قطر
تكنولوجيا

مسلسل "في القاع": رعب بيئي يقلب مفاهيم الوحشية البحرية

الجزيرة٣١ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٧:٣٦ م0 مشاهدة
مسلسل "في القاع": رعب بيئي يقلب مفاهيم الوحشية البحرية

تنويه

هذا الخبر بعنوان ""في القاع".. وحش البحر بقناع الضحية في دراما الرعب البيئي" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣١ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في قرية صيد صغيرة بـ"نيوفاوندلاند"، تتكشف أحداث غامضة تهدد السكان، حيث يكافح صياد لحماية أسرته ومجتمعه من خطر مجهول المصدر. هذا هو المشهد الافتتاحي لمسلسل "في القاع" (Below)، وهو عمل محدود الإنتاج من نتفليكس يمزج بين الرعب البحري والدراما العائلية، واضعاً مصير قرية بأكملها في مواجهة ما تخفيه أعماق البحر. المسلسل، الذي أنشأه جيسي ماكيون، يتألف من ست حلقات عُرضت في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2026.

تدور أحداث المسلسل حول كالفن بيني (جوش هارتنت)، صياد أرمل وأب لثلاثة أبناء، لا يزال شبح موت والده الغامض يطارده منذ طفولته. يثقل كاهله الشعور بالذنب، بينما يناضل للحفاظ على حياته في قرية تتضاءل فيها فرص العمل والصيد. مع عودة أفراد عائلته إلى البلدة في لقاء طال انتظاره، تبدأ هجمات غامضة في البحر، بالتزامن مع تصويت يحدد مصير السكان وقبولهم عرضاً مالياً مغرياً لمغادرة أراضيهم. ومع تزايد الوفيات، يستعين كالفن بـ فوندا (ماكنزي ديفيس)، باحثة بحرية قادمة من خارج الجزيرة، لمحاولة فهم ما يجري. في غضون ذلك، يمر ابنه وايد (تشارلي هيتون) بظروف استثنائية مرتبطة بكائن بحري عملاق، مما يزيد الأزمة تعقيداً، وتتداخل مواجهة الخطر مع صراع السكان للحفاظ على موطنهم.

إيقاع متصاعد وقوة الإيحاء

يُحسب للمسلسل اختياره ست حلقات فقط لسرد الحكاية، مما يمنحه تركيزاً واضحاً ويحد من التفرعات التي قد تبطئ الأحداث. يتصاعد الإيقاع تدريجياً حتى يبلغ ذروته في مشهد الهجوم على بعض الشخصيات داخل مساحة ضيقة لا تتيح مجالاً للهروب، حيث تصبح محدودية الحركة وصعوبة رؤية مصدر الخطر أساس التوتر. ومن أكثر الخطوط الدرامية إثارة حكاية صديق كالفن في بلدته القديمة، حيث تنكشف ممارسات مرتبطة بتقديم القرابين والضحايا للحبار. يوسع هذا المسار طبيعة التهديد، إذ يكشف عن علاقة أكثر تعقيداً بين البشر والمخلوق البحري، تتجاوز الخوف من هجماته إلى محاولة استرضائه. لكن المسلسل لا يمنحه الوقت الكافي للتطور، رغم ما يحمله من إمكانات كان يمكن أن تضيف عمقاً إلى عالمه.

يعزز المسلسل التشويق بتأجيل الكشف الكامل عن الكائن الغامض، مكتفياً بعرض آثاره وأصواته وردود فعل الشخصيات تجاهه. كما يزرع إشارات مبكرة إلى اختلاف علاقته بالبطل عن علاقته ببقية الشخصيات؛ فعلى الرغم من هجماته، لا يؤذي كالفن في المواجهات التي تجمعهما، ما يمهد للتحول اللاحق في فهم سلوكه ودوافعه. لكن الإيقاع يتراجع قليلاً في الحلقة الأخيرة، مع انتقال الحكاية من محاولة النجاة إلى كشف دلالات ما حدث. ورغم أهمية هذا التحول لاكتمال المسار الدرامي، فإنه يجعل الختام أقل توتراً من الذروة التي سبقته.

هارتنت في صدارة الأداء

يقوم الأداء الأساسي على جوش هارتنت وتشارلي هيتون. يمنح هارتنت شخصية كالفن صلابة رجل اعتاد البحر والعمل الشاق، مع هشاشة أب يعيش خوفاً مستمراً على أسرته، بينما يقدم هيتون دور وايد بقلق يناسب شاباً يجد نفسه أمام خطر لا يفهم طبيعته بالكامل، ويبدو الاثنان الأكثر انسجاماً مع طبيعة الشخصيات والأحداث. أما ماكنزي ديفيس فتبدو مجتهدة، وإن لم تصل إلى المستوى نفسه، خصوصاً في مشاهد الهلع، حيث بدا انفعالها أحياناً أقل قوة من الأحداث المحيطة بها. ويظهر الضعف بصورة أكبر في الشخصيات الثانوية، التي بقي معظمها سطحياً، رغم أن مجتمع الصيد الصغير كان يمكن أن يمنح العمل شخصيات أكثر تميزاً، ويجعل الخطر مؤثراً في البلدة كلها، لا في الأسرة الرئيسية فقط.

البحر والعائلة: بين الرعب والمعنى

يمنح الخط العائلي المسلسل ثقله العاطفي، فخطر البحر لا يهدد الشخصيات بوصفها أفراداً يحاولون النجاة فقط، بل يضع علاقاتهم وذكرياتهم القديمة تحت الاختبار. ويصبح جرح كالفن المرتبط بوالده جزءاً من فهم خوفه الحالي على أسرته، ما يمنع العمل من التحول إلى مجرد مطاردة طويلة بين البشر ومخلوق غامض. وتساعد طبيعة نيوفاوندلاند في بناء عالم المسلسل أكثر مما تفعل المؤثرات وحدها. فالبحر والضباب والقرية المعزولة ومهنة الصيد تمنح المكان شخصية واضحة، وتدعم فكرة أن الشخصيات تعيش في بيئة لا يمكن فصل حياتها عنها. وتخدم الصورة والصوت هذا الإحساس من خلال الاعتماد على الإيحاء بدلاً من الاستعراض؛ فالحبار لا يحتاج إلى الظهور باستمرار حتى يفرض وجوده، كما تحتفظ البيئة البحرية بغموض يجعل الخطر ممتداً خارج حدود ما تراه الكاميرا.

من وحش إلى ضحية

تتضح دلالة المسلسل الأوسع في نهايته، حين ينكشف أن الحبار العملاق لم يكن يهاجم البلدة بدافع العدوان، بل كان يحاول حماية البيض الذي يضم صغاره في بيئة تتغير بسبب ارتفاع حرارة المياه. عندها تتبدل صورته؛ فما بدا وحشاً يجب القضاء عليه يصبح مخلوقاً يحاول حماية نسله في مكان لم يعد آمناً له. ويدرك كالفن أن الخوف على الأسرة لا يخص البشر وحدهم، فيتحول هذا الإدراك إلى دافع لإنقاذ الحبار بدلاً من قتله. لكن الإنقاذ لا يعني انتصاراً كاملاً، إذ تظل فرصة الصغار في النجاة مهددة بسبب التغير البيئي المرتبط بالنشاط البشري. وهكذا يتجاوز الصراع حدود القرية، ليكشف عن تهديد أوسع تتحمل الأنشطة البشرية جانباً من مسؤوليته.

من "الفك المفترس" إلى "في القاع"

يضع المسلسل نفسه في مواجهة تقليد سينمائي جعل الكائنات البحرية عدواً ينبغي التغلب عليه، كما في فيلم "الفك المفترس" لستيفن سبيلبرغ، حيث كان القرش خصماً واضحاً، وكان القضاء عليه جزءاً أساسياً من إغلاق الحكاية. أما "في القاع"، فينطلق من الفكرة نفسها ثم يقلبها؛ فبدلاً من تقديم الحبار باعتباره عدواً يجب القضاء عليه، يدفع المشاهد إلى إعادة النظر في أسباب سلوكه. ومن زاوية مختلفة، يلتقي المسلسل مع فيلم "مخلوقات مشرقة بشكل مبهر" في تقديم كائن بحري ضخم خارج صورة الوحش التقليدية. لكن بينما يصل الفيلم إلى التعاطف عبر علاقة دافئة، يختار المسلسل الرعب وسيلة لتحقيق الأثر نفسه.

نهاية مغلقة وأثر مفتوح

يصل المسلسل إلى خاتمة قصته الأساسية من دون الحاجة إلى موسم طويل، بينما تترك اللقطة الأخيرة المجال أمام قراءة أوسع لما كشفته الحكاية. وقد انعكس هذا التركيز على استقبال العمل أيضاً، إذ حقق نحو 17 مليون مشاهدة في أسبوعه الأول، ثم ارتفع العدد إلى 21.2 مليون مشاهدة في الأسبوع الثاني، محتفظاً بالمركز الأول. لكن ما يبقى بعد المشاهدة ليس أرقام المشاهدات، بل التحول في صورة الوحش ومسؤولية الإنسان عن البيئة التي يتقاسمها مع الكائنات الأخرى. ولهذا لا يحتاج العمل إلى موسم ثان لمواصلة القصة نفسها، وإن كان من الممكن أن يعود في صيغة أنطولوجيا تقدم في كل موسم كائناً وبيئة وشخصيات جديدة، مع الحفاظ على فكرته الأساسية: ما يبدو تهديداً قد يكون نتيجة لخلل أوسع أسهم الإنسان في صنعه.

شارك الخبر: