التنفس الفموي أثناء النوم: متى يتحول من عادة إلى علامة مرضية تستدعي القلق؟


هذا الخبر بعنوان "متى يصبح التنفس من الفم علامة مرضية خطيرة؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يُعد التنفس من الفم أثناء النوم لدى البعض ممارسة عابرة، خاصة عند الإصابة بنزلات البرد أو انسداد الأنف. لكن، قد يتطور الأمر لدى آخرين ليصبح نمطًا متكررًا مرتبطًا بمشكلات صحية أعمق في الأنف، مجرى الهواء، أو اضطرابات التنفس أثناء النوم. يؤكد الدكتور أحمد الحاج، استشاري الأذن والأنف والحنجرة، أن تكرار التنفس الفموي ليلاً لا ينبغي اعتباره مجرد عادة، خاصة إذا اقترن بجفاف الفم، الشخير، اضطراب النوم، أو النعاس النهاري. هذه العلامات قد تكون مفتاحًا للكشف عن السبب الكامن وعلاجه.
ويوضح الحاج أن الأنف هو المسار الطبيعي للهواء، حيث يقوم بتنقيته وترطيبه وتدفئته قبل وصوله إلى الرئتين. وعندما يصبح التنفس الأنفي صعبًا، يلجأ الجسم تلقائيًا إلى الفم لسد حاجة الهواء. ومن الأسباب الشائعة لذلك حساسية الأنف والتهاب الأنف المزمن، بالإضافة إلى نزلات البرد والتهاب الجيوب الأنفية التي تسبب احتقانًا يعيق التنفس الأنفي، سواء بشكل مؤقت أو مستمر.
كما قد يعاني البعض من أسباب تشريحية تعيق مرور الهواء، مثل انحراف الحاجز الأنفي أو وجود سلائل أنفية. ويُعد تضخم اللوزتين أو اللحمية سببًا معروفًا، خاصة لدى الأطفال. وقد تساهم السمنة أيضًا في تضييق مجرى الهواء العلوي أثناء النوم. ويُذكر أن التنفس الفموي قد يترافق مع انقطاع التنفس الانسدادي أثناء النوم، وهو اضطراب يتميز بتضيق أو انسداد متكرر لمجرى الهواء ليلاً.
تشير دراسة نُشرت عام 2025 في مجلة "كلينيكال كوزماتيك آند إنفستيغيشنال دنتستري"، وشملت 343 طفلاً في إندونيسيا، إلى أهمية الانتباه لهذه العلامة. فقد وجدت الدراسة أن 41.1% من الأطفال الذين يتنفسون من أفواههم يعانون من اضطرابات التنفس أثناء النوم، مقارنة بـ 9.7% لدى غيرهم. وأكد الباحثون أن التنفس الفموي علامة مرتبطة بهذه الاضطرابات، وليس بالضرورة سببًا مباشرًا لها.
كيف تعرف أنك تتنفس من فمك؟
قد يصعب على الشخص معرفة طريقة تنفسه أثناء النوم. لكن، يوضح الحاج أن هناك علامات قد تلفت الانتباه، أبرزها: الاستيقاظ مع جفاف الفم، الشفتين، أو ألم الحلق، رائحة الفم الكريهة صباحًا، الشخير أو التنفس المسموع، الاستيقاظ المتكرر ليلاً، الشعور بأن النوم لم يكن مريحًا، بالإضافة إلى الصداع الصباحي أو النعاس خلال النهار. وقد يلاحظ أحد أفراد الأسرة أن الشخص ينام وفمه مفتوح، أو أنه يشخر بشكل متكرر. وفي الحالات المصحوبة بانقطاع التنفس، قد يُلاحظ توقف التنفس للحظات أو الاستيقاظ مع شعور بالاختناق.
لا يعني جفاف الفم أو الصداع وحدهما أن الشخص يتنفس من فمه، فهناك أسباب أخرى لذلك. ووجدت دراسة نُشرت في مجلة "جورنال أوف كلينيكال آند إكسبريمنتال دنتستري" أن جفاف الفم عند الاستيقاظ ظهر لدى 45% من البالغين المصابين بمتلازمة انقطاع التنفس أثناء النوم، مقابل 20.4% لدى الأصحاء. لذا، يُعد الجفاف علامة تستحق الانتباه عند اجتماعه مع الشخير أو أعراض أخرى، لكنه لا يكفي بمفرده للتشخيص.
قد يبدو وجود اللعاب على الوسادة متناقضًا مع الاستيقاظ بفم جاف، إلا أن الحالتين يمكن أن تحدثا معًا. ففتح الفم يسمح بخروج اللعاب أثناء النوم، خاصة عند النوم على الجانب أو البطن، وفي الوقت نفسه يزيد مرور الهواء عبر الفم من فقدان الرطوبة والشعور بالجفاف عند الاستيقاظ. وتذكر "كليفلاند كلينك" أن سيلان اللعاب أثناء النوم قد يرتبط بالتنفس الفموي، مع وجود أسباب أخرى له مثل الحساسية والتهابات الجيوب واللوزتين والارتجاع وبعض اضطرابات البلع. ولا يثبت وجود اللعاب على الوسادة أو النوم بفم مفتوح وحده أن الشخص يتنفس من فمه، لكنهما يصبحان أكثر دلالة عند اقترانهما بجفاف الفم أو الشخير أو انسداد الأنف.
يوضح الحاج أن الأطفال قد تظهر لديهم علامات إضافية، مثل الشخير المتكرر، النوم القلق، التنفس من الفم، وصعوبة التركيز في المدرسة. وينصح بالانتباه لهذه العلامات خاصة إذا تكررت ولم تكن مرتبطة بنزلة برد عابرة. ويضيف أن استمرار التنفس من الفم لدى الأطفال قد يرتبط بتغيرات في نمو الوجه والفكين، كما قد يصاحب انقطاع التنفس الانسدادي تأثيرات في النمو الذهني والمعرفي وجودة الحياة.
ماذا يحدث للفم والنوم؟
يوضح الحاج أن إفراز اللعاب يقل طبيعيًا أثناء النوم، ويزيد التنفس من الفم الشعور بالجفاف. ولأن اللعاب يساعد في حماية الأسنان واللثة والحد من نمو البكتيريا، فقد يصاحب جفاف الفم رائحة كريهة ومشكلات في اللثة والأسنان. وينبه إلى أن الأدلة لا تزال غير حاسمة بشأن وجود علاقة مباشرة بين التنفس الفموي وتسوس الأسنان، فلا يصح اعتبار التسوس نتيجة حتمية له، إذ تتداخل عوامل عديدة في صحة الأسنان.
ويشير الحاج إلى أن فتح الفم قد يغير وضع الفك واللسان أثناء النوم، وقد يجعل مجرى الهواء لدى بعض الأشخاص أكثر قابلية للتضيق، فيزداد الشخير ويتقطع النوم، مما قد ينعكس في صورة تعب أو نعاس أو ضعف في التركيز خلال اليوم التالي.
هل تفقد سوائل أكثر أثناء الليل؟
تشير دراسة نُشرت في مجلة "بايوميديكال جورنال" إلى أن التنفس الفموي أثناء النوم قد يرتبط بزيادة فقدان السوائل ليلاً لدى بعض المصابين بانقطاع النفس الانسدادي، مما يقدم تفسيرًا محتملاً للشعور الشديد بالجفاف عند الاستيقاظ. وقارنت الدراسة 60 مريضًا بانقطاع النفس الانسدادي أثناء النوم بـ 15 شخصًا سليمًا، وراقبت فتح الفم وتدفق الهواء خلال دراسة النوم. ووجد الباحثون أن المرضى سجلوا فقدانًا أكبر للماء خلال الليل، وقدّروا انخفاض حجم البلازما بنحو 5.5% لديهم مقابل 3.7% لدى المجموعة السليمة، كما ارتبط ازدياد التنفس الفموي بزيادة فقدان السوائل.
هل لصق الفم حل؟
يحذر الحاج من لصق الفم أثناء النوم قبل معرفة سبب التنفس منه، مع انتشار مقاطع على منصات التواصل الاجتماعي تروج لهذه الممارسة كوسيلة لإجبار الشخص على التنفس من الأنف. ويوضح أن الفم قد يكون المسار البديل الذي يلجأ إليه الجسم بسبب انسداد في الأنف، وبالتالي فإن إغلاقه دون تشخيص السبب قد يكون خطراً. وتدعم هذا التحذير مراجعة منهجية نُشرت في مجلة "بلوس وان" في مايو/أيار 2025، وراجعت 10 دراسات شملت 213 شخصًا عن لصق الفم أو إغلاقه أثناء النوم. وأظهرت دراستان فقط تحسنًا ذا دلالة في بعض مؤشرات انقطاع النفس، بينما ناقشت دراسات أخرى احتمال حدوث أضرار، بينها خطر الاختناق في وجود انسداد بالأنف، وخلص الباحثون إلى أن الأدلة المتاحة لا تدعم الاستخدام العشوائي لهذه الممارسة.
متى يحتاج الأمر إلى علاج؟
ينصح الحاج بمراجعة الطبيب عندما يستمر التنفس من الفم معظم الليالي لعدة أسابيع، أو عندما يصاحبه شخير مرتفع، أو توقف ملحوظ في التنفس أو اختناق أثناء النوم، أو نعاس شديد خلال النهار، أو صداع صباحي متكرر. ويدعو كذلك إلى التقييم الطبي إذا استمر احتقان الأنف أو أعراض الحساسية أو التهاب الجيوب الأنفية، أو تكرر جفاف الفم ومشكلات اللثة والأسنان، إضافة إلى الحالات التي تظهر لدى الأطفال ويصاحبها شخير أو نوم مضطرب.
ويفحص الطبيب عادة الأنف والفم والحلق للبحث عن سبب يمنع التنفس الطبيعي عبر الأنف، وقد يتطلب الأمر دراسة للنوم إذا ظهرت علامات تشير إلى انقطاع النفس الانسدادي. ويؤكد الحاج أن العلاج يعتمد على السبب، فقد يحتاج المريض إلى علاج الحساسية أو الالتهاب، أو معالجة انسداد تشريحي أو تضخم اللوزتين أو اللحمية، بينما تتطلب حالات انقطاع النفس علاجات مخصصة قد تشمل جهاز الضغط الهوائي الإيجابي المستمر (CPAP). كما قد يفيد خفض الوزن الزائد لدى من يحتاجون إليه والاهتمام بصحة الفم والأسنان.
ويظل فتح الفم أثناء النوم أمرًا لا يعني بالضرورة وجود مرض، لكن تكراره مع جفاف الفم أو الشخير أو النوم المتقطع أو أعراض أخرى يجعله علامة تستحق البحث عن سببها، بدل التعامل معها باعتبارها مجرد عادة ليلية.