الحقيقة في مواجهة السلطة: صراع ترمب مع أجهزة الاستخبارات الأمريكية


هذا الخبر بعنوان "مخاصمة الحقيقة: صدام ترمب مع الاستخبارات الأمريكية" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣١ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بدأت العلاقة المتوترة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وأجهزة الاستخبارات الأمريكية في بداية فترته الرئاسية، حيث رفض ترمب تلقي الإحاطة الاستخبارية اليومية في مارس/آذار 2017. بعد شهرين فقط من دخوله البيت الأبيض، شهد الكونغرس واقعة غير مألوفة تمثلت في جلسة استماع لمدير مكتب التحقيقات الفيدرالي جيمس كومي ومدير وكالة الأمن القومي الأدميرال مايك روجرز أمام لجنة الاستخبارات بمجلس النواب. جاءت هذه الجلسة للرد على اتهام أطلقه الرئيس بأن إدارة سلفه باراك أوباما تنصَّتت على اتصالاته خلال الحملة الانتخابية. خلال الجلسة، نفى مسؤولان استخباراتيان بارزان رواية الرئيس علناً، مما شكل نقطة انطلاق لتحليل الجنرال مايكل هايدن في كتابه "الهجوم على الاستخبارات: الأمن القومي الأمريكي في عصر الأكاذيب" (2018). يحذر هايدن، الذي قضى حياته المهنية في تمييز الحقيقة من التضليل، من أن الأعراف التي تحمي نمط الحكم الأمريكي أصبحت عرضة لضغط متزايد.
ينتمي هايدن إلى جيل تشكل وعيه خلال الحرب الباردة، وصعد في مؤسسات استخبارية بنت شرعيتها على القدرة على الوصول إلى أفضل تقدير للواقع. خدم قرابة أربعة عقود في القوات المسلحة، وقاد وكالة الأمن القومي (1999-2005)، ثم أصبح أول نائب لمدير الاستخبارات الوطنية، وتولى إدارة وكالة الاستخبارات المركزية (2006-2009). يقدم كتابه شهادة رجل قضى حياته داخل المؤسستين العسكرية والأمنية الأمريكيتين.
يستند هايدن في تفسير أزمة تعامل ترمب مع المعلومات إلى مفهوم "ما بعد الحقيقة"، الذي يصف الظروف التي تتراجع فيها الحقائق الموضوعية أمام المشاعر والمعتقدات الشخصية. ويربط ذلك بتراجع ميراث عصر التنوير، مع الإقرار بالحاجة إلى دراسة الواقع قبل إصدار الأحكام. يربط هايدن بين أزمة الحقيقة وأزمة الاستخبارات، فمهنة الاستخبارات تقوم على جمع المعلومات وتقييمها وتحليلها وتقديم الاستنتاجات لصانع القرار. رجل الاستخبارات، كالعالم والصحفي والباحث، يعتمد على وجود حقيقة موضوعية يمكن الاقتراب منها عبر الأدلة.
يشير هايدن إلى أن العولمة والثورة التكنولوجية والحروب الطويلة والأزمة المالية أدت إلى إنهاك الثقة في المؤسسات والنخب الأمريكية. ويعترف بأن رجال الاستخبارات والخارجية كانوا من المستفيدين من تلك الحقبة، حيث اكتسبوا خبرات دولية. في المقابل، كانت مدن صناعية أمريكية تفقد المصانع والوظائف. غادر هايدن واشنطن للقاء مؤيدي ترمب في بيتسبرغ، ليكشف له اللقاء مقدار التباعد بينهم. شعر هؤلاء بأنهم تُركوا خارج العالم الذي ازدهرت فيه النخب الأمريكية. وعندما سألهم عن شعار "أمريكا أولا"، كانت الإجابة أن هناك من يهتم لأمرهم، وأن ترمب كان مرشحهم المفضل لأنه أمريكي وصادق وأصيل.
جرَّب هايدن معهم أساليب التدقيق، فسألهم إن كانوا يصدقون أن أوباما تنصَّت على برج ترمب، فوافق معظمهم. وعندما شرح لهم أن وكالة الأمن القومي ومكتب التحقيقات الفيدرالي نفيا ذلك، جاء الجواب بأن أوباما كان ضد البلاد. وعند عرض تقييمات أجهزة الاستخبارات بشأن التدخل الروسي في الانتخابات، اعترض أحد أصدقاء طفولته على توصيف "الثقة العالية"، معتبراً أنه يحمل شكاً. أدرك هايدن أن لكل مجموعة طريقها الخاص لتحديد ما تقبله كحقيقة.
تشرح المسافة بين واشنطن وبيتسبرغ العوامل التي صنعت التغيير في 2016، ومهدت لعودة ترمب في 2024. وجدت الشعبوية بيئة مواتية لدى فئات شعرت بالتهميش. يفسر هايدن أزمة تعامل ترمب مع المعلومات بمفهوم "ما بعد الحقيقة".
يختلف صناع القرار عن رجال الاستخبارات، فالأخير يميل إلى التشاؤم بحكم عمله، بينما يحتاج السياسي إلى قدر من التفاؤل. العلاقة مع أي رئيس جديد تحتاج إلى بناء، فعلى رجال الاستخبارات معرفة طريقة تفكير الرئيس وكيف يتلقى المعلومات، مع الاحتفاظ بالمسافة لتقديم تقديرهم. يلخص هايدن وظيفة الاستخبارات بأن الرئيس يحتاج إلى مراقبين دقيقين ومحايدين، لا إلى مؤيدين متحمسين.
جاء ترمب من خارج عالم الأمن القومي، وكان قليل الصبر على العروض المكتوبة والشفهية، مع ثقة كبيرة في تصوره الشخصي. رفض تلقي الإحاطة الاستخبارية اليومية، معتبراً أنه ذكي بما يكفي. رأى هايدن في ذلك سوء فهم لطبيعة الإحاطة، التي تتضمن معلومات جديدة وتقديرات وتحذيرات. كانت الجلسات الأولى تطول، وكان ترمب يغرد أحياناً خلالها. لاحظ مقدمو الإحاطات عادة كلامية متكررة لدى الرئيس، مثل "يخبرني الناس"، مما يجعل التصريح الذي يليها يبدو مستنداً إلى مصدر. وجد هايدن في ذلك مشكلة لم يألفها مجتمع الاستخبارات، وهي التعامل مع رئيس لا يمنح الحقيقة الموضوعية المكانة التي تقوم عليها المهنة الاستخبارية. يمنح ترمب العلاقات الشخصية والولاء وزناً كبيراً، ويُقيِّم الاستنتاج بالنظر إلى علاقته بالشخص الذي يقدمه.
في الوقت الذي كان على مجتمع الاستخبارات أن يبني فيه الثقة مع رئيس جديد، حمل إليه ملف التدخل الروسي في الانتخابات. وهكذا تداخلت أزمة الثقة مع أزمة الحقيقة منذ البداية. يقسم جون ماكلولين، نائب مدير وكالة الاستخبارات المركزية السابق، علاقة ترمب بمجتمع الاستخبارات إلى مراحل: بدأت بجهل المرشح والرئيس المنتخب بطبيعة المجتمع الاستخباري، ثم انتقلت إلى العداء مع تصدر قضية التدخل الروسي للمشهد، قبل أن يكتشف الرئيس حاجته إلى الأجهزة التي هاجمها.
ظهرت معضلة في مستوى آخر: محلل الاستخبارات مُطالَب بفهم عقلية الرئيس دون أن يجعلها نقطة البداية في التحليل. معرفة تفضيلات صانع القرار تساعد في تحديد ما يحتاج إليه وطريقة عرض المادة عليه، لكن اتخاذ تلك التفضيلات معياراً لاختيار النتائج يفتح الباب أمام الرقابة الذاتية، ما قد يدفع المحلل إلى تغيير صياغة الاستنتاج عندما يعرف مُسبقاً أنه سيصطدم بتوجه سياسي للإدارة. وهكذا يمكن أن يتسلل التسييس إلى العمل الاستخباري دون طلب رسمي.
يوضح هايدن أن الرئيس غير مُلزَم بقبول التقدير الاستخباري، وأن تاريخ الولايات المتحدة حافل بخلافات بين الرؤساء وأجهزتهم. يستطيع صانع القرار الاعتراض وطلب معلومات إضافية. أما رفض التقدير بسبب ما يترتب عليه سياسياً، فيجعل النتيجة المرغوبة حاضرة قبل فحص المعلومات. حاول جيمس كلابر، مدير الاستخبارات الوطنية في نهاية عهد أوباما، التواصل مع الرئيس المنتخب بعدما شبَّه ترمب تعامل أجهزة الاستخبارات بممارسات ألمانيا النازية. لكن محاولة ترميم العلاقة لم تستمر طويلاً. في اليوم التالي لتنصيبه، توجَّه ترمب إلى مقر وكالة الاستخبارات المركزية، في زيارة وصفها هايدن بأنها "أسوأ زيارة رئاسية لوكالة استخبارات في تاريخ الجمهورية الأمريكية"، بسبب تطرق ترمب لخلافه مع وسائل الإعلام حول حجم الحشد في حفل التنصيب وعدد مرات ظهوره على أغلفة مجلة تايم (Time).
امتلك ترمب قدرة على التواصل الآني مع الجمهور عبر "تويتر"، بينما كانت أجهزة الدولة تحتاج إلى جمع المعلومات ومراجعتها. تُشكِّل تغريدات ترمب مادة استخبارية متاحة للخصوم والحلفاء. علَّقت ندى باكوس، المُحللة السابقة في وكالة الاستخبارات المركزية، بأنها لم تمتلك مصدراً بهذا الثراء من المعلومات الأولية عن قائد عالمي. أتاحت تغريدات الرئيس الاطلاع بصورة فورية على اهتماماته وخصائص شخصيته وطريقة تفكيره. اتهم ترمب أوباما بالتنصُّت على برج ترمب في مارس/آذار 2017، مما اضطر المؤسسات الأمنية إلى التعامل مع كلامه ونفيه علناً. ثم امتدت المشكلة إلى صناعة السياسة، بإصدار أمر تنفيذي يُقيِّد دخول مواطني عدد من الدول ذات الأغلبية المسلمة، وسط ارتباك في التخطيط والتنفيذ. لم يصدر القرار عن توصيات خبراء الاستخبارات، بل دفع إليه سياسيون وأيديولوجيون مُقرَّبون من الرئيس.
عزَّزت هذه البيئة الخلاف حول الجهات التي يمكن الوثوق بها في تحديد الوقائع. فالرئيس يعلن مواقفه على الجمهور، والمؤسسات الحكومية تقدم تقديرات قد تخالفها، ووسائل الإعلام تتحقق من تصريحات الطرفين، فيما يتهم كل طرف الآخر بتزييف الواقع. أصبحت الثقة بالمعلومة مرتبطة لدى قطاعات من الجمهور بالجهة التي تصدر عنها، لا بالأدلة التي تستند إليها.
حمل ترمب إلى البيت الأبيض تصورات كرَّرها طوال حملته الانتخابية: الهجرة غير المنضبطة تُهدد الولايات المتحدة، والحلفاء يحصلون على الحماية دون ثمن، والاتفاقيات التجارية تستنزف الاقتصاد، والتدخلات العسكرية الطويلة تُبدد القوة الأمريكية. كانت عبارة "أمريكا أولا" الإطار الذي جمع هذه التصورات، ومن خلالها راجعت الإدارة الجديدة عدداً من المُسَلَّمات التي استقرت داخل مؤسسة الأمن القومي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
قرأ هايدن خطاب ترمب بوصفه تعبيراً عن نزعة ترى العالم مكاناً خطراً، وتطالب باستخدام القوة بعنف عند الضرورة، مع النفور من الالتزامات الطويلة ومشروعات إعادة بناء الدول. أثار ذلك قلق ضباط الاستخبارات الذين تشكَّلت خبرتهم داخل شبكة التحالفات الأمريكية. رأوا في القواعد المنتشرة خارج البلاد والتحالفات أدوات تعزز قدرة واشنطن على الحركة عالمياً.
بعد أسبوع من توليه السلطة، أصدر ترمب أمراً تنفيذياً يمنع دخول مواطني سبع دول ذات أغلبية مسلمة، وعلق برنامج استقبال اللاجئين. أُعِد القرار داخل دائرة ضيقة، ثم أُرسِل إلى المؤسسات المُكلَّفة بتنفيذه، فحدثت فوضى في المطارات. دخل هايدن مع مجموعة من كبار مسؤولي الاستخبارات والأمن القومي السابقين في مواجهة علنية مع القرار، فشارك في إفادة مشتركة قُدِّمَت إلى المحكمة في سياق الطعن القضائي عليه. اعترض هؤلاء على غياب تقييم للتهديد يبرر الإجراء، ورأوا أن القرار انطلق من مواقف تشكَّلت خلال الحملة الانتخابية دون الاستناد إلى تقدير استخباري.
بالنسبة لهايدن، قدم الحظر مثالاً على انتقال "ما بعد الحقيقة" من الخطاب الانتخابي إلى عملية صنع القرار. كان لدى العاملين في الاستخبارات اعتراض يرتبط بطبيعة عملهم في الميدان، إذ إن سِت دول من السبع التي شملها الحظر كانت تعاني من الاضطراب والتفكك، مما يرفع أهمية المصادر البشرية في جمع المعلومات. خشي المسؤولون من أن يؤدي القرار إلى خرق الثقة مع المصادر التي خاطر بعضها بالكثير لمساعدة الولايات المتحدة.
يستعيد هايدن تجربته مديراً لوكالة الاستخبارات المركزية، حين كان يذكر ضباط العمليات بأن الضابط الذي يُجنِّد مصدراً قد يصبح الوجه الوحيد لأمريكا الذي يعرفه ذلك الشخص، وأن عملية التجنيد ترتب مسؤولية أخلاقية مستمرة. طرح الحظر مشكلة عملية أمام الضباط الذين سبق أن قدموا وعوداً بالحماية لمصادرهم. لخص أحد الرؤساء السابقين لمحطات وكالة الاستخبارات المعضلة بسؤال عن الكيفية التي يستطيع بها الضابط أن ينظر إلى مصدر أو شريك ويعده بأن الولايات المتحدة ستتكفل بأمره.
يضيف رئيس المحطة السابق بُعداً آخر يتعلق بالبيئة التي تعمل فيها الاستخبارات الأمريكية في الشرق الأوسط، حيث تلعب مفاهيم الشرف والكرامة والمكانة الاجتماعية دوراً كبيراً في بناء العلاقات. وكان أحد المداخل التي يستخدمها الضابط مع المصدر المُحتَمَل يقوم على إشعاره بأنه موضع ترحيب وتقدير. وقد خشي المسؤول السابق من أن يؤدي الخطاب المصاحب لحظر السفر إلى إضعاف هذه الرسالة. لخص أحد الرؤساء السابقين المعضلة بسؤال عن الكيفية التي يستطيع بها الضابط أن ينظر إلى مصدر أو شريك ويعده بأن الولايات المتحدة ستتكفل بأمره. ويذهب هايدن إلى أن النتيجة قد تكون اعتماداً أكبر على المصادر التي يحركها المال، وهي فئة يُنظَر إليها على أنها أقل قيمة من المصادر المرتبطة بعلاقة ثقة.
يشير هايدن أيضاً إلى ضابط شاب التقاه داخل وكالة الاستخبارات المركزية، وُلد في العراق وأتقن عدة لهجات عربية، وبدأ ارتباطه بالولايات المتحدة بالعمل مترجماً. يعلق هايدن بأن هذا الرجل ما كان سيتمكن من دخول الولايات المتحدة لو كان قرار الحظر الذي فرضه ترمب سارياً عندما جاء إليها. في تصور هايدن، تمتد التداعيات إلى عناصر أخرى من القوة الأمريكية. فالطلاب الأجانب الذين يدرسون في الجامعات الأمريكية يتعرفون إلى المجتمع ويتقنون اللغة، ثم يعود بعضهم إلى بلاده ليتولى مواقع قيادية. كما يصنع الانفتاح شبكات من العلاقات والنفوذ يصعب توفيرها بالأدوات العسكرية.
ساعدت الشهور الأولى من إدارة ترمب على نقل الصدام من غرف الإحاطة الاستخبارية إلى المجال العام. جاءت الإدارة إلى واشنطن وهي تحمل شكوكاً تجاه أجزاء من الجهاز البيروقراطي، بينما بقي داخل الوزارات والوكالات آلاف الموظفين الذين خدموا إدارات سابقة. برز خطاب يرى في مقاومة بعض السياسات والتسريبات المتكررة علامة على وجود جهاز يسعى إلى تعطيل البرنامج الرئاسي. وجد هذا الخطاب أحد أبرز ممثليه في ستيف بانون، كبير الإستراتيجيين في البيت الأبيض، الذي تحدث عن تفكيك الدولة الإدارية. واقترب من دوائر الأمن القومي أشخاص يحملون رؤية مشابهة، بينهم سيباستيان غوركا.
في المقابل، ظهر عدد كبير من المسؤولين السابقين في أجهزة الاستخبارات على شاشات التلفزيون للتعليق على ترمب وسياسات الإدارة. واشتكى مايك بومبيو، الذي تولى إدارة وكالة الاستخبارات المركزية، من كثرة مسؤولي الوكالة السابقين الذين أصبحوا مُعلِّقين تلفزيونيين. يصف هايدن حضوره وحضور آخرين مثل جيمس كلابر وجون ماكلولين وجون برينان ومايكل موريل وغيرهم، بأنه ترك لدى قطاع من الأمريكيين انطباعاً بأنهم يمثلون الصوت العلني لمجتمع استخباري يقف في مواجهة الرئيس. لكنه ينفي وجود تنسيق بينهم، ويُرجِع التشابه في مواقفهم إلى خبرة مشتركة ورؤية للعالم تشكَّلت عبر سنوات العمل داخل مؤسسات الأمن القومي. خرج هؤلاء إلى الإعلام للدفاع عن أعراف مهنية تتعرض للتهديد، لكن اتساع حضورهم أتاح لخصومهم تقديمهم بوصفهم امتداداً للأجهزة التي قادوها، وكلما تصاعدت المواجهة مع ترمب تعزز لدى أنصاره الاعتقاد بوجود مؤسسات عميقة تعمل على مقاومته.
ساعدت وسائل التواصل الاجتماعي على نقل هذا الصراع إلى جمهور أكبر. باتت الرواية تنتشر بين ملايين الأشخاص قبل أن تبدأ المؤسسات الصحفية أو الحكومية التحقق منها. عزَّز ترمب هذه البيئة حين وصف الصحافة بأنها "عدو الشعب الأمريكي"، وتحدث عن انتخابات مُزوَّرة، وهاجم النظام القضائي الأمريكي. يفسر هايدن هذه البيئة بتحليلات تتناول أثر التكنولوجيا في تشكيل المجال العام، ومن بينها ما تطرحه الباحثة زينب توفيقجي عن الخوارزميات التي تستخدمها منصات مثل غوغل وفيسبوك ويوتيوب في تخصيص ما يشاهده المستخدم، بما يعزز أحياناً القناعات الموجودة لديه ويُضيِّق تعرُّضه للروايات المخالفة.
أعاد ترمب إلى البيت الأبيض في يناير/كانون الثاني 2025 القضايا التي رصدها هايدن، لكن بأدوات أشد. في يوم تنصيبه الأول وقَّع أمراً تنفيذياً يسحب التصاريح الأمنية من 51 مسؤولاً استخبارياً سابقاً وقعوا رسالة شككت في مصدر حاسوب هانتر بايدن. بدا أن الإدارة قرأت تحوُّل المديرين السابقين إلى معلقين تلفزيونيين على أنها خصومة سياسية تستحق العقاب. ثم انتقلت المواجهة من الشاشات إلى المحاكم. أعلنت مديرة الاستخبارات الوطنية الجديدة تولسي غابارد رفع السرية عن وثائق قالت إنها تكشف "مؤامرة خيانية" دبرتها إدارة أوباما في تقدير عام 2017 بشأن التدخل الروسي. اتهم ترمب سلفه بالخيانة علناً، فيما خلص تدقيق لوكالة أسوشيتد برس إلى أن الوثائق لا تدعم تلك الاتهامات.
وُجِّه إلى جيمس كومي اتهام بالإدلاء بإفادات كاذبة أمام الكونغرس، ثم ألغت قاضية الاتهام لأن المدعية التي قدمته عُيِّنت بطريقة غير قانونية، فأعادت وزارة العدل ملاحقته بتهمة تهديد الرئيس، ثم وجهت إليه اتهاما ثالثا بتسريب معلومات دفاعية إلى صحفي عام 2016. أما جون برينان، فقد استُدعي أمام هيئة محلفين كبرى، دون أن يصدر بحقه اتهام. وداخل الأجهزة نفسها، أُقيل مدير وكالة الأمن القومي الجنرال تيموثي هوغ بعد يوم من زيارة الناشطة اليمينية لورا لومر للمكتب البيضاوي، وأُقيل القائمان على مجلس الاستخبارات الوطني بعد تقدير خلص إلى أن الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو لا يوجه عصابة "ترين دي أراغوا".
أعلنت غابارد خفض موظفي مكتب مدير الاستخبارات الوطنية بأكثر من 40%، وحل مركز التأثير الأجنبي الخبيث المكلف برصد التدخل في الانتخابات. تكرر مشهد الرئيس الذي يرفض التقدير بسبب ما يترتب عليه سياسياً. فحين شهدت غابارد أمام الكونغرس بأن أجهزة الاستخبارات ما زالت تقدر أن إيران لا تبني سلاحاً نووياً، رد ترمب قائلاً: "لا يهمني ما قالته". وبعد الضربات، سربت تقديرات أولية لوكالة استخبارات الدفاع أن البرنامج تأخر شهوراً، فردت الإدارة بالتشكيك في التقدير وفتح تحقيق في التسريب.
مع اندلاع الحرب الأمريكية على إيران، استقال مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب جو كنت قائلاً إن إيران لم تشكل تهديداً وشيكاً. وقالت غابارد أمام مجلس الشيوخ إن تحديد ما إذا كان التهديد وشيكاً ليس من مسؤولية مجتمع الاستخبارات، ثم استقالت. بعد سنوات من صدور الكتاب، ثم عودة ترمب إلى البيت الأبيض في ولاية ثانية، تبدو القضايا التي أثارها هايدن أكثر ارتباطاً بالحاضر والمستقبل منها بالماضي. فأزمة "ما بعد الحقيقة" تتفاقم مع تصاعد الشعبوية، وتراجع ثقة قطاعات من الجمهور بالخبراء والمؤسسات، وتحوُّل منصات التواصل إلى مصادر رئيسية للمعلومات، ما جعل الوصول إلى أرضية مشتركة لتفسير الوقائع أكثر صعوبة، وعزز الانقسامات في المجال العام وداخل الإدارات السياسية المختلفة، وعلى رأسها البيت الأبيض نفسه.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة