الخط العربي في كابل: صراع بين الأصالة الرقمية وإرث القلم


هذا الخبر بعنوان "الخط العربي في كابل.. فن عريق يبحث عن جيل جديد" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢١ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في ورشة هادئة بالعاصمة الأفغانية كابل، يغمس الخطاط أمير محمد عثماني قلم القصب في الحبر، ليبدأ رحلة تشكيل الحروف على الورق. تحيط به لوحات أنجزها بأنامله وأدوات تقليدية، في مشهد يعكس حرفة أصيلة تتحدى هيمنة الشاشات والطباعة الرقمية التي تختصر ساعات العمل الطويلة.
ارتبط الخط في أفغانستان تاريخيًا بالفنون الإسلامية والكتابة الفارسية والعربية، خاصة خط النستعليق الذي يحتل مكانة بارزة في التراث الفني للبلاد، إلى جانب خطوط أخرى كالنسخ والثلث والريحان. لكن هذا الإرث الثقافي يواجه واقعًا جديدًا؛ فالأجهزة الرقمية غيرت طريقة كتابة النصوص وتصميم اللوحات، بينما يسعى خطاطون في كابل جاهدين للحفاظ على قلم القصب والورق والحبر كجزء لا يتجزأ من المشهد الفني.
حرفة بدأت من لوحات الشوارع
بدأ أمير محمد عثماني مسيرته في كتابة اللوحات والخط بكابل عام 1994، وتتلمذ على يد عدد من الأساتذة، ليواصل شغفه بهذه الحرفة. انضم لاحقًا إلى جمعية للخطاطين، واستفاد من خبرة الخطاط الأفغاني فيض الله قلمكار، المتخصص في خطوط مثل الثلث والنسخ والريحان، والذي يقيم حاليًا في تركيا. يستخدم عثماني أقلام القصب والحبر والأوراق الخاصة بالخط، بالإضافة إلى الألوان الأكريليكية في بعض اللوحات، حيث قد تستغرق اللوحة الواحدة يومًا أو يومين أو ثلاثة، حسب تعقيدها. يرى عثماني أن هذا الوقت الطويل هو أحد الفوارق الجوهرية بين العمل اليدوي والطباعة الرقمية، التي تنجز التصاميم في وقت قصير وبتكلفة أقل.
التكنولوجيا تقلص مساحة الخطاط
يؤكد عثماني أن التكنولوجيا أثرت بشكل كبير على مهنة الخط وكتابة اللوحات، حيث أصبحت معظم الأعمال التي كانت تُنفذ يدويًا تُجرى الآن عبر الحاسوب والطباعة. تراجع الطلب على اللوحات اليدوية لصالح اللوحات المطبوعة الأسرع والأرخص. فالخطاط قد يحتاج أيامًا لإنجاز لوحة، بينما تنجز المطبعة تصميمًا مشابهًا في دقائق، مما يجعل المنافسة الاقتصادية صعبة. لم يقتصر تأثير التكنولوجيا على الأدوات، بل امتد إلى الدافع لتعلم الخط؛ فالاحتياجات اليومية للكتابة والإعلانات أصبحت تُلبى رقميًا، بينما يبقى الخط اليدوي خيارًا لمن يبحث عن عمل فني مميز. كما أثرت التكنولوجيا على فرص العمل والدخل، مما جعل استمرار البعض في المهنة أكثر صعوبة.
شباب يتعلمون.. وقلة تحترف
في ورشة أخرى بكابل، يراقب أسد الله أميري، الخطاط والمدرب بخبرة 13 عامًا، التحولات التي طرأت على المهنة. يشير أميري إلى أن خط النستعليق يحظى بشعبية واسعة في أفغانستان، ويقبل عليه الشباب لتقديرهم للكتابة الجميلة. لكنه يلاحظ تراجع اهتمام الشباب بالخط مقارنة ببداياته، ويرجع ذلك جزئيًا إلى انتشار التكنولوجيا وتراجع استخدام الكتابة اليدوية. يهدف الكثير من الشباب إلى تحسين شكل كتابتهم وجعلها أكثر جمالًا، وليس بالضرورة أن يصبحوا خطاطين محترفين. يؤكد أميري أن إتقان الخط يتطلب سنوات من التدريب والممارسة، وليس دورات قصيرة، نظرًا لحاجة إتقان الحروف وتوازنها وتركيبها إلى صبر ومتابعة مستمرة. يرى أميري أن الخط يجمع بين الفن والثقافة، وأن تراجع تعلمه قد يؤدي تدريجيًا إلى فقدان جزء من هذا الموروث.
التكنولوجيا ليست نهاية الفن
يضع الخطاط المخضرم سلمان علي أرزكاني هذا التحول في سياق أوسع، معتبرًا أن تطور الحاسوب وبرامج التصميم أثر على الاستخدامات العملية للخط، لكنه لا يعني نهاية هذا الفن. يرى أرزكاني أن تراجع بعض الاستخدامات اليومية للخط قد يدفع الخطاطين إلى التركيز أكثر على الجانب الفني والإبداعي، والاستفادة من التكنولوجيا في مجالات التصميم والتطوير. يؤكد أن البرامج الرقمية لا يمكن أن تحل محل المعرفة الأساسية بالخط، فإتقان قواعده يتطلب تدريبًا وممارسة طويلين. يشير إلى المكانة التاريخية للنستعليق في أفغانستان، وخاصة في ولاية هرات، وحضور الخطوط العربية في تاريخ المنطقة، مؤكدًا أن الخط جزء من تراث ثقافي وفني متراكم. يرى أن تدريب الشباب وتشجيعهم على الاستمرار في ممارسة الخط، إلى جانب مواكبة التطورات الحديثة، عناصر أساسية للحفاظ على هذا الفن.
حلم طالب شاب
على الرغم من حديث الخطاطين عن تراجع الاهتمام، يمثل عزيز الله محمدي، أحد طلاب الخط في كابل، نموذجًا مختلفًا. بدأ محمدي تعلم الخط قبل نحو 6 أشهر، مدفوعًا برغبته في أن يصبح خطاطًا ماهرًا، ويحلم بابتكار أعمال فنية يقدمها للمجتمع. لا يرى محمدي أن التكنولوجيا تعني نهاية الخط اليدوي، بل يعتقد أن لكل منهما مجاله. يرى أن من يريد كتابة شيء عادي يمكنه استخدام التكنولوجيا، بينما يفضل من يريد عملًا فنيًا مميزًا الخط اليدوي. بقاء الخط لا يتطلب منافسة التكنولوجيا، بل الحفاظ على قيمته كعمل فني يحمل بصمة صاحبه.
غياب المؤسسات يفاقم التحديات
إلى جانب التكنولوجيا، يرى عثماني أن ضعف المؤسسات المتخصصة يمثل تحديًا آخر أمام الخطاطين في أفغانستان. يفتقر المهتمون بهذا الفن إلى جمعية متخصصة توفر التدريب وتنظم الدورات وتتيح تبادل الخبرات. يأمل عثماني في رؤية نموذج مؤسسي يتيح للطلاب التعلم على أيدي أساتذة متخصصين، واستضافة خبراء من الدول الإسلامية لنقل خبراتهم إلى الخطاطين الشباب. يرى عثماني أن إحياء الخط لا يتعلق بالفن وحده، بل بالحفاظ على جانب من الثقافة والتراث الإسلامي، محذرًا من أن تراجع الاهتمام قد يؤدي إلى فقدان جزء من هذا الموروث.
بين القلم والشاشة
في ورش كابل، تتجاور أدوات الخط التقليدية مع واقع الطباعة الرقمية التي تهيمن على سوق اللوحات والتصميم. لكن الخطاطين لا يرون أن التكنولوجيا تعني نهاية الفن، بل دفعت الخط إلى البحث عن وظيفة جديدة، من حرفة يومية إلى عمل فني يحتفظ بقيمته الخاصة. ما زال قلم القصب يتحرك فوق الورق في كابل، وما زال هناك طلاب يتعلمون توازن الحروف وتركيبها، بينما يستطيع الحاسوب إنتاج آلاف الكلمات في لحظات. بين قلم القصب وشاشة الهاتف والحاسوب، لا تبدو المواجهة محسومة. قد يخسر الخط بعض وظائفه القديمة، لكنه لا يزال يبحث عن مكان جديد لدى جيل نشأ وسط الشاشات، وربما يكون بقاؤه مرتبطًا بقدرته على الجمع بين إرث الماضي وأدوات الحاضر، ليظل فنًا حيًا لا مجرد ذكرى.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة