سوريا والعراق: تقارب استراتيجي يعززه الأمن والاقتصاد والجغرافيا


هذا الخبر بعنوان "سوريا والعراق.. حسابات الجغرافيا والأمن والاقتصاد ترسم مسار التقارب" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في زيارة تاريخية هي الأولى لرئيس حكومة عراقية إلى سوريا بعد سقوط نظام الأسد، وصل رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إلى دمشق، حيث كان الرئيس السوري أحمد الشرع في استقباله. تحمل هذه الزيارة دلالات هامة في مسار تطور العلاقات وبناء الثقة بين البلدين الجارين.
عقب الاستقبال في مطار دمشق الدولي، انتقل المسؤولان لبدء المحادثات الرسمية في قصر الشعب. وصرح رئيس الوزراء العراقي بأن "الشعبين العراقي والسوري هما شعب واحد في بلدين"، مؤكداً على العمل لتطوير الشراكة والتعاون المشترك في مختلف المجالات، لا سيما الاقتصادية والاجتماعية. كما شدد على أهمية تعزيز التعاون الأمني وتوحيد المواقف إزاء القضايا الإقليمية والدولية، والسعي لتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة.
من جانبه، أعرب الرئيس السوري عن تقديره الكبير لزيارة الزيدي والوفد المرافق له، مؤكداً على عمق العلاقات الثنائية وحرص سوريا على تحقيق أعلى مستويات التعاون بين البلدين.
ووفقاً لبيان رسمي، ناقش اللقاء في قصر الشعب بدمشق عدة قضايا حيوية، منها تصدير النفط العراقي عبر خط بانياس بطاقة تصديرية تصل إلى مليوني برميل يومياً، وزيادة حجم التبادل التجاري. كما تم بحث العمل المشترك لتطوير القطاع الزراعي بهدف تحقيق التكامل الغذائي والاقتصادي.
في ظل تحرك البلدين نحو تأسيس علاقات جديدة تقوم على المصالح المشتركة، وسط طموحات اقتصادية وأمنية استراتيجية واسعة، تبرز تساؤلات حول طبيعة التعاون بين الجانبين وأبرز الملفات ذات الاهتمام المشترك، إلى جانب التحديات التي تفرضها تعقيدات الوضع الإقليمي وخلافات الماضي.
لم تكن العلاقات السورية العراقية لتخرج من ركودها لولا سلسلة رسائل مطمئنة وزيارات متبادلة بدأت بعد سقوط نظام الأسد. أرست هذه الخطوات قاعدة عدم التدخل في الشؤون الداخلية وأعادت الثقة تدريجياً بين البلدين.
يرى المحلل السوري عبد الكريم العمر أن تطور العلاقات مع العراق يأتي انسجاماً مع الرسائل المطمئنة التي دفعت بها الحكومة السورية للعالم ودول الجوار، بما في ذلك العراق، بعد سقوط نظام الأسد. وقد نجحت هذه الرسائل في إعادة تأسيس علاقات جديدة مع الدول وترك انطباع إيجابي لدى معظمها. وأضاف العمر أن تفكك التعقيدات حيال العلاقات السورية العراقية بدأ برسالة الرئيس الشرع، عندما كان قائداً لإدارة العمليات العسكرية في عملية ردع العدوان، إلى العراق نافياً حينها أن يصل ما يحدث في سوريا إلى هناك، وما تلا ذلك من زيارات على المستوى السياسي والأمني والقضائي.
من جهته، يؤكد الباحث في السياسات الاستراتيجية العراقية والإقليمية كاظم ياور أن تاريخ العلاقات السورية العراقية يؤكد أن الطبيعة الفكرية للأنظمة المتعاقبة لم تكن هي من تحدد الملامح السياسية والاقتصادية للبلدين. وأشار إلى وجود رغبة من البلدين بترك الشؤون الداخلية لطبيعة النظام السوري للسوريين، وطبيعة النظام السياسي العراقي للعراقيين. وأوضح أن حالة عدم التدخل في شؤون البلدين، عندما ترتقي إلى مستويات مرتفعة، تبعث بالثقة للشعبين والنظامين، وتصل إلى بناء علاقات استراتيجية، وقد وصلتا إلى هذه القناعة.
رغم التوجس جراء خلافات الماضي، فإن عوامل عديدة تدفع البلدين لبناء علاقات استراتيجية تخدم توجههما الجديد في تعزيز حضور الدولة وإقصاء المليشيات، والاهتمام بأولويات التنمية والاقتصاد. ويشير الباحث السياسي العراقي صلاح عبد المهدي إلى أنه كانت هناك مخاوف وشكوك من الطرفين حول نظرة كل منهما للآخر نظراً لطبيعة الخلاف الأيديولوجي بين الحكومتين. لكن إدراك الحكومتين بأهمية العلاقات الثنائية، وتبادل الزيارات، وطرح المخاوف، والحوارات، والتصريحات الإيجابية من كلا الطرفين، كان لها دور في إذابة الكثير من الخلافات.
ويعتقد عبد المهدي أن هذه الزيارة ستبدأ عهداً جديداً ومختلفاً تماماً من العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. وأضاف: "لا أتصور أن إرث الماضي سيكون الصوت الأعلى إذا حضر صوت النية الصادقة لبناء عهد جديد من العلاقات القائمة على تبادل المصالح".
ويشير الباحث السوري خالد الحماد إلى أن التاريخ والخلاف الأيديولوجي لدى الحكومتين قد يؤخر العلاقة، ولكن تجاوزها سياسياً واقتصادياً قد يغلق هذه الصفحة بشكل دائم، وهذا متوقع على المدى القصير من اللغة الإيجابية لدى الطرفين.
تتقاطع مصالح البلدين في ملفات الطاقة والتجارة والأمن. إذ يشكّل الموقع الجغرافي السوري متنفساً استراتيجياً للعراق، بينما تحتاج دمشق إلى بغداد لضبط حدودها وتنشيط اقتصادها.
ويوضح ياور أن كلتا الدولتين بحاجة إلى بعضهما في الملفات التي من الممكن أن تخلق نمواً في البلدين والمنطقة. ولفت إلى أن العراق بحاجة إلى الانفتاح الاقتصادي عبر سوريا بعد أن كان يعول على طريق هرمز بدرجة تصل إلى 90 بالمئة، وهناك تفكير في أن تكون سوريا بديلاً وجزءاً من الاستراتيجية العراقية لنقل الطاقة إلى الأسواق العالمية.
وأضاف أن هذه المشاريع لا تتعلق فقط بالبلدين، بل هناك حاجة دولية وإقليمية، وتتجه أنظار الدول الخليجية نحو الانفتاح بالمنافذ العالمية. والموقع الجغرافي للعراق وسوريا بديل مناسب للمنافذ القديمة، وسط مساندة أوروبية وأمريكية لتعزيز الاستقرار في المنطقة.
من جهته، يشير عبد المهدي إلى أن موقع سوريا المطل على البحر الأبيض المتوسط يجعل منها واجهة العراق البحرية لتصدير نفطه وتنويع اتجاهات تصدير النفط، خصوصاً في ظل أزمة مضيق هرمز التي تضرر منها العراق كثيراً. وكان موقف سوريا إيجابياً جداً مع العراق وبرز دور سوريا المهم في هذا الجانب.
ناقش اللقاء تصدير النفط العراقي عبر خط بانياس بطاقة تصديرية تصل إلى مليوني برميل يومياً وزيادة حجم التبادل التجاري (الرئاسة السورية).
تضع دمشق ملف تأمين الحدود المشتركة في مقدمة أولوياتها مع بغداد، إلى جانب تحييد العراق عن أي عداء تجاهها وتحويله إلى ممر اقتصادي يمنح سوريا أهمية إقليمية ودولية.
ويحدد الباحث السوري خالد الحماد أبرز ما تريده سوريا من العراق بثلاث نقاط: تأمين الحدود البرية السورية العراقية، وهي حدود طويلة وممتدة وتستغلها التنظيمات الإرهابية في تهريب السلاح وتجارة المخدرات مما يؤثر على الأمن السوري والعراقي. ثانياً، تبريد الساحة العراقية الموالية لإيران، والنظر إلى سوريا نظرة الصديق والشقيق، وعدم انجرار العراقيين بكافة أطيافهم إلى أي عداء تجاه سوريا، بل تنشيط السفر والسياحة والاستثمار من قبل الشركات والمؤسسات العراقية. ثالثاً، أن تكون سوريا ممراً اقتصادياً عبر العراق، سواء عبر التجارة وتصدير النفط العراقي، أو عبر ممرات دولية، وهذا ما سيعطي سوريا أهمية عالمية.
ينظر العراق إلى سوريا باعتبارها عمقه الأمني الغربي وبوابته نحو المتوسط، ويضع ضبط الحدود ومنع التهريب في صدارة مطالبه، قبل أي تفاهم اقتصادي أو تجاري.
ويقول الكاتب والصحفي العراقي زياد العجيلي إن ما يريده العراق من سوريا واضح ومباشر: حدود مستقرة، تعاون أمني، حركة تجارة مفتوحة، ومسارات إضافية للنقل والطاقة. ويشدد على أن الأمن يأتي أولاً. العراق لا يريد أن تعود الأراضي السورية ممراً للجماعات المسلحة أو للتهريب، ولا أن تتحول الحدود الغربية إلى مصدر ضغط أمني دائم. لذلك فإن وجود دولة سورية قادرة على ضبط حدودها والتنسيق مع بغداد يمثل مصلحة عراقية أساسية.
ويضيف: اقتصادياً، يريد العراق الاستفادة من موقع سوريا كطريق باتجاه البحر المتوسط، سواء في التجارة أو النقل أو مشاريع الطاقة. كما أن السوق السورية، مع احتياجات إعادة الإعمار، يمكن أن تكون فرصة للشركات والمنتجات العراقية إذا جرى تنظيم هذا التعاون بشكل عملي.
ويشير العجيلي إلى أن العراق يريد أيضاً منافذ حدودية تعمل بصورة طبيعية، وحركة شاحنات أسرع، وتعاوناً جمركياً يقلل التعطيل والتهريب في الوقت نفسه. مضيفاً: سياسياً، مصلحة بغداد هي أن تكون علاقتها مع دمشق علاقة مباشرة بين دولتين، لا جزءاً من صراع المحاور في المنطقة.
من وجهة نظر باحثين، فإن العلاقات السورية العراقية، رغم العوامل المشتركة الدافعة لتحسينها، تواجه تحديات عديدة. لكنهم يرون أن حاجة البلدين للمصالح المشتركة أقوى من هذه العوائق.
ويحدد الحماد أبرز التحديات التي تعترض العلاقة السورية العراقية بـ: العلاقات العراقية الإيرانية والتي قد تؤثر سلباً على العلاقة مع سوريا، وبالذات مع وجود نفوذ واضح للحشد العراقي المدعوم من إيران في مؤسسات الدولة العراقية. ثانياً، الجماعات الإرهابية التي تحاول قطع الطرق البرية وتفجير ممرات النفط والغاز، وذلك لإبعاد سوريا من الاستفادة من أي مشروع حيوي ومهم. ثالثاً، التاريخ والخلاف الأيديولوجي لدى الحكومتين.
غير أن عبد المهدي يقلل من قدرة الجماعات المسلحة على تعطيل التقارب، قائلاً: "لا أتصور أنها ستنجح في ذلك، فدورها لم يعد مؤثراً كما كان في السابق، وهي في طور تسليم السلاح وإنهاء ملف السلاح خارج الدولة، فهذا الملف يعد ملفاً حاسماً للعراق وهو ماضٍ في حسمه قبل يونيو/حزيران العام المقبل".
وفي السياق، يؤكد العجيلي أن إرث الماضي حاضر وقد يبطئ بعض الخطوات، لكن لا أعتقد أنه قادر على تعطيل العلاقة إذا نجح الطرفان في بناء مصالح واضحة. في النهاية، حاجة البلدين إلى الأمن والتجارة والاستقرار أقوى من إبقاء العلاقة أسيرة خلافات المرحلة السابقة.
يُراهن على زيارة الزيدي لتترجم التقارب السياسي إلى قرارات ملموسة في ملفات الطاقة والحدود والتجارة، وهي ملفات حددها البيان الرسمي الصادر عن الجانب العراقي خلال زيارة اليوم. ويتوقع عبد المهدي أن تأتي زيارة رئيس الوزراء بثمار مهمة لأنها الأولى لرئيس وزراء عراقي لسوريا الجديدة، وبطبيعة الملفات التي يحملها معه خصوصاً بالجانب الاقتصادي والأمني. وأضاف: "من المتوقع أن نشهد قرارات مهمة من الجانبين في هذه المجالات، بالأخص إلغاء التأشيرة وتأمين الطرق ومد أنبوب كركوك-بانياس النفطي وغيرها من الملفات المهمة".
بدوره، يرى العجيلي أن زيارة رئيس الوزراء علي الزيدي إلى سوريا ستكون مهمة بقدر ما تنتج تفاهمات عملية في الأمن والحدود والتجارة والطاقة. وبالنسبة إلى العراق، قيمة العلاقة ليست في كثرة الزيارات، بل في ما تحققه من مصلحة واضحة للدولة العراقية.
ويختتم الحماد بالقول إنه من المتوقع أن تكون زيارة رئيس الوزراء العراقي ناجحة ومثمرة، بسبب حاجة الطرفين إلى اتفاق يعود بالنفع إلى البلدين، حيث يتشاركان المعاناة نفسها.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة