قطر
ثقافة

أكشاك الكتب في عمّان: أرصفة تحفظ ذاكرة المدينة وتتحدى التحولات الرقمية

الجزيرة٢١ أغسطس ٢٠٢٦ في ٠٦:٥٥ ص0 مشاهدة
أكشاك الكتب في عمّان: أرصفة تحفظ ذاكرة المدينة وتتحدى التحولات الرقمية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "أكشاك الكتب في عمّان.. حين تحفظ الأرصفة ذاكرة المدينة" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢١ أغسطس ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

كيف اجتمعت رواية "الخيميائي" لباولو كويلو مع رائعة محمود درويش "لا تعتذر عما فعلت" على رف خشبي لا يتجاوز عرضه مترا ويتوسطهما كتاب "نمر العدوان.. شاعر الحب والوفاء"؟ وكيف يجاور كتاب عن العقيد الليبي الراحل معمر القذافي مؤلفات تتناول العقيدة السياسية للمحافظين الجدد؟ في أكشاك وسط العاصمة الأردنية عمّان فقط، تبدو هذه المفارقات مألوفة، حيث تتجاور الكتب كما تتجاور حكايات المدينة.

فهنا، لا تعترف الأكشاك بتصنيفات صارمة، ولا تفرّق بين شاعر وروائي، أو بين التاريخ والسياسة والتنمية البشرية؛ بل تجمعها جميعا فوق أرصفة المدينة، في مشهد يشبه ذاكرة مفتوحة للعاصمة. وبين المارة ورواد المقاهي ومن ينتظرون الحافلات، يقف الكتاب شاهدا على مدينة ما زالت تؤمن بأن الثقافة يمكن أن تُعرض على الرصيف، وأن المعرفة ليست حكرا على المكتبات الكبرى والمؤسسات، بل هي حق لكل عابر.

ورغم التحولات الرقمية السريعة، وتراجع حضور الكتاب الورقي في كثير من المدن العربية لصالح "شاشات الاستهلاك"، لا تزال أكشاك وسط البلد تحافظ على مكانتها بوصفها جزءا من المشهد اليومي، ومقصدا للقراء من مختلف الأعمار والخلفيات؛ فمنها ما يعود إلى عشرات السنين، ومنها ما تحوّل إلى معلم ثقافي يقصده الأكاديميون والطلبة والسياح، بحثا عن عنوان نادر أو طبعة لم تعد متوافرة في المكتبات التجارية.

إلى جانب دور النشر المعروفة مثل الأهلية، أزمنة، فضاءات، والشروق، تنتشر في الشوارع أكشاك عريقة مثل "الطليعة" و"حسن أبو علي"، والتي حافظت على حضورها رغم تغير الزمن، وما زالت تستقطب قراءً أوفياء اعتادوا المرور عليها في كل زيارة لقلب العاصمة.

خزانة الجاحظ.. تمرّد على تسليع الثقافة

ومن بين تلك الأكشاك، تبرز "خزانة الجاحظ" واحدة من أشهر محطات الكتب، ليس فقط لما تضمه من آلاف العناوين، وإنما لما تحمله من إرث عائلي يمتد لأكثر من 160 عاما، ولفلسفتها التي تققاوم تسليع المعرفة. يقول شاهين المعايطة، وهو من الجيل الرابع الذي يتولى إدارة المكتبة، للجزيرة، إن الفكرة تعود إلى وصية الجد عام 1856 في القدس، عند باب العامود. كانت المكتبة عبارة عن حائط لبيع الكتب عُرف بـ"حائط الجاحظ"، قبل أن تنتقل إلى الأردن وتتجول بين المحافظات حتى استقرت في عمّان.

يضيف المعايطة: "قامت فكرة المكتبة على حب الناس والمطالعة. أجدادي أرادوا أن يكون الكتاب في متناول الجميع؛ من ينتظر الحافلة أو يجلس في الشارع يستطيع تناول كتاب، يقرؤه، ثم يشتريه أو يستبدله مقابل مبلغ رمزي". ويؤكد أن هذه الفلسفة لم تتغير رغم تعاقب الأجيال، موضحا أن الهدف يتجاوز الربح المادي إلى غاية نشر الوعي.

نظام الإعارة.. الكتاب كـمشاع معرفي

ولتحقيق هذه الغاية، تعتمد "خزانة الجاحظ" نظاما للإعارة يتيح للقارئ شراء الكتاب واسترداد معظم ثمنه عند إعادته. يشرح المعايطة: "نطلب من المستعير مبلغا رمزيا نرجعه إليه عند إعادته. وإذا أصبح من الزبائن الدائمين، نكتفي دينار واحد فقط مقابل الاستعارة". هذا النظام لا يُشجع على القراءة فحسب، بل يكسر نزعة الاكتناز الفردي للكتب لتكديسها كديكور على الرفوف، ليحول الكتاب إلى مشاع معرفي ينتقل من يد إلى أخرى.

ولا تتوقف الخصوصية هنا؛ إذ تضم المكتبة مخطوطات وطبعات حجرية وبولاقية يزيد عمرها على 200 عام، وخزائن متخصصة في الدمشقيات والسعوديات وتاريخ عمّان، لتصبح ملاذا للباحثين والقراء الهاربين من تسطيح العصر الحديث.

مفارقة القراءة.. البحث عن الخلاص الفردي

وعلى الرغم من قدرة الأكشاك على استقطاب القراء بأسعارها الزهيدة وعناوينها النادرة، تكشف إحصاءات المبيعات عن تحول مقلق في بنية الوعي الثقافي للجيل الجديد. إذ يؤكد أصحاب الأكشاك أن كتب "التنمية البشرية" تتصدر المبيعات بنسبة تصل إلى 70%، مدفوعة بانتشارها عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث يبحث الشباب عن حلول سحرية وخلاص فردي لواقع اقتصادي واجتماعي ضاغط.

وفي المقابل، ورغم طغيان أدبيات تطوير الذات، لا تزال الروايات والدواوين الشعرية والكتب الفكرية والتاريخية تحافظ على جمهورها العتيق، كما يُسجل حضور لافت للإصدارات العراقية في الأدب والسياسة، في مشهد يعكس مكانة عمّان كملتقى للمثقفين ومركز للنشر العربي.

ومع انكسار حرارة النهار، تستعيد أرصفة وسط البلد حيويتها، لتتحول إلى مكتبة مفتوحة في الهواء الطلق تذكرنا بأن رحلة الوعي قد تبدأ من رصيف.

شارك الخبر: