قطر
سياسة

الدبلوماسية السعودية تقود جهود احتواء الصراع بين واشنطن وطهران: اجتماع طهران خطوة نحو التسوية

الجزيرة٢٨ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٦:٥٠ ص0 مشاهدة
الدبلوماسية السعودية تقود جهود احتواء الصراع بين واشنطن وطهران: اجتماع طهران خطوة نحو التسوية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الدبلوماسية السعودية واختبار التسوية بين واشنطن وطهران" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

يشير الكاتب إلى أن اجتماع طهران، الذي حضره وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان إلى جانب ممثلي تركيا وباكستان والمسؤولين الإيرانيين، يمثل خطوة أولى نحو مسار دبلوماسي قد يؤدي إلى احتواء الصراع الأمريكي الإيراني. وقد أعاد هذا الاجتماع طرح التساؤل حول قدرة القوى الإقليمية على التأثير في مسار الصراع بين الولايات المتحدة وإيران. بعد الاتفاق على مواصلة الحوار لتعزيز السلام والأمن الإقليميين، أصبح التحدي يكمن في ترجمة هذا التوجه إلى خطوات عملية تمنع اتساع المواجهة وتفتح طريقاً إلى تسوية مستدامة.

تنبثق أهمية هذا التحرك من توقيته وطبيعة الدول المشاركة فيه. فالسعودية وتركيا وباكستان تمتلك مصالح مباشرة في احتواء التصعيد، وعلاقات متفاوتة مع طرفي الأزمة، وأدوات سياسية وأمنية يمكن توظيفها لتقريب وجهات النظر. كما أنها تتحرك من منطقة تتحمل تبعات الصراع، وتدرك أن فشل الدبلوماسية سيترك آثاراً تتجاوز حسابات واشنطن وطهران.

تكمن قيمة الدور السعودي في توظيف العلاقات والقدرات لزيادة فرص المسار الدبلوماسي وحماية الاستقرار خلال التفاوض. وقد وفر اجتماع طهران فرصة لمواصلة هذا الجهد، بينما يبقى نجاحه مرهوناً بإرادة الأطراف. يبقى القرار الحاسم لدى واشنطن وطهران: هل تستطيعان تحويل كلفة الصراع إلى حافز لتسوية قابلة للحياة؟

المصلحة السعودية في منع الحرب

تستند المقاربة السعودية، في تقديري، إلى إدراك أن الأمن الوطني يتأثر بما يحدث في الإقليم، حتى عندما تكون السعودية خارج المواجهة المباشرة. فالحروب تهدد طرق التجارة وإمدادات الطاقة، وترفع تكاليف التأمين والنقل، وتؤثر في تدفقات الاستثمار. وهذه كلها عناصر ترتبط بمشروعات التحول الاقتصادي وبقدرة دول المنطقة على التخطيط لمستقبلها. لذلك، فإن التحرك الدبلوماسي لحماية الاستقرار يعبر عن مصلحة وطنية واضحة، إلى جانب مسؤوليته الإقليمية. والسعودية التي تستثمر في تنويع اقتصادها وتوسيع شراكاتها تحتاج إلى محيط يسمح بالتنمية، ويقلل احتمالات المفاجآت العسكرية. وكلما اتسعت شبكة المصالح الاقتصادية، ازدادت أهمية القدرة على احتواء الأزمات قبل تحولها إلى صراعات مفتوحة.

إعلان وتتيح العلاقات السعودية مع الولايات المتحدة، وقنوات التواصل مع إيران، مساحة للعمل على نقل الرسائل وتوضيح المخاوف واختبار المقترحات. غير أن امتلاك هذه المساحة لا يعني القدرة على فرض التسوية؛ فالوسيط يستطيع تسهيل التفاوض، بينما يبقى قرار القبول بالتزاماته لدى الأطراف المعنية.

تركيز المسار وحدود التوقعات

الأجدى قراءة اجتماع طهران ضمن هدف احتواء الصراع الإيراني الأمريكي، ودعم الوساطة وتيسير الوصول إلى اتفاق. فتحديد نطاق التفاوض يساعد على ترتيب الأولويات، ويمنع تحميل جولة واحدة مطالب تفوق قدرتها. وفي الأزمات المركبة، قد يصبح الاتفاق على خطوة محدودة أكثر فائدة من طرح تسوية شاملة تفتقر إلى شروط التنفيذ. وفصل المسارات هنا منهج عملي للتعامل مع اختلاف الأطراف والمصالح وأدوات الحل. إذ يمكن البدء بإجراءات تمنع التصعيد وتقلل احتمالات الاحتكاك، ثم الانتقال إلى القضايا الأعمق. نجاح هذا التدرج يتطلب، مع ذلك، تصورا لما يأتي بعد الخطوة الأولى، حتى لا تتحول التهدئة المؤقتة إلى استراحة تسبق جولة جديدة من المواجهة.

ومن المهم التمييز بين ما أعلنه البيان وما يمكن استنتاجه سياسياً. فمواصلة الحوار نتيجة تستحق البناء عليها، لكنها لا تعني الاتفاق على تفاصيل التسوية. كما أن عمومية الصياغة لا تثبت فشل الاجتماع؛ فقد تعكس مرحلة أولية، أو رغبة في إبقاء مساحة للتفاوض. والحكم يتوقف على الإجراءات اللاحقة. تتيح الوساطة الإقليمية لإيران فرصة لعرض مخاوفها ومناقشة مطالبها عبر أطراف لديها مصلحة في نجاح التفاوض. لكن الاستفادة من الفرصة تتطلب استعداداً لاتخاذ قرارات تتجاوز الترحيب بالحوار.

حلف مكة ووظيفة الدبلوماسية

تكتسب مشاركة دول حلف مكة دلالة إضافية لأنها تجمع بين التعاون الدفاعي والتحرك السياسي. فالحلف يستطيع دعم أمن أعضائه عبر رفع مستوى التنسيق والجاهزية، كما يستطيع الإسهام في منع النزاعات التي تهدد مصالحهم. وتتكامل الوظيفتان عندما تساعد القدرة الدفاعية على توفير بيئة أكثر جدية للتفاوض. ويتيح تنوع علاقات السعودية وتركيا وباكستان توزيع الأدوار والاستفادة من قنوات اتصال متعددة. وقد يساعد حضور مسؤولين دفاعيين وأمنيين في مناقشة المخاوف بصورة عملية، وفهم حدود التصعيد ومخاطر سوء التقدير. لكن تعدد الوسطاء يحتاج إلى تنسيق الرسائل والمقترحات، حتى يمنح الأطراف مساراً واضحاً يمكن التعامل معه. ولا يستلزم توسيع الشراكات الأمنية السعودية التخلي عن العلاقة مع الولايات المتحدة. ففي تقديري، يعكس ذلك رغبة في زيادة الخيارات وتقاسم المسؤوليات وتعزيز القدرة على التحرك المستقل. وتستطيع السعودية الحفاظ على شراكتها مع واشنطن، وفي الوقت نفسه ممارسة دور يهدف إلى تجنيبها والمنطقة كلفة مواجهة واسعة.

إيران أمام حسابات التسوية

تتيح الوساطة الإقليمية لإيران فرصة لعرض مخاوفها ومناقشة مطالبها عبر أطراف لديها مصلحة في نجاح التفاوض. لكن الاستفادة من الفرصة تتطلب استعداداً لاتخاذ قرارات تتجاوز الترحيب بالحوار. فالتفاوض الجاد يبدأ حين يقبل الطرفان البحث في التزامات متبادلة، ويحددان المسائل القابلة للتسوية، والضمانات اللازمة لتطبيقها.

ويكمن أحد التحديات في قدرة القيادة الإيرانية على ضمان التزام مؤسساتها المختلفة بأي تفاهم. فالقرار الدبلوماسي يحتاج إلى انسجام سياسي وأمني يمنع تقويضه بتصرفات ميدانية أو رسائل متناقضة. ومن الصعب بناء الثقة إذا لم يعرف الطرف المقابل ما إذا كانت الالتزامات المعلنة ستترجم إلى سلوك مستقر. وفي المقابل، تتحمل واشنطن مسؤولية تقديم مسار تفاوضي واضح، تكون فيه المطالب محددة والحوافز قابلة للتحقق. فالضغط قد يدفع إلى التفاوض، لكن الوصول إلى اتفاق يحتاج إلى تصور للمقابل الذي سيحصل عليه الطرف الآخر، وإلى استعداد لتنفيذ الالتزامات حين تتحقق الشروط المتفق عليها.

تحتاج التهدئة إلى قنوات اتصال تعمل خلال الأزمات، وتسمح بتوضيح الحوادث قبل اتخاذ قرارات تصعيدية. فالتسويات لا تفشل بسبب الخلافات الكبرى وحدها؛ قد يقوضها حادث محدود، أو تقدير خاطئ للنوايا، أو خطاب يغلق باب التراجع. ولهذا تصبح إدارة مرحلة التنفيذ جزءاً أساسياً من الاتفاق نفسه.

الثقة تُبنى بالتنفيذ

تبدو أزمة الثقة من أعقد العقبات أمام التسوية. وكل طرف يستطيع استدعاء تجارب سابقة لتبرير شكوكه، لكن مطالبة الآخر بإثبات حسن النية كاملاً قبل اتخاذ أي خطوة تعيد إنتاج الجمود. يمكن، من حيث المبدأ، ربط كل إجراء بخطوة مقابلة، ضمن جدول زمني واضح ومعايير متفق عليها. ويشمل ذلك تحديد وسائل التحقق، وقنوات معالجة الخلاف، وما يحدث عند تأخر التنفيذ. فالغموض الذي يساعد أحياناً على إعلان الاتفاق قد يتحول لاحقاً إلى سبب لانهياره إذا اختلفت الأطراف في تفسيره. كذلك، تحتاج التهدئة إلى قنوات اتصال تعمل خلال الأزمات، وتسمح بتوضيح الحوادث قبل اتخاذ قرارات تصعيدية. فالتسويات لا تفشل بسبب الخلافات الكبرى وحدها؛ قد يقوضها حادث محدود، أو تقدير خاطئ للنوايا، أو خطاب يغلق باب التراجع. ولهذا تصبح إدارة مرحلة التنفيذ جزءاً أساسياً من الاتفاق نفسه.

مسارات ما بعد طهران

أمام هذا التحرك ثلاثة احتمالات رئيسية. أولها تقدم تدريجي يفضي إلى تهدئة قابلة للتحقق، ثم مفاوضات أوسع تعالج أسباب الصراع. وهذا المسار يحتاج إلى تنازلات متبادلة وإدارة دقيقة للتوقيت، بحيث لا يشعر أي طرف بأنه ينفذ التزاماته بينما يؤجل الآخر ما عليه. وثانيها تفاهم محدود يمنع الانفجار، لكنه يبقي القضايا الأساسية معلقة. وقد يكون ذلك مكسباً إذا وفر وقتاً لتطوير التسوية، لكنه يصبح هشاً إذا غابت المتابعة. أما الاحتمال الثالث فهو تعثر الحوار وتصاعد الضغوط، بما يزيد خطر سوء الحساب واتساع المواجهة، من دون أن يجعل الحرب نتيجة حتمية.

تكمن قيمة الدور السعودي في توظيف العلاقات والقدرات لزيادة فرص المسار الأول، وحماية الاستقرار خلال التفاوض. وقد وفر اجتماع طهران فرصة لمواصلة هذا الجهد، بينما يبقى نجاحه مرهوناً بإرادة الأطراف. فالقرار الحاسم لدى واشنطن وطهران: هل تستطيعان تحويل كلفة الصراع إلى حافز لتسوية قابلة للحياة؟

شارك الخبر: