ما وراء صمود الاقتصاد الأمريكي: دور الاحتياطي الفدرالي وعوامل القوة الأخرى


هذا الخبر بعنوان "ما السر الحقيقي وراء صمود الاقتصاد الأمريكي؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ نوفمبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لا يعتمد صمود الاقتصاد الأمريكي على عامل واحد، ولا يمكن تفسيره بقرارات الاحتياطي الفدرالي وحدها. فالإنفاق المحلي والاستثمار ونمو الإنتاجية عوامل تسهم في دعم النشاط الاقتصادي، بينما تؤثر السياسة النقدية في تكلفة الاقتراض والطلب وتوقعات الأسواق، بما يجعل البنك المركزي أحد الأطراف الرئيسية في قدرة الاقتصاد على التعامل مع الضغوط.
أدوات الاحتياطي الفدرالي، البنك المركزي للولايات المتحدة، لا تمنحه سيطرة كاملة على مسار الاقتصاد؛ فرفع أسعار الفائدة يساعد على تهدئة الطلب والتضخم، لكنه يزيد تكلفة التمويل على الأسر والشركات، في حين قد يشجع خفضها الإنفاق والاستثمار، لكنه ينطوي على أخطار إذا أعاد تنشيط الضغوط السعرية قبل احتوائها. وتتمثل مهمة البنك في تحقيق أقصى قدر من التوظيف واستقرار الأسعار، مع استهداف تضخم يبلغ 2% على المدى الطويل وفق مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي. وبين هذين الهدفين، تتحدد مساحة الحركة المتاحة لصناع السياسة النقدية، خصوصا عندما تتعارض مؤشرات الأسعار مع اتجاهات سوق العمل.
لفهم قرار الاحتياطي الفدرالي في سبتمبر/أيلول 2026، لا بد من وضعه ضمن المسار التراكمي للسياسة النقدية خلال السنوات السابقة. فبعد دورة تشديد لمواجهة موجة التضخم، بلغ النطاق المستهدف لسعر الفائدة 5.25% إلى 5.50% في يوليو/تموز 2023، وظل عند هذا المستوى حتى سبتمبر/أيلول 2024، عندما بدأ البنك خفض الفائدة بمقدار 50 نقطة أساس. وتوالت التخفيضات في نوفمبر/تشرين الثاني وديسمبر/كانون الأول من العام نفسه، ثم استؤنفت في سبتمبر/أيلول 2025، قبل خفضين إضافيين في أكتوبر/تشرين الأول وديسمبر/كانون الأول. وبذلك وصل النطاق المستهدف إلى 3.50%–3.75% في نهاية 2025، واستقر خلال قرارات النصف الأول من 2026 وحتى يوليو/تموز، ثم رفعه البنك في 16 سبتمبر/أيلول إلى 3.75%–4%.
يُظهر سجل اجتماعات وقرارات لجنة السوق المفتوحة الفدرالية أن زيادة سبتمبر جاءت بعد مرحلة من التيسير النقدي، وكانت أول رفع للفائدة منذ يوليو/تموز 2023. لا يعكس هذا المسار انتقالا آليا بين الرفع والخفض، بل محاولة لإعادة ضبط تكلفة الأموال استجابة لتغير التضخم والنمو والتوظيف. كما أن خفض الفائدة لا يعني بالضرورة انتهاء التشدد النقدي؛ فتقييم مستوى الفائدة يتوقف على التضخم السائد وتوقعاته ومدى تقييد الأوضاع المالية للنشاط الاقتصادي. وتساعد مرونة السياسة النقدية البنك على تغيير اتجاهه مع تبدل الأخطار، لكن هذا لا يثبت أن قرارات الفائدة هي وحدها التي صنعت صمود الاقتصاد. فالأثر يعتمد أيضا على استجابة الأسر والشركات، وعلى قوة الاستثمار والإنتاجية، فضلا عن عوامل العرض والطلب التي لا يتحكم فيها البنك مباشرة.
تقييم مستوى الفائدة يتوقف على التضخم السائد وتوقعاته ومدى تقييد الأوضاع المالية للنشاط الاقتصادي (رويترز)
في بيان قراره الصادر في سبتمبر/أيلول 2026، قال الاحتياطي الفدرالي إن النشاط الاقتصادي يتوسع بوتيرة متينة، وإن الإنفاق المحلي ظل صامدا، وإن نمو الإنتاجية قوي، والاستثمار الرأسمالي متين. في المقابل، أشار إلى أن التضخم ما زال مرتفعا، بينما واكبت مكاسب الوظائف نمو القوة العاملة ولم يتغير معدل البطالة كثيرا. وتوضح هذه الصورة كيف يمكن للاقتصاد أن يواصل النشاط رغم الضغوط: فالإنفاق والاستثمار يدعمان الطلب، في حين تساعد زيادة الإنتاجية على تعزيز القدرة على إنتاج السلع والخدمات. لكن وجود هذه المؤشرات لا يعني أن الاقتصاد محصن من التباطؤ، ولا يثبت أن السياسة النقدية وحدها مسؤولة عنها. يتمثل دور الفدرالي في التأثير في البيئة المالية التي تعمل ضمنها الأسر والشركات. فهو يسعى إلى منع التضخم من أن يصبح مستمرا، وإدارة الطلب بما يتناسب مع قدرة الاقتصاد الإنتاجية، مع تجنب تشديد مفرط يضعف الاستثمار والتوظيف. ومن هنا تأتي صلته بالصمود: إنه يساعد على إدارة الاختلالات الاقتصادية، لكنه لا يستطيع أن يحل محل مصادر القوة الإنتاجية نفسها.
في 16 سبتمبر/أيلول 2026، قررت لجنة السوق المفتوحة الفدرالية رفع النطاق المستهدف لسعر الفائدة بربع نقطة مئوية، إلى 3.75%–4%، وقالت إن الإجراء يدعم العودة في الوقت المناسب إلى هدف التضخم البالغ 2%. وجاء القرار بعدما أظهرت بيانات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي أن مؤشر أسعار المستهلكين ارتفع بنسبة 0.6% على أساس شهري في سبتمبر، بينما بلغ التضخم السنوي 3.7%، مقارنة بـ3.4% في أغسطس/آب. وكانت الطاقة من أبرز مصادر الضغوط؛ إذ ارتفع مؤشرها بـ5.2% خلال الشهر، وصعد مؤشر أسعار البنزين بـ9.1%، مساهما بأكثر من نصف الزيادة الشهرية في المؤشر العام، كما ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين باستثناء الغذاء والطاقة بنسبة 2.6% على أساس سنوي. وتعني هذه الأرقام أن التضخم لا يزال أعلى من الهدف الذي حدده الفدرالي.
غير أن تفسير قرار البنك يتطلب التمييز بين مؤشر أسعار المستهلكين ومؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي؛ فلكل منهما منهجية وأوزان مختلفة، ويستخدم الفدرالي المؤشر الثاني مقياسا أساسيا لتقييم هدفه للتضخم. لذلك لا ينبغي التعامل مع النسب المسجلة في المؤشرين بوصفها مقياسا واحدا، حتى عندما تتطابق قيمهما. وتزداد صعوبة الموازنة عندما يرتفع التضخم بسبب أسعار الطاقة. فرفع الفائدة لا يزيد المعروض من النفط أو الوقود، لكنه قد يحد من انتقال الزيادة إلى الطلب والأسعار الأخرى. ومن ثم، فإن نجاح السياسة النقدية لا يتوقف على قدرتها على إلغاء صدمة الطاقة، بل على منعها من التحول إلى موجة تضخم أوسع وأكثر استمرارا.
الطاقة ارتفع مؤشرها بـ5.2% خلال شهر سبتمبر (الفرنسية)
في المقابل، أضاف الاقتصاد الأمريكي 29 ألف وظيفة غير زراعية في سبتمبر/أيلول 2026، بينما استقر معدل البطالة عند 4.2%، بحسب بيانات مكتب إحصاءات العمل. وقال المكتب إن التوظيف ومعدل البطالة شهدا تغيرا محدودا خلال الشهر، وإن التوظيف في القطاعات الرئيسية لم يسجل تغيرات كبيرة. وتشير الزيادة المحدودة في الوظائف إلى أن مكاسب التوظيف الشهرية كانت ضعيفة، لكنها لا تكفي بمفردها للحكم على اتجاه سوق العمل بأكمله. فالتقييم يتطلب متابعة البيانات عبر عدة أشهر، إلى جانب الأجور وساعات العمل ومشاركة السكان في القوة العاملة ومراجعات التقديرات السابقة. وهنا تظهر معضلة الفدرالي: فالإبقاء على فائدة مرتفعة قد يساعد على تهدئة التضخم، لكنه قد يحد أيضا من الاقتراض والاستثمار وتوسع الشركات. أما خفضها لدعم النشاط والتوظيف، فقد يحمل أخطارا إذا ظلت الأسعار ترتفع بوتيرة أعلى من المستهدف. ولا توجد أداة تضمن بلوغ الهدفين كليهما في الوقت نفسه؛ لذلك يحاول البنك تحديد مستوى التشديد الذي يحد من التضخم من دون إحداث تباطؤ أكبر مما تتطلبه الظروف الاقتصادية.
تعد أسعار الفائدة الأداة الأبرز التي يستخدمها الاحتياطي الفدرالي للتأثير في الأوضاع المالية. فعندما يرفع البنك النطاق المستهدف لسعر الفائدة على الأموال الفدرالية، ترتفع عادة تكلفة التمويل القصير الأجل، وتنتقل التأثيرات تدريجيا إلى القروض التجارية والاستهلاكية وبطاقات الائتمان والتمويل العقاري. وتجعل زيادة تكلفة الاقتراض بعض المشتريات والاستثمارات أقل جاذبية، بما يخفف الطلب ويساعد على تهدئة الأسعار. لكنها قد تدفع الشركات أيضا إلى تأجيل التوسع أو تقليص خطط التوظيف، وتزيد أعباء الأسر التي تحتاج إلى الاقتراض لشراء منازل أو سيارات أو تمويل نفقاتها. أما خفض الفائدة، فيمكن أن يقلل تكلفة التمويل ويشجع الاستهلاك والاستثمار، لكنه لا يضمن وحده ارتفاع الإنتاج أو التوظيف؛ إذ تتوقف استجابة الشركات والأسر على توقعاتها بشأن الدخل والطلب ومستقبل الاقتصاد. ولا يقتصر التأثير على سعر الفائدة، فعمليات السوق المفتوحة وإدارة ميزانية البنك والتواصل بشأن التوجهات المستقبلية تؤثر أيضا في السيولة وعوائد السندات وتوقعات الأسواق. وتنتقل آثار هذه الأدوات إلى قرارات التمويل والاستثمار، وإن اختلف حجمها وسرعتها من قطاع إلى آخر. ويساعد هذا التأثير الواسع على تفسير أهمية البنك في إدارة التقلبات الاقتصادية، لكنه يوضح أيضا أن أثر قراراته ليس فوريا أو متساويا على الجميع؛ فقد تستغرق السياسة النقدية وقتا قبل أن تظهر آثارها الكاملة، وقد تتغير النتائج بحسب الظروف التي تعمل فيها.
رفع الفائدة ينتقل تأثيره إلى القروض التجارية والاستهلاكية وبطاقات الائتمان والتمويل العقاري (أسوشيتد برس)
تظهر حدود السياسة النقدية عندما تنشأ الضغوط من جانب العرض لا من زيادة الطلب وحدها. فرفع الفائدة يمكن أن يهدئ الإنفاق، لكنه لا ينتج النفط ولا يعالج نقص المعروض أو تعطل سلاسل الإمداد، كما لا يستطيع بمفرده زيادة إنتاجية العاملين أو توفير مساكن إضافية. وتبرز هذه الحدود عند ارتفاع أسعار الطاقة بسبب اضطرابات جيوسياسية أو قيود على الإمدادات. فزيادة أسعار الوقود ترفع تكاليف النقل والإنتاج وتضغط على ميزانيات الأسر، بينما لا يستطيع الاحتياطي الفدرالي إزالة السبب الأصلي للزيادة. وما يمكنه فعله هو محاولة الحد من انتقال الصدمة إلى أسعار السلع والخدمات الأخرى ومنع ترسخ توقعات تضخمية أعلى. كما أن تأثير أسعار الفائدة ليس متساويا بين الأمريكيين. فقد يواجه المقترضون الجدد وأصحاب القروض ذات الفائدة المتغيرة تكاليف أعلى، بينما قد يستفيد بعض المدخرين من عوائد أكبر على الودائع. وتتأثر الشركات الصغيرة التي تعتمد على التمويل المصرفي بطريقة تختلف عن الشركات الكبرى القادرة على الوصول إلى أسواق السندات أو استخدام احتياطياتها النقدية. وتبرز هنا المفاضلة الأساسية: قد يساعد التشدد النقدي على خفض التضخم، لكنه يزيد تكلفة تمويل بعض المشروعات السكنية والإنتاجية؛ أما التيسير فقد يدعم الاستثمار والطلب، لكنه قد يعيد تنشيط الضغوط السعرية إذا تجاوز الطلب قدرة الاقتصاد على الاستجابة. لذلك لا يمكن قياس أثر السياسة النقدية من خلال التضخم وحده، بل ينبغي النظر أيضا إلى التوظيف والاستثمار واستقرار النظام المالي، مع إدراك أن بعض أسباب الضعف يتطلب استجابات تتجاوز أدوات البنك المركزي.
يتمتع الاحتياطي الفدرالي باستقلالية تشغيلية في تنفيذ السياسة النقدية، مع خضوعه للمساءلة أمام الكونغرس ونشره بيانات قراراته وتوقعاته ومحاضر اجتماعاته. وتكتسب هذه الاستقلالية أهمية لأن قرارات الفائدة قد تكون مكلفة على المدى القصير، خصوصا عندما ترفع تكلفة الاقتراض أو تبطئ التوظيف. وتؤثر مصداقية البنك في توقعات الأسر والشركات بشأن الأسعار المستقبلية؛ فإذا اعتقدت الأسواق أن الفدرالي ملتزم بإعادة التضخم إلى هدفه، فقد يساعد ذلك على الحد من ترسخ توقعات تضخمية مرتفعة. أما الشكوك بشأن اتساق قراراته أو قدرته على تحقيق هدفه، فقد تؤثر في عوائد السندات وتوقعات الأسواق وقيمة الدولار. لكن الاستقلالية والمصداقية لا تلغيان التحديات الاقتصادية، فالبنك يحتاج إلى تقييم تطور المؤشرات بانتظام، كما أن قراراته لا تضمن بمفردها استمرار الاستثمار أو نمو الإنتاجية أو تجنب صدمات خارجية جديدة.
الاحتياطي الفدرالي يسهم في صمود الاقتصاد الأمريكي عبر التأثير في الطلب والتضخم وتوقعات الأسواق (رويترز)
تقدم التوقعات الاقتصادية الصادرة عن لجنة السوق المفتوحة في سبتمبر/أيلول 2026 صورة عن تقييم المسؤولين لمسار الاقتصاد، لكنها تظل تقديرات مشروطة بالمعلومات المتاحة وقت إعدادها وليست نتائج نهائية. فقد بلغ متوسط توقعات المشاركين لنمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 2.3% خلال 2026، ولمعدل البطالة 4.1% في الربع الأخير من العام، بينما بلغ توقع التضخم وفق مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي 3.7%. وهذه الأرقام هي وسيط التوقعات الفردية للمشاركين، وليست ضمانا بتحقق تلك المعدلات. وتعني هذه التقديرات أن المسؤولين يتوقعون استمرار النمو، مع بقاء التضخم أعلى من الهدف البالغ 2% خلال العام. وهي صورة تلخص المعضلة: النشاط الاقتصادي مستمر، لكن عودة الأسعار إلى المسار المستهدف لم تكتمل بعد. ولا تثبت التوقعات أن الاقتصاد محصن من التباطؤ، كما لا تعني أن رفع الفائدة سيؤدي حتما إلى الركود، فالنتيجة ستتوقف على تطور الأسعار والطاقة والإنفاق والاستثمار والإنتاجية، وعلى كيفية انتقال أثر القرارات النقدية إلى الاقتصاد خلال الأشهر التالية.
يسهم الاحتياطي الفدرالي في صمود الاقتصاد الأمريكي عبر إدارة شروط التمويل والتأثير في الطلب والتضخم وتوقعات الأسواق. وتمنحه قدرته على تعديل أسعار الفائدة وأدواته الأخرى وسيلة للاستجابة لتغير الأخطار، لكن هذه القدرة لا تغني عن مصادر القوة الاقتصادية، مثل الاستثمار والإنتاجية والإنفاق الخاص والقدرة الإنتاجية. ويكشف الانتقال من ذروة الفائدة في 2023 إلى التخفيضات في 2024 و2025، ثم رفعها مجددا في سبتمبر/أيلول 2026، أن السياسة النقدية عملية مستمرة لإعادة التوازن وليست مسارا مضمونا نحو نمو مستقر. كما أن الحاجة إلى تغيير الاتجاه توضح صعوبة خفض التضخم من دون التأثير في الطلب والوظائف. ومن ثم، فإن صمود الاقتصاد الأمريكي لا يعتمد على قوة الاحتياطي الفدرالي وحدها، بل على تفاعل السياسة النقدية مع متانة الاقتصاد الحقيقي وقدرته على زيادة الإنتاجية والاستثمار ومواجهة صدمات العرض. فالبنك المركزي يستطيع أن يساعد في إدارة الاختلالات، لكنه لا يستطيع إلغاء نقاط الضعف أو ضمان استمرار النمو؛ وتبقى فعالية دوره مرتبطة بقدرته على احتواء التضخم من دون إضعاف النشاط والتوظيف أكثر مما يلزم.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد