قطر
اقتصاد

سباق خلافة لاغارد في البنك المركزي الأوروبي: توقيت سياسي حساس قبل الانتخابات الفرنسية

الجزيرة٢٩ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٥:٠٤ م0 مشاهدة
سباق خلافة لاغارد في البنك المركزي الأوروبي: توقيت سياسي حساس قبل الانتخابات الفرنسية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "معركة خلافة لاغارد تبدأ مبكراً.. هل تخشى أوروبا نتائج الانتخابات الفرنسية؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

أعلنت رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، يوم الخميس 29 أكتوبر/تشرين الأول 2026، عن نيتها مغادرة منصبها في 7 فبراير/شباط 2027، قبل نحو 9 أشهر من انتهاء ولايتها الرسمية. هذه الخطوة تفتح مبكراً باب المنافسة بين العواصم الأوروبية لاختيار رئيس جديد للمؤسسة النقدية الرئيسية في منطقة اليورو.

وأكد البنك المركزي الأوروبي أن لاغارد أبلغت مجلس محافظيه ورئيس المجلس الأوروبي، أنطونيو كوستا، بقرارها. من جانبه، أعلن كوستا بدء إجراءات اختيار خليفتها فوراً. هذا التطور يتجاوز مجرد تغيير القيادة ليلامس توقيتاً سياسياً حساساً، خاصة مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة في أبريل/نيسان 2027.

جاء هذا الإعلان بالتزامن مع قرار البنك المركزي الأوروبي بتثبيت سعر الفائدة على الودائع عند 2.5%، في وقت تواجه فيه منطقة اليورو ارتفاعاً في التضخم وتباطؤاً محتملاً للنمو، بالإضافة إلى ضغوط متزايدة على أسواق السندات الحكومية، لا سيما في فرنسا.

لماذا قررت لاغارد الرحيل مبكراً؟

لم يوضح البنك المركزي الأوروبي الأسباب المباشرة لقرار لاغارد في بيانه الرسمي. لكن وكالة رويترز نقلت عنها خلال مؤتمر صحفي رغبتها في الانخراط بقضايا تتجاوز نطاق اختصاص البنك، مشيرة إلى أن انتقال المسؤولين من مناصبهم هو جزء من نظام الحوكمة الذي يحدد ولاية غير قابلة للتجديد.

ونقلت رويترز عن مصدر مطلع أن لاغارد ترغب في استعادة حريتها في التعليق على القضايا السياسية في فرنسا وخارجها، فيما يُنظر إلى المنتدى الاقتصادي العالمي كوجهة محتملة لها، بعدما كشفت بلومبيرغ في مايو/أيار 2025 عن محادثات سابقة بشأن احتمال توليها قيادة المنتدى.

غير أن توقيت الرحيل يثير تساؤلات سياسية تتجاوز التفسيرات الشخصية. فقد ذكرت صحيفة فايننشال تايمز في فبراير/شباط الماضي أن لاغارد تعتزم مغادرة منصبها مبكراً لإتاحة الفرصة أمام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للمشاركة في اختيار خليفتها قبل انتهاء ولايته.

لا يستطيع ماكرون الترشح لولاية رئاسية ثالثة متتالية، فيما تفتح انتخابات أبريل/نيسان المقبل الباب أمام احتمال تغير موازين القوى السياسية في فرنسا. هذا يجعل إنجاز تعيين رئيس جديد للمركزي الأوروبي قبل الاقتراع مسألة ذات أهمية خاصة لباريس وشركائها الأوروبيين. ولم تؤكد لاغارد أن الاعتبارات الانتخابية كانت وراء قرارها، كما لم تظهر تقارير موثوقة تربط رحيلها بخلاف بشأن السياسة النقدية داخل البنك.

ما صلاحيات رئيس المركزي الأوروبي؟

على خلاف التصور الشائع، لا يملك رئيس البنك المركزي الأوروبي سلطة منفردة لتحديد أسعار الفائدة. إذ يتخذ مجلس المحافظين القرارات النقدية بصورة جماعية، بمشاركة أعضاء المجلس التنفيذي ومحافظي البنوك المركزية الوطنية في دول منطقة اليورو.

ويتمتع رئيس البنك بصوت واحد ضمن آلية التصويت المعتمدة، لكن تأثيره الفعلي يتجاوز الوزن العددي لهذا الصوت، من خلال إدارة الاجتماعات وصياغة التوافق بين الأعضاء وتحديد أولويات النقاش، فضلاً عن توجيه رسائل السياسة النقدية إلى المستثمرين والأسواق.

وتكتسب هذه الوظيفة أهمية خاصة في فترات الأزمات، عندما تتباين مواقف الدول الأعضاء بشأن التضخم والنمو وتكاليف الاقتراض، ويصبح نجاح الرئيس في بناء توافق داخلي عاملاً أساسياً للحفاظ على مصداقية البنك.

ويرى الخبير الاقتصادي مارشيل ألكساندروفيتش، من مؤسسة سالتمارش إيكونوميكس، في حديث لرويترز، أن تغيير القيادة لا يرجح أن يؤدي إلى تحول جذري في توجهات البنك، نظراً إلى الطبيعة الجماعية لصنع القرار. لكنه شدد على أهمية أسلوب الرئيس الجديد في التواصل مع الأسواق.

كيف استقبلت الأسواق الإعلان؟

أظهرت بيانات نقلتها رويترز تراجع اليورو بنسبة 0.3% إلى نحو 1.11 دولار خلال تعاملات الخميس، وانخفاض عوائد السندات الحكومية لأجل عامين، في حين ارتفع مؤشر ستوكس 600 الأوروبي بنسبة 0.95%. لكن من الصعب نسبة هذه التحركات إلى إعلان رحيل لاغارد وحده، إذ تزامنت مع قرار تثبيت الفائدة وبيان نقدي أشار إلى تشديد شروط التمويل واحتمال تأثيرها سلباً في النمو والتضخم.

ونقلت رويترز عن بيوتر ماتيس، من مؤسسة إنتاتش كابيتال ماركتس، أن هذه الإشارة قد تُفسر على أنها تقلل احتمالات مواصلة رفع الفائدة، وهو تفسير يوفر سبباً مستقلاً لتراجع اليورو وعوائد السندات قصيرة الأجل.

وكانت الأسواق قد أبدت استجابة محدودة عندما ظهرت التقارير الأولى عن احتمال رحيل لاغارد في فبراير/شباط الماضي، ما يشير إلى أن جزءاً من هذا السيناريو كان معروفاً للمستثمرين قبل الإعلان الرسمي.

وتبرز فرنسا بوصفها مصدر القلق الأهم في أسواق الدين الأوروبية، إذ أفادت يورونيوز بأن عائد سنداتها الحكومية لأجل 10 سنوات اقترب من 5% الخميس، بفارق يبلغ نحو 155 نقطة أساس عن السندات الألمانية المماثلة، بعدما تجاوز مستوى 5% خلال الأسبوع السابق للمرة الأولى منذ عام 2002.

كيف يُختار الرئيس الجديد؟

تحدد المادة 283 من معاهدة عمل الاتحاد الأوروبي إجراءات تعيين رئيس البنك، إذ يتولى المجلس الأوروبي اتخاذ القرار بأغلبية مؤهلة، بناء على توصية من مجلس الاتحاد الأوروبي، وبعد التشاور مع البرلمان الأوروبي ومجلس محافظي البنك.

ويُشترط أن يتمتع المرشح بمكانة مهنية معترف بها وخبرة في الشؤون النقدية أو المصرفية، وتبلغ مدة الولاية 8 سنوات غير قابلة للتجديد.

وبحسب تقارير صحفية، تسعى القيادات الأوروبية إلى حسم الاختيار خلال قمتي نوفمبر/تشرين الثاني وديسمبر/كانون الأول المقبلين، بما يتيح استكمال الإجراءات قبل موعد رحيل لاغارد في فبراير/شباط.

وتشير التجارب السابقة إلى أهمية التوافق بين فرنسا وألمانيا في اختيار رئيس المؤسسة النقدية، لكن المفاوضات قد تتجاوز هذا المنصب إلى إعادة توزيع مواقع قيادية أخرى داخل البنك.

وتتزامن عملية الاختيار مع ترتيبات خلافة عضو المجلس التنفيذي إيزابيل شنابل، التي يُنتظر انتقالها إلى صندوق النقد الدولي مطلع 2027، وكبير الاقتصاديين في البنك فيليب لين، الذي تنتهي ولايته خلال العام المقبل، ما يفتح المجال أمام تفاهم سياسي أوسع بشأن 3 مناصب رئيسية.

من أبرز المرشحين لخلافة لاغارد؟

يتصدر اسمان النقاشات الأوروبية بشأن خلافة لاغارد، وفق رويترز وشبكة سي إن بي سي، من دون الإعلان حتى الآن عن ترشيحات رسمية. الأول هو كلاس نوت، المحافظ السابق للبنك المركزي الهولندي بين عامي 2011 و2025، والذي ارتبط اسمه تاريخياً بالمواقف المتشددة تجاه التضخم، قبل أن يتجه إلى نهج أكثر اعتدالاً في بناء التوافق داخل المؤسسات النقدية الأوروبية.

أما الثاني فهو بابلو هيرنانديز دي كوس، محافظ بنك إسبانيا السابق بين عامي 2018 و2024، الذي يتولى حالياً رئاسة بنك التسويات الدولية، ويُنظر إليه بوصفه مرشحاً يمتلك خبرة واسعة في السياسة النقدية والرقابة المصرفية.

وتشمل الأسماء المطروحة أيضاً رئيس البنك المركزي الألماني يواخيم ناغل وإيزابيل شنابل، لكن فرص كل مرشح تتأثر بالتوازن بين الدول الأوروبية واختلاف توجهاتها النقدية.

ونقلت يورونيوز عن كارستن برزيسكي، من بنك آي إن جي، أن تقديم موعد اختيار الرئيس قد يصب في مصلحة نوت، نظراً إلى أن دي كوس تولى منصبه الحالي في بنك التسويات الدولية قبل أقل من عامين. ويرى محللون أن الاختيار بين نوت ودي كوس لن يعني بالضرورة تغييراً جذرياً في السياسة النقدية، لكن الاختلافات بينهما قد تظهر في تقييم مخاطر التضخم وأسلوب إدارة الأزمات والتواصل مع الأسواق.

تحديات اقتصادية تنتظر الرئيس المقبل

سيتولى الرئيس الجديد قيادة المركزي الأوروبي في مرحلة تتسم بتعارض الضغوط الاقتصادية. إذ ارتفع التضخم في منطقة اليورو إلى 3.8% خلال سبتمبر/أيلول، مقابل 3.2% في أغسطس/آب، مدفوعاً بارتفاع أسعار الطاقة المرتبط بالحرب مع إيران.

ورفع البنك أسعار الفائدة مرتين خلال العام الجاري، بينما تشير تقديرات نقلتها رويترز إلى أن الأسواق تسعر احتمال تنفيذ نحو 3 زيادات إضافية، في وقت يؤدي فيه ارتفاع تكاليف الاقتراض إلى إضعاف النشاط الاقتصادي.

وبحسب تقديرات بنك آي إن جي، فإن ارتفاع عوائد السندات منذ سبتمبر/أيلول يعادل من حيث أثره المالي زيادة بنحو 25 نقطة أساس في الفائدة بألمانيا، وما يقارب 50 نقطة أساس في فرنسا، وهو ما يضاعف الضغوط على الاقتصاد الفرنسي المثقل بالمخاوف المالية.

وتبرز هنا إحدى أكثر القضايا حساسية أمام القيادة المقبلة، وهي كيفية التعامل مع التفاوت في تكاليف الاقتراض بين دول منطقة اليورو، خصوصاً من خلال أداة حماية انتقال السياسة النقدية التي تتيح للبنك شراء سندات الدول التي تواجه ارتفاعاً غير مبرر في عوائد ديونها.

ولم تُستخدم هذه الأداة منذ إنشائها، لكن قرار تفعيلها يعتمد على تقييم البنك لطبيعة الاضطرابات في الأسواق، وما إذا كانت تعكس مخاطر اقتصادية فعلية أم تحركات مالية غير مبررة.

وكانت لاغارد قد أكدت أن معالجة الضغوط المالية الفرنسية تقع أساساً على عاتق السياسات المالية المحلية، وهو موقف يجعل توجه الرئيس المقبل تجاه التدخل في أسواق السندات محل اهتمام المستثمرين.

وقد يؤدي اختيار رئيس أكثر استعداداً لاستخدام أدوات التدخل إلى تخفيف الضغوط على السندات الفرنسية، لكنه قد يثير في المقابل تساؤلات بشأن التزام البنك بمكافحة التضخم، بينما قد يؤدي تبني نهج أكثر تشدداً إلى نتائج معاكسة.

سباق سياسي بنتائج نقدية محتملة

ولا تشير التحركات الأولية في الأسواق إلى أن إعلان رحيل لاغارد أحدث تحولاً مستقلاً في توقعات السياسة النقدية الأوروبية، لكن أهميته تكمن في تقديم موعد اختيار رئيس البنك إلى مرحلة تسبق تغيراً محتملاً في القيادة السياسية الفرنسية.

وسيكون اختبار العواصم الأوروبية الأول قدرتها على التوصل إلى توافق خلال الأشهر المقبلة، بينما يتمثل الاختبار الاقتصادي في توجهات الرئيس الجديد بشأن التضخم وأسعار الفائدة وأدوات حماية أسواق السندات.

وبينما تظل قرارات الفائدة خاضعة للتصويت الجماعي، فإن قدرة الرئيس المقبل على بناء التوافق والتعامل مع الأزمات المالية قد تحدد مدى نجاح البنك المركزي الأوروبي في الموازنة بين استقرار الأسعار وحماية اقتصاد منطقة اليورو من تداعيات ارتفاع تكاليف التمويل.

شارك الخبر: