لغز يمتد لقرنين: كيف يغرق حوت العنبر السفن؟ العلم يكشف الأسرار


هذا الخبر بعنوان "بعد 200 عام.. العلم يفسر قدرة حوت العنبر على إغراق السفن" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في عام 1820، انطلقت رحلة سفينة صيد الحيتان "إسيكس" بقيادة القبطان جورج بولارد، وعلى متنها الشاب توماس نيكرسون، نحو المحيط الهادئ. ما بدأ كبحث عن الحيتان تحول إلى واحدة من أشهر حوادث غرق السفن في التاريخ البحري. في صباح 20 نوفمبر من ذلك العام، تعرض قارب صغير لهجوم من حوت عنبر، مما أحدث ثقباً في جانبه. وبينما كان نيكرسون ورفاقه يجدفون عائدين إلى السفينة الرئيسية، لمح نيكرسون حوتاً آخر أكبر حجماً يتجه نحو السفينة. سرعان ما انتشر الذعر بين أفراد الطاقم قبل أن تهتز السفينة باصطدام عنيف.
لا يزال تحديد ما إذا كان حوت العنبر قد صدم السفينة عمداً أم عن طريق الخطأ لغزاً صعب الحسم. ومع ذلك، يرجح الباحث توماس جيفرسون، من الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي الأمريكية، أن يكون الصدم متعمداً إذا تكرر الاصطدام أو أظهر الحوت تسارعاً قبل الارتطام. وفقاً لرواية نيكرسون عام 1876، اصطدم الحوت بالسفينة "إسيكس" بقوة، ثم ابتعد وعاد ليحطم مقدمتها، مما أدى إلى غرق السفينة وإلقاء طاقمها في مواجهة مصيرهم وسط المحيط.
هذه الأحداث المروعة ألهمت رواية "موبي ديك" لهيرمان ملفيل عام 1851، بالإضافة إلى أعمال سينمائية مثل فيلم "في قلب البحر". وبعد 175 عاماً من نشر الرواية، يتجاوز السؤال تفاصيل الحادثة التاريخية إلى لغز علمي أوسع: كيف يمكن لحوت العنبر إغراق سفينة تفوقه حجماً؟
يشكل رأس حوت العنبر حوالي ثلث طول جسمه، ويضم دماغه الأكبر بين الحيوانات (9 كيلوغرامات)، بالإضافة إلى بنيتين دهنيتين كبيرتين: عضو العنبر (العلبة) والأكياس الدهنية الأمامية (الجانك). هذه البنيات، التي تكون أكبر لدى الذكور، قد تلعب دوراً في الصدامات خلال التنافس على الإناث. يحتوي عضو العنبر على مادة زيتية شمعية تُعرف بالعنبر، والتي كانت هدفاً رئيسياً لصيد الحيتان لخصائصها الفريدة في الإضاءة والمستحضرات.
على الرغم من استغلاله المكثف، لا يزال العلماء يكتشفون وظائف عضو العنبر الحيوية. تشير الفرضيات إلى دوره في تنظيم الطفو، لكن الأدلة الأكثر رسوخاً تركز على نظامه الصوتي المعقد لتحديد المواقع بالصدى في الأعماق المظلمة. كما يستخدم الحوت أنماطاً صوتية للتواصل، وقد تستطيع الأنثى تقدير حجم الذكر من خلال تحليل هذه الأصوات.
لم تحسم هذه الفرضيات لغز قدرة رأس الحوت على إغراق السفن. لكن إحدى النظريات تفترض أن الهيكل الضخم للرأس، المدعوم بعضو العنبر، قد يؤدي دوراً في القتال، حيث يسمح لذكور الحيتان بنطح الخصوم أو استخدام الرأس كسلاح هجومي قوي. تعود جذور هذه الفكرة إلى القرن التاسع عشر، عندما اقترح أوين تشيس أن مقدمة الرأس قد تعمل كسلاح للصدم، لكن هذه الفرضية قوبلت بتحفظ بسبب حساسية التراكيب الصوتية في الرأس.
بعد قرنين من حادثة "إسيكس"، اختبر علماء الأحياء أفكار تشيس باستخدام الأدلة التشريحية والنماذج الميكانيكية. تشير دراسة عام 2002 إلى أن مقدمة رأس حوت العنبر قد تطورت جزئياً لتؤدي وظيفة شبيهة بكبش الصدم خلال الصراع بين الذكور. كما لاحظ الباحثون سلوكيات التصادم بالرأس لدى أنواع مختلفة من الحيتانيات، وربطوا بين الحجم النسبي للرأس والفروق في أحجام الجسم بين الذكور والإناث.
أظهرت نماذج ميكانيكية أن اندفاع حوت العنبر قد يولد زخماً كافياً لإصابة حوت آخر إصابة خطيرة، مما يدعم فرضية الدور الذي تؤديه بنية الرأس الضخمة في التصادم الجسدي. يستند الباحثون إلى أن الحيتان، كالثدييات المرتبطة بالأيائل والكباش، قد تكون ورثت سلوكيات المنافسة بالصدم عن أسلافها.
رغم أن هذه النتائج لم تحاكي اصطدام حوت بسفينة، يرى توماس أن الأدلة تتيح افتراض قدرة حيتان العنبر على إغراق سفن كبيرة عمداً، وإن كان ذلك نادراً.
في تطور حديث، نجح باحثون في رصد تفاعلات حيتان العنبر عند سطح الماء وتصويرها وهي تتصادم برؤوسها. وثقت دراسة حديثة سلوك التصادم بالرأس عدة مرات لدى حيتان يافعة، مما يدعم فكرة أن الذكور قد تتعامل مع السفينة كما لو كانت ذكراً آخر. تُظهر تسجيلات جوية من جزر الأزور والبليار (2020-2022) أن الحيتان تندفع مقدمة رأسها نحو بعضها البعض، وبلغت قوة اصطدام مسجلة 460 كيلونيوتن لحوت يافع، وقد تصل قوة اصطدام حوت بالغ إلى 1200 كيلونيوتن.
تقدم دراسة عام 2016 تفسيراً محتملاً لاستخدام الحيتان رؤوسها في القتال، مشيرة إلى أن البنية الداخلية للرأس توفر امتصاصاً كافياً للصدمات. تمتص الحواجز المكونة من الأنسجة الضامة داخل الأكياس الدهنية الأمامية إجهادات الصدمة وتحمي الجمجمة من الكسر.
تبرز في السجلات التاريخية ثلاث حوادث شهيرة نُسب فيها تحطيم سفن إلى حيتان العنبر، بخلاف اصطدامها بالقوارب الصغيرة. حادثة السفينة "آن ألكسندر" عام 1851 والسفينة "كاثلين" عام 1902، بالإضافة إلى حادثة السفينة "إسيكس". وفي العصر الحديث، اصطدم حوت ذكر بالغ بسفينة الأبحاث "إم في كاهانا" عام 2007، ورجح تحليل الحادثة أنه كان متعمداً.
يرجح الباحث أن معظم حوادث الاصطدام تقع عرضاً بسبب بطء سباحة الحيتان. لكنه يطرح تفسيرات للاصطدام المتعمد، منها توجيه الذكور عدوانها نحو السفينة بعد تفاعلات تنافسية، أو اعتبارها تهديداً. ويرى أن اصطدام "إسيكس" كان متعمداً على الأرجح، ربما بسبب الصوت الذي يشبه نقرات منافس. بينما حادثة "كاهانا" تتشابه معها في بعض الأوجه.
ظل مصير "إسيكس" من أشهر مآسي النجاة. نجا نيكرسون و19 رجلاً آخرين في 3 قوارب صغيرة، وعانوا من ظروف قاسية قبل إنقاذهم بعد نحو 3 أشهر، لتتحول تجربتهم إلى واحدة من أفظع قصص البقاء في البحر.
تكنولوجيا
تكنولوجيا
تكنولوجيا
تكنولوجيا