فرنسا تشتعل: لماذا تفشل الجمهورية في احتواء غضب الشارع؟


هذا الخبر بعنوان "عندما تحترق الجمهورية.. لماذا عجزت فرنسا عن احتواء غضب الشارع؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في مشهد مأساوي، اختتمت أحداث السبت 17 أكتوبر/تشرين الأول 2026 في فرنسا باحتراق مبنى بلدية ليموج التاريخي، بعد أن أضرمت النيران فيه من قبل محتجين. تابع الفرنسيون عبر نشرات الأخبار احتراق هذه التحفة المعمارية التي اكتمل بناؤها عام 1883 على طراز عصر النهضة، محاكاة لمبنى بلدية باريس، أحد أهم رموز التاريخ الثوري الفرنسي. لم تكن ليموج استثناء، فقد شهدت مدن باريس، ليون، مارسيليا، وبوردو موجة واسعة من الاحتجاجات وأعمال التخريب والسطو على المحلات التجارية، حيث قدرت الحكومة الفرنسية الأولية تضرر ثلاثة آلاف محل على الأقل، الكثير منها مشروعات صغيرة يملكها مهاجرون أو فرنسيون من أصول مهاجرة.
كان المشهد أكثر غرابة بالنظر إلى ما سبقه بساعات قليلة. فقد بدأت التعبئة باعتبارها يوما احتجاجيا طلابيا، دعت إليه اتحادات طلابية لتصعيد حراك طلاب الثانويات المستمر منذ أسابيع احتجاجا على تردي البنية التحتية ونقص الأساتذة وتراجع الإنفاق على التعليم. وانضمت إليهم مجموعات من أصحاب السترات الصفراء، الذين أعادتهم موجة الغلاء إلى الشارع بعد سنوات من الاحتجاج على الضرائب وأسعار المحروقات، إلى جانب نقابات ومنظمات يسارية، في مقدمتها حزب فرنسا الأبية بزعامة جان لوك ميلونشون. قدر عدد المشاركين بمئات الآلاف. لكن المواكب التي انطلقت على أنغام الموسيقى والشعارات المطلبية، انتهى كثير منها إلى مواجهات مع الشرطة وعمليات سطو وتخريب واسعة.
وتكرر المشهد ذاته خلال الأيام التالية، لكن النقاش السياسي الفرنسي بدا عاجزا عن فهم ما يحدث أو تجاوز الجدال المعتاد حول ثنائية الأمن والفوضى. أدان الرئيس إيمانويل ماكرون العنف، ودعا إلى التمييز بين المتظاهرين السلميين والمخربين، بينما طالب اليمين التقليدي واليمين المتطرف بتشديد الإجراءات الأمنية. وفي المقابل، اتهمت قوى من اليسار الحكومة بالفشل في إدارة المظاهرات، وحمّلتها مسؤولية تأجيج الغضب الاجتماعي. وبينما انشغلت وسائل الإعلام بصور الحرائق والمحلات المنهوبة، تراجعت إلى الخلفية مطالب مئات الآلاف الذين خرجوا في الأصل احتجاجا على أوضاعهم المعيشية.
لا تعد الاحتجاجات ظاهرة جديدة على فرنسا، فقد كان التظاهر طقسا سياسيا شديد التنظيم في البلاد على مدى نحو قرنين من الزمان. لكن فرنسا، التي امتلكت يوما أحزابا ونقابات قادرة على تنظيم ملايين المواطنين وتوجيه احتجاجاتهم، تحولت اليوم إلى مجتمع تتجدد الاحتجاجات فيه بأعداد هائلة إلا أنه يعجز عن تحويل غضبه إلى حركة سياسية مستمرة ومؤثرة. هذه هي الأزمة الأعمق للجمهورية الفرنسية اليوم، إذ لم يفقد المجتمع قدرته على الاحتجاج، لكنه فقد جانبا كبيرا من الأطر الجماعية التي كانت تحول الاحتجاج إلى فعل سياسي منظم. فقد ازدادت حدة الصراع الاجتماعي في ظل ضغوط اقتصادية متراكمة، لكن الأحزاب والنقابات والمنظمات الجماهيرية التي كانت تمنح هذا الاحتجاج لغته السياسية وآلياته التفاوضية قد تراجعت قدرتها على تمثيله. وبقدر ما انسحبت هذه المؤسسات من حياة قطاعات واسعة من الفرنسيين، أصبح الشارع مساحة تلتقي فيها احتجاجات العمال والطلاب وصغار الملاك والعاطلين عن العمل، مع غضب أبناء الضواحي المهمشة، بل ومع مجموعات لا تحمل مطالب سياسية واضحة. إنها أزمة تمثيل سياسي واجتماعي، بقدر ما هي أزمة أمنية أو اقتصادية.
لفهم هذا التحول، ينبغي العودة إلى التاريخ الطويل للاحتجاج السياسي في فرنسا. فالمظاهرة كما نعرفها اليوم تقليد فرنسي أصيل، تعود جذوره إلى الثورة الفرنسية وما تلاها من ثورات وانتفاضات خلال القرن التاسع عشر. لكنها اكتسبت شكلها الجماهيري المنظم خلال القرن العشرين، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية، مع صعود الأحزاب الجماهيرية والنقابات الكبرى. كان الحزب الشيوعي الفرنسي، على سبيل المثال، عالما اجتماعيا متكاملا، يضم نقابات وتنظيمات طلابية وجمعيات ثقافية وشبكات من العلاقات تمتد من المصانع والأحياء الشعبية إلى البلديات والمؤسسات الرياضية والاجتماعية. وكانت للنقابات الاشتراكية والمسيحية بدورها تنظيماتها الخاصة، وقواعدها من المناضلين، ما منحها قدرة على تعبئة قطاعات واسعة من المجتمع.
لم تكن هذه التنظيمات مجرد أدوات للحشد، بل مؤسسات تنظم حياتهم اليومية وتصوغ مصالحهم وتمنحهم هوية جماعية. وكان العامل الشيوعي أو الاشتراكي يعرف نقابته وحزبه وصحيفته، ويستطيع عبر هذه المؤسسات التعبير عن مطالبه والمشاركة في صراعات سياسية تتجاوز مشكلاته الشخصية. وحتى المواجهات العنيفة بين التنظيمات المتنافسة كانت تجري ضمن صراع سياسي واضح المعالم، له أهداف وأطراف معروفة. ففي يونيو/حزيران 1973، تحولت المنطقة المحيطة بقاعة لا موتواليتيه في باريس إلى ساحة مواجهات عنيفة، بعد أن هاجمت الرابطة الشيوعية تجمعا لتنظيم "النظام الجديد" اليميني المتطرف، وانتهت الأحداث بقرار الحكومة حل التنظيمين.
راكمت الدولة الفرنسية خبرة طويلة في مواجهة الحركات الاحتجاجية وضبط الشارع، وإن لم تخلُ هذه الخبرة من صفحات شديدة الدموية. ففي ليلة 17 أكتوبر/تشرين الأول 1961، وبينما كانت فرنسا تخوض حربها الاستعمارية الأخيرة في الجزائر، خرج آلاف الجزائريين في باريس احتجاجا على حظر تجول فُرض عليهم بصورة تمييزية. وواجهتهم الشرطة الفرنسية بقيادة موريس بابون بعنف بالغ، أسفر عن مقتل عشرات المتظاهرين، وأُلقي عدد من الضحايا في نهر السين.
ومع أن عنف الدولة لم ينتهِ بعد ذلك، فإن العلاقة بين المظاهرات والأجهزة الأمنية شهدت تحولات مهمة، خاصة مع تطور أساليب إدارة الحشود واتساع الرقابة السياسية والإعلامية على ممارسات الشرطة. وكان لحادثة مقتل الطالب مالك أوسكين في ديسمبر/كانون الأول 1986 أثر بالغ في هذا المسار. فقد اندلعت موجة احتجاجات طلابية عارمة ضد مشروع حكومة جاك شيراك لإصلاح الجامعات، بما يسمح لها بممارسة انتقاء أوسع للطلاب بعد حصولهم على شهادة الثانوية، على الطريقة الأمريكية. تعرض أوسكين للضرب المبرح على أيدي شرطيين من الوحدات المتنقلة على الدراجات النارية، رغم أنه لم يكن مشاركا في المواجهات، لتفجر وفاته موجة غضب أجبرت الحكومة على سحب مشروع القانون، وأدت إلى استقالة الوزير المسؤول عنه وحل الوحدة الأمنية المعنية.
كانت هذه الأحداث تكشف عن قوة المؤسسات الجماعية التي تتحرك عبرها الاحتجاجات. وتحول العنف الأمني نفسه إلى قضية سياسية تتبناها قوى منظمة وتجبر السلطة على تقديم تنازلات.
لكن الأسس الاجتماعية التي قامت عليها هذه المنظومة كانت قد بدأت تتآكل بالفعل. فمنذ مطلع الثمانينيات، أخذت فرنسا تدخل مرحلة جديدة من التحول الاقتصادي والسياسي بعد أن اضطر الرئيس الاشتراكي فرنسوا ميتران عام 1983 إلى التخلي عن جانب كبير من برنامجه الاقتصادي التوسعي، والانتقال إلى سياسات التقشف وضبط التضخم والعجز المالي. ثم جاءت موجات الخصخصة وتحرير الأسواق، بالتوازي مع تراجع الصناعات التقليدية التي شكّلت طوال عقود القاعدة الاجتماعية للأحزاب الشيوعية والنقابات العمالية. لقد كان هذا التحول أعمق من مجرد تراجع انتخابي لأحزاب اليسار، حيث فقد الحزب الشيوعي والنقابات العمالية على اختلاف توجهاتها، نفوذها في المدينة الفرنسية. ومع تراجع تلك الأشكال التنظيمية، بدأ المجتمع الفرنسي يفقد شيئا فشيئا اللغة السياسية المشتركة. ثم جاء مشروع التكامل الأوروبي ليضيف قيدا جديدا على المجال المتاح للسياسة الاقتصادية الوطنية. فقد شكّلت اتفاقية ماستريخت عام 1992 لحظة حاسمة في الانتقال نحو الاتحاد الأوروبي والعملة الموحدة، وما رافقهما من تنسيق للسياسات الاقتصادية والمالية. وبينما تبنّت أحزاب الوسط، يمينا ويسارا، هذا المشروع باعتباره مستقبل فرنسا الوحيد، عارضته أحزاب أقصى اليسار واليمين، وعلى رأسها الحزب الشيوعي وحزب الجبهة الوطنية اليميني. وبمرور الوقت، أصبحت الحكومات الفرنسية المتعاقبة ملزمة بالتوفيق بين مطالب ناخبيها والتزاماتها الأوروبية، في ظل انتقال جانب من سلطة القرار الاقتصادي إلى مؤسسات فوق وطنية، مثل المفوضية الأوروبية والبنك المركزي الأوروبي.
كانت احتجاجات عام 1995 لحظة انفجار هذا التناقض. فقد انتُخب الرئيس جاك شيراك في مايو/أيار من ذلك العام على برنامج يعد بمعالجة "الشرخ الاجتماعي" وردم الهوة بين الطبقات، لكنه ما إن وصل إلى الحكم حتى اختار رئيسا للحكومة، ألان جوبيه، تبنّى برنامجا للإصلاح الاقتصادي يهدف إلى تقليص الإنفاق العام وإعادة هيكلة أنظمة التقاعد والضمان الاجتماعي. وجدت النقابات الفرنسية نفسها أمام حزمة من الإجراءات التي تهدد مكاسب اجتماعية راكمتها الطبقة العاملة الفرنسية على مدى عقود. جاء الرد عبر إضرابات واسعة شملت السكك الحديدية وقطاعات النقل والخدمات العامة، وشلّت البلاد لأسابيع. وبلغت التعبئة ذروتها في ديسمبر/كانون الأول، عندما خرجت حشود هائلة إلى الشوارع، بينما استمر توقف حركة القطارات والنقل العام. والمثير أن الرأي العام، رغم تضرره المباشر من تعطيل وسائل النقل، ظل يدعم المضربين بدرجة كبيرة، حتى صاغت الصحافة الفرنسية مصطلح "الإضراب بالوكالة"، للإشارة إلى أن قطاعات واسعة من المجتمع كانت ترى في العمال المضربين ممثلين لمصالحها، رغم عدم قدرتها على الإضراب بنفسها. اضطرت حكومة جوبيه إلى التراجع عن إصلاح أنظمة التقاعد الخاصة في القطاع العام، بينما أبقت على أجزاء أخرى من برنامجها لإصلاح الضمان الاجتماعي. لم تكن الاحتجاجات انتصارا كاملا للنقابات، لكنها كشفت عن قدرتها على تحويل غضب قطاعات متباينة من الفرنسيين إلى حركة جماعية، لها مطالب محددة، وقيادات يمكن التفاوض معها، وقوة سياسية تستطيع إجبار الحكومة على التراجع.
غير أن هذا النموذج الحزبي والنقابي لم يكن شاملا لجميع الفرنسيين. فعلى هامش المجتمع المنظم نقابيا وحزبيا، كانت تنمو أجيال جديدة لم تجد لنفسها مكانا داخل هذه المؤسسات، خاصة في الضواحي الشعبية التي يقطنها أبناء المهاجرين من المستعمرات الفرنسية السابقة. كان هؤلاء فرنسيين من الناحية القانونية، لكنهم عاشوا في أحياء تعاني البطالة والتهميش والتمييز العنصري، بعيدا عن شبكات الحماية التي تمتعت بها الطبقة العاملة التقليدية. ومع تراجع المؤسسات اليسارية التي كانت تتحدث باسم العمال والفئات الشعبية، أصبح كثير من هؤلاء الشباب يواجهون الدولة بوصفها سلطة أمنية، لا بوصفها جهة سياسية يمكن التفاوض معها.
ظهر هذا التناقض بصورة انفجارية في خريف عام 2005، عندما توفي الشابان المراهقان زياد بنّا وبونا تراوري، البالغان من العمر 17 و15 عاما، بعد لجوئهما إلى منشأة كهربائية في كليشي سو بوا هربا من الشرطة. أثارت وفاتهما موجة غضب في الضواحي، تفاقمت بعد وصول الغاز المسيل للدموع إلى مسجد في المنطقة خلال مواجهات مع الشرطة. وفي الوقت نفسه، كان وزير الداخلية آنذاك نيكولا ساركوزي يتبنى خطابا أمنيا متشددا تجاه سكان الأحياء الشعبية، سبق أن عبّر عنه بوعده تنظيف أحد هذه الأحياء بجهاز الغسل بالماء المضغوط "الكارشار". تحولت الضواحي الفرنسية إلى ساحات مواجهات مفتوحة، وأُحرقت آلاف السيارات، وتعرضت مبانٍ ومرافق عامة للتخريب، وبدأت نشرات الأخبار تُفتتح كل صباح بحصيلة السيارات المحروقة في الليلة السابقة، حتى بدا الأمر كأنه منافسة بين مختلف المدن. لكن هذه الموجة كانت بلا قيادة سياسية تستطيع صياغة مطالب المتظاهرين والتفاوض باسمهم. وبدل أن يفتح ذلك نقاشا جادا حول التهميش الاجتماعي والتمييز العنصري، وجد ساركوزي فيه فرصة لتكريس خطابه الأمني، وتصوير الأزمة بوصفها مواجهة بين الجمهورية وفئات ترفض الاندماج في مجتمعها. وهكذا تحولت قضية اجتماعية وسياسية إلى نقاش حول الأمن والهجرة والهوية الوطنية.
يمكن اعتبار أحداث عام 2005 لحظة مبكرة لانكشاف أزمة التمثيل في الجمهورية الفرنسية. لكنها بقيت محصورة بدرجة كبيرة في الأحياء المهمشة، قبل أن تنتقل الظاهرة نفسها، بعد أكثر من عقد، إلى قلب المجتمع الفرنسي التقليدي.
في نوفمبر/تشرين الثاني 2018، اندلعت حركة السترات الصفراء احتجاجا على زيادة مقررة في الضرائب على المحروقات. قدمت حكومة ماكرون الإجراء باعتباره جزءا من سياسة حماية البيئة والحد من الانبعاثات، لكن سكان المدن الصغيرة والأرياف رأوا فيه ضريبة إضافية يدفعها الناس يوميا في طريقهم إلى العمل أو المدرسة أو المستشفى. إنها فرنسا العميقة التي تنهض باكرا، كما يحلو للساسة الفرنسيين مغازلتها: صغار الملاك والحرفيون والمهنيون والعمال والموظفون محدودو الدخل، ممن يعيشون بعيدا عن شبكات النقل والخدمات التي تتمتع بها المدن الكبرى. كانت هذه الفئات تقليديا أقرب إلى يمين الوسط، لكنها وجدت نفسها أمام رئيس يقدم مشروعه السياسي باعتباره تجاوزا لليمين واليسار معا، بينما كانت سياساته الاقتصادية تنعكس على حياتها اليومية في صورة ضرائب وتراجع في القدرة الشرائية. ومع غياب أحزاب ونقابات تشعر هذه الفئات بأنها تمثلها، اختارت تنظيم نفسها عبر منصات التواصل الاجتماعي. بدأ المحتجون بالاعتصام في الدوارات ومفترقات الطرق، مرتدين السترات الصفراء التي يحملها سائقو السيارات لتجنب حوادث الدهس، ثم انتقلوا إلى باريس حيث واجهوا قوات الأمن بالقرب من مراكز السلطة، وعلى رأسها قصر الإليزيه. كان هذا الحراك مختلفا بصورة جوهرية عن إضرابات عام 1995. فقد افتخر المحتجون بغياب القيادات السياسية والنقابية التقليدية عن حركتهم، ورفض كثير منهم الاعتراف بمتحدثين رسميين أو ممثلين يمكنهم التفاوض باسم الجميع. منحهم هذا الشكل الأفقي قدرة هائلة على الانتشار، وسمح بمشاركة فئات لم تكن منخرطة في العمل السياسي من قبل. لكنه جعل الحركة في الوقت نفسه شديدة التشتت، تتفاوت مطالبها من الضرائب والأجور والمعاشات إلى استقالة الرئيس وإعادة بناء النظام السياسي بأكمله. أجبرت السترات الصفراء حكومة ماكرون على إلغاء الزيادة المقررة في ضرائب المحروقات، لكنها عجزت عن تحويل التعبئة الواسعة إلى قوة سياسية مستمرة قادرة على انتزاع تغيير أعمق. وبالتوازي مع تراجع المشاركة، شهدت المظاهرات مواجهات عنيفة مع الشرطة، تعرض خلالها عدد من المحتجين لإصابات بالغة، بينها فقدان الأعين وبتر الأيدي بسبب أسلحة مكافحة الشغب.
لقد كشفت السترات الصفراء أن المشكلة لم تعد تقتصر على أبناء الضواحي المهمشة. فحتى قطاعات من الطبقات العاملة والوسطى، التي كانت تمثل قلب المجتمع الفرنسي التقليدي، أصبحت خارج الأطر الحزبية والنقابية القادرة على ترجمة مطالبها إلى مشروع سياسي. وكانت المفارقة أن هؤلاء الذين رفضوا المؤسسات التقليدية لأنهم لم يعودوا يثقون بقدرتها على تمثيلهم، وجدوا أنفسهم من دون مؤسسات بديلة تستطيع الحفاظ على وحدة حركتهم وتحويل قوتهم في الشارع إلى مكاسب سياسية دائمة.
هكذا نصل إلى 17 أكتوبر/تشرين الأول 2026. بعد ثماني سنوات من احتجاجات السترات الصفراء، وأكثر من عشرين عاما على أحداث الضواحي، وثلاثة عقود على إضرابات عام 1995، تبدو فرنسا وكأنها تجمع نتائج هذه التحولات جميعا في فصل احتجاجي واحد. طلاب يعترضون على تراجع التعليم الحكومي، وعمال وموظفون يئنون تحت ضغوط المعيشة، ومجموعات سياسية يسارية تبحث عن استعادة زمام المبادرة، وشباب من الأحياء الشعبية يعبّرون عن غضبهم بطرق مختلفة، وأفراد يستغلون الفوضى لممارسة السطو والتخريب. ليس هؤلاء جميعا حركة سياسية واحدة، ولا يحملون المطالب نفسها، لكنهم يجدون أنفسهم في الشوارع نفسها، في مواجهة أجهزة الدولة ذاتها.
ما يجعل هذه الصورة شديدة الخطورة هو أنها تأتي في ظرف اقتصادي وسياسي يضاعف أسباب الغضب الاجتماعي. ففرنسا، التي ما زالت تمتلك أحد أكثر أنظمة الرفاه الاجتماعي تقدما في العالم، تواجه ضغوطا متزايدة بفعل شيخوخة السكان وارتفاع نفقات المعاشات والرعاية الصحية ما يقيّد الإنفاق على التعليم والخدمات العامة. وقد تراكمت آثار التضخم منذ الخروج من أزمة كورونا والحرب الأوكرانية، ثم جاءت الاضطرابات الجديدة المرتبطة بالحرب على إيران لتزيد الضغوط على أسعار الطاقة والأسواق العالمية.
وفوق ذلك، تعيش فرنسا أزمة مالية تتجلى في ارتفاع الدين العام وصعوبة ضبط العجز في الموازنة، وسط ضغوط أسواق السندات التي تطالب بعوائد أعلى مقابل إقراض الدولة الفرنسية. ومع غياب أغلبية برلمانية مستقرة، تصبح قدرة الحكومة على تمرير إصلاحات اقتصادية واجتماعية أكثر محدودية، بينما تضيق إمكانات تقديم تنازلات مالية واسعة للمحتجين. وما يزيد الوضع تعقيدا أن هذه الأزمة تأتي في نهاية عهد ماكرون، ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية في أبريل/نيسان 2027، التي لن يستطيع خوضها بعد ولايتين متتاليتين. فقد قام مشروع ماكرون السياسي في الأساس على تفكيك الاستقطاب التقليدي بين الاشتراكيين والجمهوريين، واستقطاب قطاعات واسعة من الحزبين إلى تحالف وسطي جديد. لكنه مع اقتراب نهاية ولايته يترك خلفه نظاما حزبيا أكثر تشتتا، يتنافس فيه اليمين المتطرف بزعامة مارين لوبان وجوردان بارديلا، واليسار الراديكالي بزعامة جان لوك ميلونشون، مع قوى اليمين واليسار التقليديين، على خلافته وإعادة تشكيل المشهد السياسي الفرنسي.
في هذا الظرف، تكتسب كل مظاهرة وكل أزمة أمنية وزنا انتخابيا مضاعفا، وتتحول صور التخريب والحرائق إلى مادة جاهزة للاستقطاب السياسي. فاليمين المتطرف يجد فيها دليلا على انهيار سلطة الدولة والحاجة إلى قبضة أمنية أشد، بينما تحاول قوى اليسار ربطها بالأزمة الاجتماعية وسياسات الحكومة الاقتصادية. لكن الطرفين يواجهان، بدرجات مختلفة، المشكلة نفسها: اتساع المسافة بين التنظيمات السياسية القائمة وقطاعات من المجتمع لا ترى في هذه التنظيمات تعبيرا عن مصالحها أو هويتها.
ما زالت النقابات الفرنسية قادرة على تعبئة ملايين المواطنين، كما أظهرت الاحتجاجات على إصلاح التقاعد عام 2023، وقد أثبتت السترات الصفراء نفسها أن التنظيم الأفقي قادر على تحقيق مكاسب ملموسة. لكن المشكلة تكمن في اتساع الفجوة بين حجم الغضب الاجتماعي والقدرة التنظيمية على استيعابه وتمثيله. فبينما تستطيع وسائل التواصل الاجتماعي جمع مئات الآلاف في الشوارع خلال أيام، لا تستطيع بالضرورة أن تمنحهم رؤية سياسية مشتركة أو مؤسسات تستمر بعد انتهاء المظاهرات. وإذا كان ضعف التنظيم يحد من قدرة المحتجين على تحقيق أهدافهم، فإنه يضع الدولة بدورها أمام مأزق. فالدولة التي اعتادت مواجهة أحزاب ونقابات تستطيع التفاوض معها تجد نفسها أمام حشود لا تملك قيادة موحدة، ولا يمكن إنهاء احتجاجاتها بمجرد توقيع اتفاق مع ممثليها. وفي غياب الوساطة السياسية، تصبح الأجهزة الأمنية الواجهة الرئيسية للدولة في التعامل مع المجتمع، بينما يتراجع النقاش حول المطالب الاجتماعية لصالح النقاش حول استعادة النظام العام. هنا تكمن المفارقة الكبرى. لقد سعت الدولة الفرنسية، على مدى عقود، إلى إضعاف بعض المؤسسات الجماعية التي كانت تحد من حرية الحكومات في إدارة الاقتصاد، من خلال الخصخصة وتحرير سوق العمل وتقليص نفوذ النقابات. لكنها تجد نفسها اليوم في مواجهة غضب اجتماعي أقل قابلية للتفاوض والاحتواء. فالمؤسسات التي كانت قادرة على تعطيل الدولة بالإضرابات كانت، في الوقت نفسه، تمنحها أطرافا واضحة للحوار وقنوات يستطيع عبرها المجتمع ممارسة الصراع السياسي من دون أن يتحول كل احتجاج إلى أزمة أمنية.
وبالعودة إلى حريق بلدية ليموج، يمكن النظر إليه باعتباره أكثر من مجرد واقعة تخريبية. فالمبنى الذي احترق كان رمزا من رموز الجمهورية الفرنسية ومؤسساتها المحلية، لكن كثيرا من المحلات التي نُهبت في الليلة نفسها كانت مصدر رزق لأفراد من الفئات الاجتماعية التي يفترض أن الاحتجاجات خرجت للدفاع عنها. يُروى عن عالم الاجتماع الفرنسي ألان تورين، تعليقا على الأحداث العاصفة التي عرفها الشارع الفرنسي بعد الانتفاضة الطلابية لعام 1968، أنه قال إن ما أنقذنا جميعا من الانزلاق هو أن الديمقراطية الفرنسية لها مؤخرة من رخام، كناية عن صلابة مؤسسات الدولة الفرنسية. كان هذا الكلام في مواجهة تنظيمات جماهيرية مؤدلجة وشديدة التأطير، يمينا ويسارا. اليوم تقف الدولة الفرنسية في مواجهة مجتمع متشظ، فقد الكثير من الأطر التي كانت تنظمه خلال المئة سنة الماضية: لا أحزاب جماهيرية كبرى ولا نقابات بالوزن الاجتماعي السابق. في المقابل، تتخلى قطاعات من الشعب عن أي شكل من أشكال الانتماء الجماعي، ويمارس بعضها السطو عند أول فرصة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة