معركة الأمل المالي: كيف يواجه مرضى سرطان الثدي في العراق صعوبة تأمين علاجات بـ1800 دولار؟


هذا الخبر بعنوان "جرعة بـ1800 دولار.. كيف يتحول علاج سرطان الثدي إلى معركة مالية في العراق؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في عيادة خاصة بالعاصمة بغداد، تجلس أم مصطفى، وهي سيدة في عقدها الرابع، تتفحص وصفة طبية تحمل اسم دواء باهظ الثمن يصعب عليها توفيره. بعد تشخيص إصابتها بسرطان الثدي، ومع تفاقم المرض وظهور مؤشرات تستدعي علاجات موجهة، بات تأمين الدواء تحديًا لا يقل قسوة عن مواجهة المرض نفسه. وصف الطبيب دواء "تراستوزوماب ديروكسيتكان"، المعروف تجارياً باسم "إنهيرتو"، وهو علاج يستهدف حالات محددة من سرطان الثدي المرتبط بمستقبل HER2، بناءً على طبيعة المرض والعلاجات السابقة. إلا أن إدراج هذا الدواء في الخطة العلاجية فرض على المريضة عبئًا ماليًا جسيمًا، حيث تتراوح تكلفة الجرعة الواحدة، وفقًا لمسح أجرته الجزيرة نت في صيدليات بغداد، بين 1500 و1800 دولار أمريكي. مع كل تأخير في الحصول على الجرعة بسبب التكلفة، يتزايد قلق أم مصطفى بشأن اضطراب المواعيد العلاجية المحددة من قبل الطبيب. فهي غير قادرة على تغيير العلاج أو تعديل مواعيده من تلقاء نفسها، ولا تملك ضمانًا بتوافر الدواء في الوقت المناسب. هذا الوضع يوسع الفجوة بين الخطة العلاجية الموضوعة على الورق والقدرة على تنفيذها في المواعيد المقررة.
على الرغم من الأنباء الواردة عن استيراد وزارة الصحة العراقية لعقار "إنهيرتو"، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة تلبية احتياجات جميع المرضى أو توفير الجرعات اللازمة لكل حالة. تختلف الكمية المطلوبة بناءً على وزن المريضة والبروتوكول العلاجي المتبع، وقد تحتاج بعض الحالات إلى جرعات متعددة. ويشكل ارتفاع سعر العقار تحديًا إضافيًا للمريضات اللواتي لا يستطعن تحمل تكلفته من مالهن الخاص.
لا تقتصر صعوبة الحصول على العلاج على العاصمة بغداد، ففي محافظة ديالى، روت علياء سعدون، البالغة من العمر 35 عامًا، تجربتها مع سرطان الثدي. بدأت علاجها الكيميائي في مدينتها، لكنها اضطرت لاحقًا لمراجعة مراكز خارج المحافظة لتلقي العلاج الإشعاعي. يكشف هذا الواقع عن معاناة مرضى السرطان في المحافظات العراقية مع نقص بعض الأدوية، وارتفاع تكاليف العلاج والتنقل بين المراكز الصحية.
في المقابل، تقدم تجربة نورا سمير، البالغة 32 عامًا والموظفة في شركة عقارية، صورة مختلفة لرحلة العلاج. فقد تم اكتشاف سرطان الثدي لديها في مرحلة مبكرة، وبدأت العلاج داخل العراق. خضعت لعملية جراحية ناجحة، ثم واصلت تلقي الجرعات في مواعيدها المحددة دون أي تأخير في المستشفى أو مشكلة في الحصول على العلاج. ساعدها دفترها الصحي في صرف الأدوية المقررة، مما مكنها من مواصلة العلاج بانتظام بالتوازي مع عملها وحياتها اليومية. تبرز تجربتها أهمية التشخيص المبكر، بالإضافة إلى توافر العلاج واستمراريته وفق الخطة الطبية.
لا تعني المقارنة بين الحالتين أن مسار علاج كل مريضة يتكرر بنفس الطريقة؛ فاختلاف مرحلة المرض، ونوع الورم، والخطة العلاجية، بالإضافة إلى توافر الأدوية، كلها عوامل تؤثر في مسار العلاج. لكنها تسلط الضوء على التباين في تجارب المريضات بين من يجدن العلاج في موعده ومن يواجهن تحديًا إضافيًا في تأمين الجرعات.
يوضح اختصاصي الأورام السرطانية ومدير مستشفى الأورام التعليمي في مدينة الطب، الدكتور وئام عبد الفتاح، أن علاج سرطان الثدي ليس مسارًا واحدًا، بل يتحدد بناءً على عوامل متعددة، أبرزها مرحلة المرض، ونوع الورم، وعمر المريضة، وحالتها الصحية العامة. تبدأ الرحلة بالكشف المبكر والتشخيص الدقيق، وصولًا إلى وضع خطة علاجية تتناسب مع خصوصية كل حالة. ويضيف عبد الفتاح أن الخيارات العلاجية تشمل التدخل الجراحي (استئصال جزئي أو كلي للثدي والعقد اللمفاوية)، والعلاج الإشعاعي، والكيماوي، والمناعي، والبيولوجي، والهرموني، بالإضافة إلى العلاجات الموجهة. يختلف اختيار هذه الوسائل وترتيبها بناءً على طبيعة الورم واستجابة المريضة، مما يجعل توفير جميع الأدوية المستخدمة عالميًا تحديًا أمام الأنظمة الصحية. ويشير إلى أن أي دولة تواجه صعوبة في توفير جميع أدوية السرطان نظرًا لتعدد الخيارات العلاجية وارتفاع أسعارها، وتفاوت استجابة المرضى لها. كما أن النتائج التي تعلنها الشركات المنتجة لا تعني بالضرورة تحقيق الاستجابة ذاتها لدى جميع المرضى، مما يستدعي تقييم الخيارات العلاجية طبيًا قبل اعتمادها.
تضع وزارة الصحة خطة سنوية لاستيراد الأدوية. وفي العراق، يعمل مجلس السرطان كوسيط بين المرضى والمؤسسات الصحية من جهة، ووزارة الصحة وإمكاناتها من جهة أخرى، للمساهمة في تحديد العلاجات الأنسب للحالات المرضية، سواء كانت متاحة محليًا أو تتطلب العلاج في الخارج.
في سياق متصل، دعا المستشار في القطاع الصحي الدكتور محمد شيرخان الحكومة العراقية إلى اعتماد "الدولار الدوائي"، عبر تثبيت سعر صرف الدولار المخصص لاستيراد الأدوية، مؤكدًا أن هذا الإجراء ضروري لحماية أسعار الأدوية وضمان توفيرها للمواطنين. يطرح شيرخان آلية للتنسيق بين البنك المركزي ووزارتي المالية والصحة لتحويل مستحقات الموردين مباشرة مقابل فواتير موثقة، على أن يرتبط هذا الدعم بالالتزام بالتسعيرة المعتمدة لضمان وصول أثره إلى المرضى. وافق رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي على إنشاء صندوق لدعم مرضى السرطان في العراق، ومن المتوقع أن يساهم هذا الصندوق، عند استكمال الإجراءات اللازمة، في تعزيز جهود دعم مرضى السرطان وتخفيف الأعباء المالية عنهم. ويؤكد شيرخان أن خصوصية الأدوية السرطانية تكمن في خضوعها لمنظومة تسعير رسمية، فلا يُفترض أن يتغير سعرها للمريض مع تقلبات سعر الصرف. ولذلك، فإن الحفاظ على الأسعار المعتمدة يتطلب توفير الدولار اللازم للاستيراد بسعر يتوافق مع الأسس التي بُنيت عليها تلك الأسعار.
سياسة
صحة
سياسة
صحة