدأ يواجه تحديات لم تعد قابلة للتجاهل.
الديمقراطية ليست هدية مجانية: إن أخطر الأوهام الاعتقاد بأن الديمقراطية قادرة على إصلاح نفسها تلقائياً. فالتاريخ مليء بأنظمة وصلت إلى الحكم عبر الانتخابات، ثم استخدمت السلطة لتقويض الشروط التي سمحت بوصولها. وقد تنجح قوى سياسية في إخضاع المؤسسات، وترهيب الإعلام، وتطويع القضاء، وتغيير قواعد المنافسة، حتى تصبح الانتخابات إجراء شكلياً يمنح الاستبداد مظهراً دستورياً. ولهذا فإن الديمقراطية لا تعيش بفضل حسن نيات الحكام، بل بفضل المؤسسات التي تقيد سلطاتهم، والصحافة التي تفضح تجاوزاتهم، والمجتمع الذي يرفض تحويل الدولة إلى ملكية خاصة. وقد قدم التاريخ الأمريكي درساً بالغ الدلالة عندما اضطر الرئيس ريتشارد نيكسون إلى الاستقالة عام 1974 على خلفية فضيحة ووترغيت. لم تسقط الرئاسة الأمريكية، ولم تنهَر الدولة، بل أثبت النظام أن بقاء المؤسسات أهم من بقاء الرئيس، وأن شرعية المنصب لا تمنح صاحبه حصانة من المحاسبة.
إن الدرس الأعمق من الانتخابات الأمريكية ليس أن الديمقراطيين انتصروا أو أن الجمهوريين تراجعوا، فالأحزاب تتبادل السلطة، وقد يعاقب الناخبون الديمقراطيين أنفسهم عندما يخيبون آمالهم. الدرس الحقيقي أن الشعوب ليست ممتلكات سياسية، وأن الناخبين لا يمنحون أحداً ولاءً أبدياً، وأن السيطرة على الإعلام والمال والمؤسسات لا تضمن السيطرة على المستقبل. قد ينجح السياسيون في تضليل الجماهير، واستثمار مخاوفها، وإقناعها بأن أعداءها هم المهاجرون والفقراء والأقليات، بدلاً من مساءلة أصحاب النفوذ الذين يراكمون الثروة والسلطة. وقد تستمر هذه الخديعة سنوات، لكن التجربة المعيشية قادرة على كشف التناقض بين الوعود والنتائج. إن أهم ما يميز الديمقراطية أنها لا تكمن في منع صعود الفاسدين أو الشعبويين، بل في أنها تتيح محاسبتهم وإزاحتهم عندما تتوافر المؤسسات الحرة والإرادة الشعبية. فالانتخابات ليست صك غفران للحكام، بل موعداً متجدداً للحساب. والتاريخ يعلمنا أن أخطر لحظة في حياة الحاكم هي تلك التي يصدّق فيها أنه أصبح أكبر من شعبه. فالشعوب قد تصمت، وقد تنخدع، وقد تتأخر في إدراك حجم الخديعة، لكنها عندما تستعيد صوتها تتبدل الموازين، وتسقط الأوهام، ويكتشف أصحاب السلطة أنهم لم يكونوا سوى عابرين في تاريخ أمة أكبر منهم جميعاً.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة