قطر
ثقافة

عادل حسين: الاستقلال الحضاري شرط النهضة العربية في مواجهة التبعية

الجزيرة١٩ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٣:٠٦ م0 مشاهدة
عادل حسين: الاستقلال الحضاري شرط النهضة العربية في مواجهة التبعية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الاستقلال قبل التحديث.. كيف قرأ عادل حسين أزمة العرب؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لم تكن أفكار المفكر المصري الراحل عادل حسين، الأمين العام لحزب العمل، مجرد حبر على ورق، بل كانت محركًا للحوار بين المفكرين والساسة والأجيال الجديدة، داعيًا إلى فكر عربي إسلامي جديد لتحرير العالم العربي والإسلامي، مع وضع قضية فلسطين في قلبه. امتدت حياته الثرية بين عامي 1932 و2001، وشكلت فترة بالغة الحساسية في تحولات الفكر والثقافة في مصر والعالم العربي. تركز فكر حسين على سؤال الاستقلال السياسي والاقتصادي، مؤكدًا أن نبذ التبعية الاقتصادية هو الشرط الأول، وأن هذا الشرط لا يكتمل إلا ببناء رؤية عربية إسلامية متميزة. طور هذا التصور لاحقًا عبر مفهوم "الاستقلال الحضاري"، معتبرًا إياه شرطًا للتنمية المستقلة. اعتمد منهجًا تأصيليًا في مشروعه الفكري، مبدعًا نظريًا في مناقشة النظريات السائدة في الاقتصاد والاجتماع، ورفض ادعاء عالميتها. قدم أطرًا وقواعد لتجارب تنموية مستقلة في دول العالم الثالث، دون انتظار نظريات بديلة كالماركسية والرأسمالية. استخدم مصطلحي "الممارسة النظرية" و"المناهج" بحثًا عن الخاص العربي والإسلامي بين النظريات العامة. لخصت مسيرته الفكرية التفاعل بين ثلاثة أجيال فكرية في الحركة الوطنية المصرية: الجيل الأول الذي تركز على طرد الاحتلال البريطاني قبل 1952، والجيل الثاني الذي اهتم بالاستقلال الاقتصادي والتنمية والوحدة العربية في المرحلة الناصرية، والجيل الثالث الذي انتمى إليه عادل حسين، مؤكدًا أن تحقيق الاستقلال والنهضة يتطلب العودة إلى الأصول الحضارية العربية والإسلامية وتشكيل سلطة وطنية ديمقراطية.

لفهم فكر عادل حسين وتقييمه، لا بد من مراجعة الأحداث الكبرى التي عايشها. فقد شدد على أنه "طور ويطور مفاهيمه ومناهجه أثناء ممارسته النظرية الطويلة". بعد الاحتلال البريطاني لمصر عام 1882، انفتحت مصر قسريًا على الغرب، مما سرّع الحراك الفكري والسياسي. ظهرت أعمال جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، ثم تحركات مصطفى كامل ومحمد فريد. تلتها ثورة 1919 وحزب الوفد، ثم الأحزاب الاشتراكية، وكتابات مفكري عصر النهضة الليبرالي كطه حسين وأحمد لطفي السيد وعلي عبد الرازق. تشكلت جماعة الإخوان المسلمين وحركة مصر الفتاة. أدت الحرب العالمية الثانية إلى إضعاف المستعمر البريطاني، وبرز قرار الاستقلال وطرد قوات الاحتلال. ارتبط مفهوم الاستقلال في تلك الحقبة بتحرير الأرض وطرد المحتل، بينما لم يتبلور البعد الحضاري الفكري للاستقلال في مراحله المبكرة.

بعد تحقيق الاستقلال السياسي الكامل في مصر عام 1956، والذي سبق الوعي العام بضرورة الاستقلال الحضاري، انفتح عادل حسين على مدارس التحليل الماركسي، ودراسة الاقتصاد والاجتماع، وترسخ لديه الإيمان بالعدالة الاجتماعية. انضم إلى الجيل الذي اختار الماركسية إطارًا للإجابة عن أسئلة الاستقلال والتنمية. خلال الخمسينيات والستينيات، دار جدل حول طبيعة النظام السياسي في مصر، وتصادمت رؤى نخب الحكم مع تيارات فكرية مغايرة. تعرض عادل حسين للاعتقال، مما عزز تحوله من الدفاع عن الحرية إلى الدعوة لبناء نظام سياسي ديمقراطي يضمنها.

في مرحلة الاستقلال الحضاري، تلقى عادل حسين وجيله صدمة هزيمة 1967، وما تبعها من ارتداد على مستوى السيادة والاستقلال الوطني. نظر حسين إلى تراجع تجربة التحرر الناصرية باعتباره انتكاسة عربية. طرح قضية الاستقلال والتبعية كأساس للاختلاف والصراع الفكري، ونبه إلى خطر رفع سيطرة الحكومة الوطنية عن التجارة والشركات لصالح سيطرة الحكومات الأجنبية. عمل حسين على كشف الانحيازات الحضارية للنظريات الاقتصادية والاجتماعية الغربية، وطرح رؤى علمية وحضارية بديلة. في هذه المرحلة، أصدر كتابه "الاقتصاد المصري من الاستقلال إلى التبعية (1974-1979)"، ليكشف الآليات التي أدت بالاقتصاد المصري إلى الارتداد من الاستقلال إلى التبعية، مركزًا على الديون. طور رؤاه باتجاه وضع أسس ومناهج لبناء فكر عربي جديد يُحيّد التأثيرات الفكرية المنحازة حضاريًا ومنهجيًا إلى الغرب، وذلك في كتابه "نحو فكر عربي جديد" (1985).

حان وقت بلورة رؤية فكرية ونظرية متكاملة، فكتب عن "الإسلام الحضاري"، وعن الارتباط بين الدين والتراث والتنمية والنهضة. حدد ملامح النظام السياسي القادر على تحقيق النهضة وحماية الاستقلال. عبرت كتبه اللاحقة عن أفكاره الناضجة في تلك المرحلة. شهدت هذه الفترة حوارًا ثريًا بين النخب لتشكيل نسق نظري قادر على الإجابة عن أسئلة النهضة الفكرية الشاملة. أكد طارق البشري أن عادل حسين ومحمد عمارة وآخرين خرجوا من هذا الحوار بترابط فكري كثيف يعتبر أن الاستقلال الوطني ليس سياسيًا أو اقتصاديًا فقط، بل يجب أن يُستكمل بـ"استقلال حضاري ثقافي"، وأن الإسلام ليس عقيدة دينية فقط، بل هو الثقافة السائدة في المجتمع، وأن قيام نظام ديمقراطي حقيقي يتطلب أن يكون الإسلام هو الثقافة العامة والمرجعية الأساسية.

اعتبر عادل حسين أن الاستقلال الوطني هو القيمة العليا، والتحرر من التبعية هو المبدأ الحاكم لإمكانية النهضة. شدد على أن السؤال الآن يجب أن يكون عن شروط الاستفادة وشروط التفاعل، وليس عن جدوى التفاعل. يرى حسين أن الاستقلال لا يعني الانعزال، لكنه يضمن وضع قواعد تمنع تحول العلاقات الخارجية إلى سيطرة مطلقة. أكد أن الاستقلال الوطني مرهون بتحقيق التنمية والتخلص من التبعية في الاقتصاد، وهذا بدوره مرهون بـ"الوحدة العربية". انتقد مفهوم صراع الحضارات لصمويل هنتنغتون، وشدد على ضرورة الحوار والتفاهم، وانتقد تجاهل هنتنغتون للأثر السلبي لسيطرة الغرب على علاقاته الدولية.

لم يركز عادل حسين على التنمية المستقلة فحسب، بل قدمها في إطار نظرية متكاملة للاستقلال الحضاري. فالاستقلال الحضاري "يدخل ضمنه كل ما أبدعه ويبدعه البشر ويمارسه الإنسان لإشباع حاجاته المادية والفكرية والروحية". شدد على أن النهضة لا يمكن أن تتحقق إلا بمشروع إسلامي محوره العالم العربي، نظرًا لمكانة الكتلة العربية ودور اللغة العربية. حذر من النظر إلى الاستقلال الحضاري كمشروع للحاق بالعرب بالحضارة الحديثة، أي بناء حضارة غربية يتكلم أهلها العربية، مؤكدًا على الفرق بين التنمية المستقلة والتحديث. يمثل مفهوم الاستقلال الحضاري أساسًا لنظرية تنمية متكاملة بديلة للنظريات الليبرالية والماركسية. يرى أن التنمية في الفكر الحضاري العربي والإسلامي ذات طابع اقتصادي واجتماعي وإنساني، ترتكز على الفطرة والقيم الدينية والأخلاقية، على عكس التنمية الغربية ذات الطابع الاقتصادي المادي. يشمل مفهوم الاستقلال الحضاري تجارب النهوض في دول العالم الثالث، مثنيًا على نموذج الممارسة النظرية المستقلة لماو تسي تونغ. يرفض اعتماد مفاهيم مثل متوسط دخل الفرد ومعدل النمو مقياسًا للتنمية، لأنها لا تتسق مع مفهوم التنمية الحضارية المستقلة. يعتمد على السوق المحلي كعملية داخلية، محذرًا من فخ الديون وضرورة اعتماد نمط استهلاكي يتلاءم مع الثقافة الإسلامية.

تميزت كتابات عادل حسين بالتكامل لتقديم رؤى نظرية لمشروع فكري شامل للنهضة والتحرر العربي والإسلامي. أكد أن الاستقلال السياسي والاقتصادي والتخلص من التبعية هي أسس بناء مشروع حضاري نهضوي عربي إسلامي. قدم رؤية فكرية لبناء النظام السياسي القادر على تحقيق النهضة والتنمية، وتوفير المشاركة والحماية الشعبية. ناقش قضية استيراد النماذج الكلية الجاهزة للنظم السياسية، ورفض استيراد الليبرالية أو النموذج السوفياتي أو الصيني. أرجع قيام حكم شمولي في بعض الدول إلى الفكر السياسي المستورد من النظم الشيوعية. يرى أن المنطق يقتضي أن تضع النخبة أجهزة الدولة في خدمة هدفها الساعي إلى توحيد الإرادة المستقلة للأمة العربية. جوهر الديمقراطية السياسية هو استيعاب أغلب العناصر المؤهلة للقيادة في هذا المشروع. حذر من الدور الغربي الذي يحول الديمقراطية إلى أداة للتبعية. الديمقراطية الأصيلة عنده ليست مجرد انتخابات وبرلمانات، بل دولة مؤسسات متكاملة تعمل في إطار مجتمع مدني واسع. المؤسسات المنتخبة والمجتمع المدني هما درع قادر على منع طغيان المؤسسات العسكرية والأمنية. الهواجس الأمنية للأنظمة الوطنية هي في نظره وهمية أو ذريعة لتبرير الاستبداد. دعا إلى فتح باب المشاركة الواسعة أمام النخب الوطنية، والسماح بتجدد النخبة الحاكمة وتغييرها.

في تجربته الختامية مع حزب العمل (1984-2000)، وضع مشروعه الفكري في تماس مباشر مع الواقع الميداني. أسهم الحزب في تركيب العقيدة المركبة (الإسلامية والقومية)، وعالج من خلالها كل القضايا المعاصرة، مستهدفًا إنشاء أيديولوجية للأمة. ضم الحزب كوادر من مشارب واتجاهات متعددة، مما شكل نموذجًا معبرًا عن فكرته القائلة إن للحضارة الإسلامية مفهومًا واسعًا لا يقتصر على المسلمين. تأثرت هذه الحالة بالواقع، ثم أثرت فيه، حيث صار حزب العمل شريكًا للإخوان المسلمين في تحالفاتهم الانتخابية، ويُنسب إليه صياغة شعار "الإسلام هو الحل". تولى عادل حسين رئاسة تحرير صحيفة "الشعب"، ودارت الصحيفة في عهده معارك حادة مع نظام مبارك. في ربيع عام 2000، قادت "الشعب" حملة على رواية "وليمة لأعشاب البحر"، مما أدى إلى تجميد الحزب ووقف الصحيفة. رحل عادل حسين في 15 مارس/آذار 2001، وظلت قضية تجميد الحزب ووقف الصحيفة منظورة أمام القضاء.

شارك الخبر: