الاتفاق التركي الليبي حول الحدود البحرية: مصر تعترض وتتأهب لمواجهة جيوسياسية في المتوسط


هذا الخبر بعنوان "تكتيكي أم إستراتيجي؟ ما وراء غضب مصر من الاتفاق التركي الليبي" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أعادت مصادقة مجلس النواب الليبي على مذكرة التفاهم الخاصة بترسيم الصلاحيات البحرية مع تركيا، والتي وقعت عام 2019، خلط الأوراق الجيوسياسية في حوض شرق البحر الأبيض المتوسط. هذه الخطوة، التي أنهت سبع سنوات من الجمود الليبي الداخلي حول الاتفاقية، فجّرت موجة اعتراضات إقليمية وأوروبية حادة، لتدشن مرحلة جديدة من التدافع الدبلوماسي المعقد حول حقوق السيادة وموارد الطاقة الشائكة.
محددات الرفض المصري:
يستند الرفض المصري، وفقاً لمساعد وزير الخارجية الأسبق السفير فوزي العشماوي، إلى اعتبارات سيادية وقانونية. تعتبر القاهرة التصديق "باطلاً ولا ينتج أي آثار قانونية" لمساسه المباشر بالجرف القاري المصري ومنطقته الاقتصادية الخالصة. وأوضح العشماوي في حديث لبرنامج "ما وراء الخبر" على الجزيرة أن هذا الاتفاق يتعارض مع اتفاقيات الترسيم التي أبرمتها مصر مع قبرص واليونان عام 2020، ويتجاهل خطوة ترسيمها الحدودي الأحادي مع ليبيا.
ترتبط ردة الفعل المصرية الحادة أيضاً بتحولات المشهد الليبي الداخلي. يوضح المحلل السياسي الليبي محمد محفوظ أن الخطوة جاءت مفاجئة للقاهرة لتزامنها مع إسقاط رئيس مجلس النواب السابق عقيلة صالح، الذي عُدّ حليفاً موثوقاً لمصر. وقد أُقرت الاتفاقية في أول جلسة للبرلمان برئاسته الجديدة، وبإجماع ليبي نادر بين معسكري الشرق والغرب (طرابلس وبنغازي).
ويتقاطع ذلك مع معطى فني يؤكده الخبراء، مفاده أن الاتفاقية تمنح مصر مساحات بحرية تتجاوز ما نالته في اتفاقها مع اليونان، كما يقول محفوظ. وعلى صعيد الرد العملي، تحركت القاهرة سريعا بالتنسيق مع أثينا لتوسيع نطاق الاتفاقية البحرية المشتركة في خطوة عُدت ورقة موازنة مضادة. ويعوّل المصريون، وفق العشماوي، على القنوات السيادية والأمنية المفتوحة مع الجانب التركي لضبط التماس ومنع أي احتكاك ميداني محتمل مستقبلاً.
رؤية أنقرة وإستراتيجية التهدئة:
تنطلق أنقرة، حسب أستاذ العلاقات الدولية محمد أوزكان، من رؤية مفادها أن غياب التعاون الإقليمي يحرم جميع الدول المتشاطئة من استغلال ثروات الغاز والنفط. وتصنف تركيا الاعتراض المصري باعتباره "موقفاً تكتيكياً" يمكن تجاوزه بالحوار المستمر وتنامي العلاقات الثنائية، بخلاف الخلاف البنيوي مع اليونان وقبرص.
على المدى الاستراتيجي، ترى أنقرة في تصديق البرلمان الليبي تثبيتاً لدورها كفاعل رئيسي ودائم في ليبيا، لا سيما بعد انفتاحها الدبلوماسي منذ عام 2025 على معسكر الشرق (خليفة حفتر). ولتهدئة المخاوف، يرى أوزكان أن تركيا لن تسارع بإرسال سفن التنقيب إلى المنطقة الاقتصادية في اليوم التالي، بل تستخدم الاتفاق كمظلة لتكريس الاستقرار في ليبيا وتوظيفه كمدخل لبناء شراكة إقليمية تفيد الجميع.
تهدف مذكرة التفاهم البحرية إلى تحديد مناطق الصلاحية البحرية بين ليبيا وتركيا في البحر المتوسط، إذ ترسم خطاً بحرياً يربط بين السواحل الجنوبية التركية والسواحل الشرقية الليبية. كما تتيح المذكرة للطرفين إقرار مناطق اقتصادية جديدة، بما يمنحهما حقوقاً سيادية في التنقيب عن مصادر الطاقة والغاز الطبيعي والنفط واستكشافها شرق البحر المتوسط.
حسابات أوروبا وتوظيف إسرائيل:
أوروبياً، تمسكت اليونان وقبرص والاتحاد الأوروبي ببطلان الاتفاق استناداً إلى أن الجزر اليونانية تقطع الامتداد البحري بين تركيا وليبيا، واعتماداً على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (1982) التي لم تنضم إليها أنقرة. وقد واجهت تركيا ذلك بانتقاد الموقف الأوروبي بوصفه "غير بناء" ويكتفي بتبني الرواية اليونانية.
ويرى أوزكان أن الإدانة الإسرائيلية للاتفاق تندرج في إطار الحسابات الانتخابية والسياسة الداخلية لحكومة بنيامين نتنياهو، مع تحذيرات ليبية -وفق محفوظ- من محاولات تل أبيب استثمار التوتر لتعطيل تقارب دول المنطقة. وتؤكد هذه التحركات المتقابلة أن التصعيد الراهن يمثل -كما يقول المحللون- جولة متقدمة لرفع سقوف التفاوض وتحصين المواقع القانونية والسياسية، إذ يدرك الفاعلون أن استخراج ثروات شرق المتوسط يستحيل في بيئة متوترة، مما يجعل التسوية الإقليمية الشاملة عبر طاولة الحوار خياراً حتمياً مؤجلاً.
منوعات
سياسة
سياسة
سياسة