فرنسا في مواجهة الظلام: هل ينهار بلد الأنوار تحت وطأة الأزمات؟


هذا الخبر بعنوان "الظلام في بلد الأنوار" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تشهد فرنسا، المعروفة بكونها بلد الأنوار، تصاعدًا في الاحتجاجات وأعمال الشغب التي دفعت الأمن الفرنسي للتدخل. يأتي هذا في ظل مقارنات مع التاريخ الفرنسي، حيث يُقال إن الفرنسيين يميلون إلى هدم وإعادة بناء البيوت على طرازها القديم، على عكس الإنجليز الذين يفضلون الترميم. فهل تجاوزت فرنسا أزمتها الأخيرة أم أنها مقبلة على المزيد من الاضطرابات؟
في 17 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، اشتعلت فرنسا بالمظاهرات، وتوعد الرئيس بمنع التظاهر إلا بشروط، مما أدى إلى مظاهرات في 24 أكتوبر/تشرين الأول خلت من الشغب. لكن يبقى السؤال: هل تجاوزت فرنسا محنتها؟ أصبح بلد إعلان حقوق الإنسان يخشى حرية التعبير، وخاصة التظاهر، الذي غالبًا ما ينتهي بعنف أمني أو عنف شوارع. على عكس طلبة الأمس الذين كان همهم الانعتاق، يخشى طلبة اليوم العودة إلى عام 1939، كما عبر أحد الطلاب، مشيرًا إلى احتمالية انخراط فرنسا في مغامرة عسكرية. بينما كان هم طلبة الأمس المتعة، أصبح هم طلبة اليوم هو ضمان العيش الكريم.
قبل 17 أكتوبر/تشرين الأول، كانت الاحتجاجات ذات طابع قطاعي، تركزت على التعليم وظروفه، وشملت مطالب الطلاب والتلاميذ المتعلقة بتآكل بنيات المؤسسات، ونقص الأساتذة، وانتقاد نظام التوجيه المعروف بـ "باركوسيب". عقد محللون وسياسيون مقارنات مع احتجاجات مايو/أيار 1968، لكن منذ 17 أكتوبر/تشرين الأول وما صاحب الاحتجاجات من عنف وشغب ونهب، اتخذت الأزمة منحى جديدًا، لتصبح أزمة سياسية وثقافية ذات مضاعفات تتجاوز فرنسا، كما أشارت صحيفة ماليزية باللغة الصينية، واصفةً ما يحدث بأنه أزمة أوروبية بؤرتها فرنسا. لم تشذ كبريات الصحف العالمية، من "دير شبيغل" إلى "إلباييس" و"ذي إيكونوميست" و"الديلي تلغراف" و"الوطن" الجزائرية و"العربي الجديد"، عن تغطية الاحتجاجات الفرنسية والتحول الذي طرأ عليها في 17 أكتوبر/تشرين الأول.
كانت الصورة الفارقة لأعمال التخريب هي إحراق مبنى بلدية ليموج، ومكتب السياحة في ليون، وكسر تمثال "ماريان" في بلدية مارسيليا، وأعمال تخريب محلات تجارية في باريس. وعلى خلاف التحليلات التي تربط احتجاجات الطلبة الفرنسية بماضٍ مضى وتقارنها باحتجاجات 1968، فإننا أمام وضعية تشير إلى المستقبل، وإرهاص لتحول كبير في المشهد الثقافي والسياسي في فرنسا وأوروبا. احتجاجات 1968 كانت تصدر عن هاجس الحرية، وكانت احتجاجات شباب مدللين، أما الاحتجاجات الحالية فهي غضب موجه، يسعى أصحابه إلى المساواة والإخاء. صحيح أن هناك تشابهًا في الأسلوب بين مايو/أيار 1968 وأكتوبر/تشرين الأول 2026، والشعارات الجذابة مثل "تغيير الحياة" سابقًا، و"الظلام يسود بلد الأنوار" (Il fait nuit dans le pays des Lumières) أو "العتمة في بلد الأنوار" حاليًا، لكن النص مختلف. كانت فرنسا في القرن الماضي تسعى للحاق بالولايات المتحدة أو منظومة العيش الأمريكية، أما اليوم فهي أقرب إلى العالم الثالث. كان أفق مايو/أيار أحمر، بينما تتأرجح مظاهرات أكتوبر/تشرين الأول بين الأبيض والأسود، كما يظهر في الكوفيات التي يحملها بعض الطلاب، والعلم الفلسطيني الذي يرفرف في التظاهرات.
استخدم الرئيس إيمانويل ماكرون بعد أحداث 17 أكتوبر/تشرين الأول تعبير "التهديد للجمهورية"، وهو تعبير غير مسبوق، بخلاف الحالات السابقة التي كانت تتضمن التلويح بتهديد السير الطبيعي للمؤسسات أو الإخلال بالنظام العام أو تهديد الأمن. لكن "التهديد للجمهورية"، التي هي ليست مجرد نظام بل قيم، أمر جديد. ومع ذلك، فإن بلد الجمهورية، كقيم، لم يعد يستمع لأبنائه بل يواجههم بالقوة، ويضيق على المتظاهرين، بمن فيهم القصر. 7 آلاف من أصل 8 آلاف موقوف تم وضعهم تحت الحراسة النظرية هم من القصر، الذين يدرسون كتاب لابويسي عن "الاستعباد الطوعي" وملخص التسامح لفولتير، ويواجهون واقعًا يمنعهم من التظاهر ويعرضهم لوحشية الأمن. إنه الليل أو العتمة في بلد الأنوار، كما حملت إحدى اللافتات.
هل تستطيع فرنسا أن ترقى إلى عقد اجتماعي يتجاوز الشرخ الثقافي والاجتماعي الذي تعاني منه، أم أنها ستغرق في سياق جديد بلا أفق أو رؤية، لتهدم البيت وتعيد بناءه بالمواصفات القديمة؟ لم يعد "الداء الفرنسي" هو ما وصفه آلان بيرفيت، وزير ديغول، في كتابه "الداء الفرنسي"، والمتمثل في النزوع إلى المركزية، والرئاسة الملكية، وتغليب السلطة على الحرية. بل أصبح الداء يتمثل في ما تستشعره فرنسا حيال جزء من مواطنيها، وهم أبناء الضواحي، أو "الجيل الثالث"، الذين يوصفون أحيانًا بتعابير مهينة كالحتالة والجموع والمارقين والخارجين عن القانون.
فرنسا عام 2026 تختلف عن فرنسا قبل 50 عامًا. أفضل تحليل لها هو ما قدمه عالم الاجتماع جيروم فوكيه في كتابه "الأرخبيل الفرنسي"، حيث وصف المجتمع الفرنسي بأنه يتكون من جزر ثقافية متقاربة جغرافيًا ومتباعدة ثقافيًا، مع غياب "القوارب" والجسور التي تربط بينها، أو وسائل التنشئة التي كانت قائمة سابقًا كالمخيمات والخدمة العسكرية والتعليم. ينطوي المجتمع الأرخبيلي على عنف كامن يمكن أن ينفجر في أي لحظة، فهو وضع قابل للاشتعال. المدرسة، التي كان ينبغي أن تكون العنصر الأساسي لإذابة الفوارق، أصبحت معطلة وتعمق التفاوتات بسبب ازدواجية تعليمية بين قطاع عام متآكل وقطاع خاص لأبناء النخبة. أما العنصر الثاني فهو الأمن، الذي أصبح غير محايد. اضطلعت أدوات الأمن والجيش بدور أساسي في التنشئة وتذويب الاختلافات، لكن الأمن الفرنسي أصبح، كما أشار عالم الاجتماع سباستيان روشيه في كتابه "الأمة غير المكتملة، الشبيبة أمام المدرسة والأمن"، عنصرًا مغذيًا للتوتر. لا تتصرف قوات الأمن بنفس الطريقة في الأحياء الراقية كما في الأحياء "الحساسة" أو المناطق البلدية الحساسة ومع "الملونين". أصبح تعامل الأمن الفرنسي مع المتظاهرين ظاهرة، حيث لا يعرف الأمن الفرنسي، كما علقت "دير شبيغل"، معنى خفض التصعيد أو التناسب. تشكو فرنسا مما يسميه البعض "راديكالية الأمن"، وهذه الراديكالية تغذي راديكالية الشارع، فالأمن في فرنسا هو حامٍ للدولة والسلطة، وليس للمواطنين. الشرطة ليست جزءًا من الحل، وعنفها هو ما يغذي عنف الشارع. الاحتجاجات الأخيرة هي استمرارية لانتفاضة الضواحي عام 2005، والسترات الصفراء في عام 2019، والاحتجاجات التي أعقبت مقتل الفتى نائل مرزوق عام 2023، وهي رد فعل ضد غياب الكرامة وانتفاضة ضد راديكالية الشرطة.
يجري هذا الوضع المضطرب، الذي يسميه الفرنسيون "الحرب الأهلية الباردة"، في سياق داخلي ملتهب ودولي مضطرب. تعاني فرنسا داخليًا من "لعنة المجتمع الأرخبيل"، وهو مصطلح مهذب يخفي واقع الفصل العنصري (الأبارتيد). بالإضافة إلى ذلك، تشهد فرنسا استقطابًا بين اليمين المتطرف الذي يرفع شعار الإقصاء والهوية وخطر الاستبدال والتطهير الثقافي، واليسار المتطرف الذي لا يتورع عن الإشادة بالعنف واستخدامه. يؤجج السياق الدولي الوضع الاجتماعي الهش لشرائح واسعة بسبب ارتفاع أسعار الطاقة وغلاء المعيشة جراء الحرب الروسية الأوكرانية. انقسمت فرنسا جراء تداعيات الحرب على غزة، وتفاقم الوضع في أعقاب الحرب الأمريكية الإيرانية. تشير التظاهرات الأخيرة إلى نهاية مرحلة، وفقًا لعالم الاجتماع جيروم فوكيه، مما يستدعي عقدًا جديدًا. فهل تستطيع فرنسا أن ترقى إلى عقد اجتماعي يتجاوز الشرخ الثقافي والاجتماعي الذي تعاني منه، أم أنها ستغرق في سياق جديد بلا أفق أو رؤية، لتهدم البيت وتعيد بناءه بالمواصفات القديمة؟
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة