إعصار الجوع: تهديد بنيوي لعالمنا العربي ومستقبل الأمن الغذائي


هذا الخبر بعنوان "ماذا يحمل "إعصار الجوع" لعالمنا العربي؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في عالم تتشابك فيه الجيوسياسة والسعي للقوة، يبرز الأمن الغذائي والتحكم في مصادر الغذاء كعنصر قوة أساسي، على غرار القوة الناعمة. وعلى النقيض، يمثل انعدام الأمن الغذائي مصدر ضعف يهدد الدول والمجتمعات. تُعرف هذه الظاهرة الجديدة بـ"إعصار الجوع" (Hunger Hurricane)، وهو مصطلح استُخدم لأول مرة بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في أدبيات الأمم المتحدة. يشبه هذا الإعصار ظاهرة تضرب بلا تمييز، وتتخذ أشكالاً متعددة كعدم انتظام الأمطار، وشح المياه، والجفاف، وتقلص الأراضي الزراعية، والحرائق، وكلها عوامل تؤثر سلباً في الإنتاج الزراعي. يختلف "إعصار الجوع" عن المجاعة التي قد تكون حالة طارئة ناجمة عن سنة جفاف، أو ندرة حبوب، أو سوء سياسات غذائية، أو حروب. لكن "إعصار الجوع" ليس حالة طارئة، بل هو ظاهرة بنيوية، وهذا يكمن في خطورتها.
يعزو الخبراء هذه الظاهرة في المقام الأول إلى التغيرات المناخية، وما يصاحبها من احترار، وجفاف، ونقص في تدفق الأنهار، وشح المياه الجوفية. وقد شهدت أوروبا درجات حرارة قياسية هذا الصيف، مما أثر في تدفق أنهار كـ"السين"، و"الراين"، و"التايمز"، و"الدانوب"، و"إلب"، كما تقلصت مساحات البحيرات ومخزونها المائي. وفي المناطق شبه القاحلة كشمال أفريقيا، تتفاقم الخطورة مع شح الأمطار وعدم انتظامها، واستنزاف المياه الجوفية بسبب زيادة السكان، وارتفاع الاستهلاك، وسياسات زراعية مستهلكة للمياه وموجهة للتصدير كما في المغرب ومصر، أو سياسات سياحية مفرطة تستهلك المياه على حساب الزراعة.
تواجه دول عربية كاليمن والسودان، ومناطق في سوريا، وضعاً غذائياً كارثياً، تفاقمه الاهتزازات السياسية. ويزيد "إعصار الجوع" من استفحال المشكلات السياسية، مما يخلق علاقة جدلية بين الأوضاع السياسية والجوع. ويحذر الخبراء من إعصار "النينيو"، وهي ظاهرة دورية تتميز بارتفاع حرارة مياه المحيط الهادئ، وتؤدي إلى فيضانات مدمرة في بعض المناطق وجفاف وحرائق في مناطق أخرى. ومن المتوقع أن يبدأ تأثير "النينيو" في أكتوبر/تشرين الأول حتى الربيع المقبل، مما يذكر بإعصار سابق في عامي 1876 و1878 خلف موجات جفاف ومجاعة في الصين والهند. ومن المحتمل أن يكون الإعصار المقبل أقوى وأثره أكبر، وقد بدأت آثاره تظهر في بيرو، والهند، وإندونيسيا، وفيتنام، ومن المتوقع أن تؤثر بشدة في المواد الأساسية.
تضاعف الحروب وتداعياتها من خطر "إعصار الجوع". فقد أثرت الحرب الروسية الأوكرانية في الأمن الغذائي العالمي، سواء في الإنتاج بسبب تضرر الأراضي الزراعية، أو في التوزيع بسبب الحصار على الموانئ. وكانت روسيا وأوكرانيا تنتجان 30% من الحبوب عالمياً. كما تفاقم الوضع الغذائي جراء الحرب في الخليج وإغلاق مضيق هرمز، مما أثر في أسعار المحروقات وتقلص نقل الأسمدة والمواد الأساسية للزراعة. وقد حذر الخبير الاقتصادي ماكسيمو توريرو من منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "الفاو" من صدمة كبرى في سيولة البضائع وتداعياتها على الأمن الغذائي والإنتاج الزراعي والأسواق العالمية. وتستحوذ دول الخليج كالسعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة والبحرين على ثلث الإنتاج العالمي من الأسمدة النيتروجينية، و50% من الكبريت. ويتأثر المغرب بتداعيات عدم تسويق هذه المشتقات الضرورية للزراعة، إذ تضاعفت أسعار حمض الكبريتيك عشر مرات، مما ينعكس سلباً في سوق التصدير المغربية للفوسفات الممتاز.
يرى الاقتصادي توريرو أن إغلاق مضيق هرمز لا يشكل صدمة طاقة فحسب، بل صدمة نظامية شاملة للاقتصاد العالمي. ومن شأن الحصار على الأسمدة أن يؤدي إلى اختلالات جمة في الإنتاج والمردودية، خاصة للحبوب التي تحتاج إلى الأسمدة كالقمح في مصر والأرز في الهند، ويؤدي إلى انخفاض إنتاج الدول الزراعية المصدرة كالبرازيل ودول أفريقية جنوب الصحراء كالصومال وتنزانيا وموزمبيق وكينيا. وتقلصت الصين صادراتها من الأسمدة بسبب النقص العالمي. وحسب تقرير "الفاو" في مارس/آذار من هذا العام، فإن مئات الملايين قد يواجهون انعدام الأمن الغذائي. وتتضاعف الصدمة الغذائية بفعل المضاربة، التي تهيمن عليها بنى مالية منظمة تحتكر الأسواق الغذائية، وتستفيد من تأجيج الأزمة لمضاعفة أرباحها.
إن ظاهرة "إعصار الجوع" معقدة، ولا تقتصر على التغيرات المناخية والحروب وارتفاع أسعار المحروقات، بل ترتبط بالمدخلات الزراعية، والأسواق الزراعية، والتوزيع، والوساطة. ومن أعراضها التضخم والندرة. وتؤدي هذه الظاهرة إلى تفاقم الغضب والتوترات الاجتماعية ذات المضاعفات السياسية، وتعد من أهم العناصر المغذية للهجرة. ويتعين على الدول الزراعية العربية كالمغرب والجزائر وتونس ومصر والسودان وسوريا والعراق، إعادة النظر في سياساتها الغذائية، وترشيد استخدام المياه، والحد من الزراعات المستهلكة للمياه، واعتماد سياسة تخزين تحسباً للطوارئ. وتغدو السيادة الزراعية أمراً ملحاً، والأمن الغذائي ضرورة قصوى، لتجنب الاعتماد المطلق على السوق الدولية، والحد من هيمنة لوبيات التوزيع، وإلا فإن الدول ذات الكثافة السكانية مقبلة على اهتزازات اجتماعية غير مسبوقة.
اقتصاد
اقتصاد
سياسة
اقتصاد