القرن الأفريقي على حافة حرب إقليمية: هل تكفي إدارة الأزمات لتجنب الكارثة؟


هذا الخبر بعنوان "إدارة الأزمات لا تكفي لتجنب اندلاع حرب إقليمية في القرن الأفريقي" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يقف القرن الأفريقي على أعتاب حرب إقليمية مدمرة، حيث تهدد صراعات متعددة على المستوى الوطني في إثيوبيا والسودان بالاندماج في صراع واحد بين الدولتين. يمتد خط الصدع الأكثر خطورة على طول الحدود بين إثيوبيا وإريتريا، وقد بلغت احتمالية حدوث مواجهة عسكرية عبر الحدود الآن أعلى مستوياتها منذ الحرب الحدودية التي اندلعت بين البلدين في الفترة من عام 1998 إلى عام 2000. قد تؤدي النداءات الدبلوماسية المعتادة التي تحث أديس أبابا وأسمرة على احترام سيادة بعضهما البعض، مثل تلك التي رأيناها هذا الأسبوع في مكالمة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو مع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، إلى تأخير هذا الانزلاق نحو الحرب، لكنها لن توقفه.
تتطلب معالجة الأزمات الداخلية التي تدفع إلى العدوان الإقليمي، وبدء حوار شامل حول الوصول إلى البحر الأحمر، وإنشاء إطار دبلوماسي قادر على إنفاذ الاتفاقات طويلة الأمد. تعود جذور التوتر بين أديس أبابا وأسمرة بشكل مباشر إلى الأزمة السياسية الداخلية غير المحسومة في إثيوبيا. تولى رئيس الوزراء آبي أحمد منصبه حاملا رؤية لبناء دولة قوية ومركزية، لكن تلك الأجندة توقفت عند اندلاع حرب تيغراي ولم تستأنف بجدية أبدا. لا تزال إثيوبيا منقسمة بسبب الصراع العرقي، والتوترات العميقة بين الحكومة المركزية والولايات الإقليمية، والمعارضة المسلحة من قبل مجموعة كبيرة من المليشيات العرقية، التي أعلنت سبع منها الشهر الماضي عن تشكيل "تحالف البقاء" داعية إلى الإطاحة بآبي أحمد. فقد فشلت مبادرة الحوار الوطني الأخيرة التي أطلقها رئيس الوزراء، وكذلك الانتخابات الأخيرة -اللتان استبعدتا أجزاء كبيرة من المعارضة السياسية والجماعات العرقية- في تقديم الإجابات الموعودة بشأن تشكيل الدولة والعدالة والمساءلة، وهي قضايا لا تزال دون حل منذ توقيع اتفاق بريتوريا الذي أنهى حرب تيغراي 2020-2022.
في مواجهة الضغوط الداخلية المتصاعدة والتحالفات السياسية التي تطالب بإقالته، لجأ رئيس الوزراء إلى شعارات قومية قوية لحشد الدعم الشعبي. وتستند هذه الشعارات إلى سردية إمبراطورية معاد إحياؤها، ومشاريع البنية التحتية الوطنية الكبرى مثل سد النهضة الإثيوبي الكبير والسدود الكهرومائية الإضافية على النيل الأزرق، والمطالبة باستعادة القوة البحرية الإثيوبية من خلال الوصول الدائم إلى البحر الأحمر. كما تم تصوير استعادة الوصول البحري هذا على أنه تصحيح لخطأ تاريخي. وفي حين أن هذه الرسالة تعزز الحماس الداخلي بين جمهور منقسم بخلاف ذلك، فإنها تعكس تهديدا حقيقيا للحكومات المجاورة. فما يعمل كأداة سياسية موحدة داخل إثيوبيا ينظر إليه اليوم على أنه تهديد حاد في إريتريا ومصر والسودان المجاورة. ويخلق هذا الاعتماد على الطموحات القومية الموجهة نحو الخارج دورة غير مستدامة: فالاضطراب الداخلي يغذي الخطاب الإقليمي العدواني، الذي يزيد بدوره من خطر اندلاع حرب بين الدول.
لن يظل النزاع المسلح بين إثيوبيا وإريتريا مجرد نزاع ثنائي، بل سرعان ما سيشمل النزاعات المحيطة، بدءا من السودان. فاستمرار الدعم الإثيوبي لمليشيا "قوات الدعم السريع" السودانية في قتالها ضد الدولة، مقترنا بالمساعدة السودانية المحتملة لقوات إريتريا وتيغراي، سيؤدي بسرعة إلى ربط حركات التمرد الداخلية عبر الحدود في حرب إقليمية موحدة. وفي الوقت نفسه، تظل مصر منخرطة بنشاط في الكواليس، حيث تعمل على بناء تحالفات لموازنة الطموحات الإثيوبية على نهر النيل وفي البحر الأحمر، اللذين ينظر إليهما على أنهما تهديدان للأمن القومي المصري. وقد برز هذا الاستقطاب الإقليمي بوضوح شديد في بيان العلمين الأخير، الذي أعلنت فيه مصر والسودان وإريتريا والصومال، من بين أمور أخرى، أن الدول الساحلية الحالية وحدها هي التي يجب أن تحدد أمن البحر الأحمر. كانت هذه المبادرة جهدا صريحا لعزل إثيوبيا ورفض طموحاتها البحرية، ومع ذلك، فإن البحر الأحمر يعد بالفعل من بين الممرات المائية الإستراتيجية الأكثر ازدحاما في العالم، وهو حيوي للتجارة الأوروبية وموضع نزاع شديد بين القوى الخارجية، بما في ذلك تركيا والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة وإسرائيل وروسيا. وبالاقتران مع التهديدات المستمرة من هجمات الحوثيين والقرصنة الصومالية وتهريب الأسلحة والشبكات المسلحة، فإن أي تصعيد إقليمي سيكون له عواقب عالمية. ومن شأن اندلاع حرب أوسع نطاقا أن تجر أطرافا فاعلة من الشرق الأوسط والمجتمع الدولي إلى الصراع لحماية استثماراتها العسكرية والاقتصادية، مما يزيد من زعزعة استقرار النقل البحري.
لكن الجهود الرامية إلى إدارة هذه الأزمة بمجرد عزل أديس أبابا هي جهود قصيرة النظر ومزعزعة للاستقرار. فإثيوبيا، التي يبلغ عدد سكانها نحو 140 مليون نسمة وتحقق نموا اقتصاديا بمعدل يتجاوز 10%، هي المحرك الاقتصادي الطبيعي والركيزة الأمنية للقرن الأفريقي. ولا يمكن تصور الاستقرار والازدهار الإقليميين دون مشاركتها. ولإثيوبيا حاجة مشروعة إلى وصول مخصص إلى الموانئ التجارية لدعم اقتصادها المتنامي. وإدارة طموحات أديس أبابا في مجال الأمن البحري ليست بالأمر السهل، لكنها لا تقل أهمية. لذلك، يجب أن يبرهن النهج الدبلوماسي الإستراتيجي على الفوائد المتبادلة للتكامل البحري والتجاري الإثيوبي مع بقية المنطقة. ويمكن أن يولد الوصول التجاري المنظم إلى البحر الأحمر عوائد اقتصادية كبيرة لإريتريا والسودان والمنطقة ككل. ومع ذلك، لا يوجد حاليا أي وسيط يعقد اجتماعات بين الأطراف للتفاوض بشأن هذه الترتيبات وتخفيف حدة التوترات المتزايدة. وفي غياب حوار اقتصادي إقليمي جاد، ستستمر طموحات إثيوبيا غير الخاضعة للرقابة وسياسات الاحتواء التي ينتهجها جيرانها في دفع القرن الأفريقي نحو الصراع العسكري.
يتطلب منع نشوب الحرب الاعتراف بأن آليات السلام الحالية لم تعد تعمل. اتفاق بريتوريا قد انتهى، ولا تزال الأعمال العدائية مستمرة داخل إثيوبيا، كما أن استبعاد إريتريا والجهات الفاعلة الإقليمية الرئيسية الأخرى من الاتفاق ترك التوترات الهيكلية دون حل. وينبغي على القادة الإقليميين والوسطاء الدوليين الآن السعي إلى إبرام "بريتوريا 2.0"، مع الحفاظ على المكاسب وروح وقف إطلاق النار الأصلي وتوسيع نطاقه لتغطية الثغرات وأوجه القصور التي ظهرت على مدى 5 سنوات. لا يزال من الممكن منع اندلاع حرب إقليمية، لكن ينبغي النظر إلى الأمر من منظورين تكتيكي وإستراتيجي. وعلى المدى القريب، يجب تجميد المواجهة الحالية بين أديس وأسمرة وينبغي أن يرتب هذا الإطار المتجدد أولويات المصالحة الداخلية داخل إثيوبيا مع التسويات الدبلوماسية الشاملة التي تتضمن إريتريا والسودان ومصر، وأن يؤدي إلى حوار إستراتيجي أوسع يضم جميع الدول المطلة على البحر الأحمر والجهات الفاعلة المؤثرة الأخرى، ويكرس جهوده بشكل خاص لتعزيز الأمن والاستقرار في منطقة البحر الأحمر بشكل عام، مع التركيز بشكل خاص على قضايا مثل حرية الملاحة والقرصنة. لم يعد الرئيس النيجيري السابق أولوسيغون أوباسانجو يحظى بثقة قادة تيغراي، كما يفتقر إلى الطاقة المطلوبة لممارسة دبلوماسية مكوكية مكثفة. يجب على الاتحاد الأفريقي تعيين مبعوث رفيع المستوى يعمل بدوام كامل -وهو رئيس دولة سابق- مدعوم بفريق متخصص لدفع عجلة المفاوضات وتدابير بناء الثقة في جميع أنحاء المنطقة.
تتمتع الولايات المتحدة بنفوذ كبير في المنطقة، لكن سياستها تتطلب إعادة توجيه إستراتيجي فوري. في ظل إدارة ترمب، تعطي واشنطن الأولوية للمعاملات التجارية -بما في ذلك مبيعات طائرات بوينغ، واتفاقيات التعدين، ومناقصات بناء المطارات في أديس أبابا- على حساب الحل المستدام للصراع. وتعد المكالمات الهاتفية الأخيرة التي أجراها وزير الخارجية ماركو روبيو والسفير الأمريكي مع كبار المسؤولين الإثيوبيين استجابةً للأزمة خطوة ضرورية، لكن التدخلات المخصصة لا يمكن أن تحل محل إستراتيجية طويلة الأمد. ينبغي على واشنطن اتخاذ ثلاثة إجراءات فورية: أولا، يجب على الوزير روبيو الاتصال بالرئيس الإريتري أسياس أفورقي وتوجيه نفس الرسالة الحازمة التي وجهت إلى أديس أبابا، مطالبا بالانسحاب الكامل للقوات الإريترية من إثيوبيا والتعاون الكامل مع جهود تخفيف حدة التوتر. وبعد أن رفعت الولايات المتحدة العقوبات عن أسمرة الشهر الماضي، أصبحت الآن في وضع موثوق به يسمح لها بممارسة ضغط متساوٍ على العاصمتين. ثانيا، يجب على الإدارة تعيين مبعوث أمريكي خاص للقرن الأفريقي مكلف بوضع إستراتيجية أمنية شاملة للبحر الأحمر تنسق مع كل من الدول المطلة عليه والأطراف المعنية الخارجية. ثالثا، يجب على المسؤولين الأمريكيين رفيعي المستوى الحفاظ على مشاركة دبلوماسية مباشرة ومستمرة في المنطقة لضمان تنفيذ الالتزامات المتفاوض عليها بمجرد التوصل إليها.
لا يزال من الممكن منع اندلاع حرب إقليمية، لكن ينبغي النظر إلى الأمر من منظورين تكتيكي وإستراتيجي. وعلى المدى القريب، يجب تجميد المواجهة الحالية بين أديس وأسمرة، مع توجيه تحذيرات إلى الداعمين، للامتناع عن تأجيج التوترات وإثارة الصراع. لكن خطر اندلاع حرب إقليمية سيظل يهدد المنطقة إلى أن يتم تطبيق إطار إستراتيجي يعترف بالروابط التجارية والأمنية المشتركة التي تربط دول المنطقة ببعضها البعض، ويجد طريقة لتكامل هذه المصالح ومواءمتها بشكل أفضل من أجل مصلحة المنطقة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة