قطر
سياسة

آلاف التونسيين يتظاهرون مجددًا للمطالبة برحيل السلطة واستعادة الحريات

الجزيرة١٧ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٥:٢٤ م0 مشاهدة
آلاف التونسيين يتظاهرون مجددًا للمطالبة برحيل السلطة واستعادة الحريات

تنويه

هذا الخبر بعنوان "طالبوا برحيل السلطة واستعادة الحريات.. آلاف التونسيين يحتجون من جديد" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

شهدت العاصمة التونسية، يوم السبت، مسيرة احتجاجية حاشدة بمشاركة آلاف التونسيين من قوى نقابية ومدنية وسياسية معارضة. رفع المتظاهرون شعارات تطالب برحيل السلطة وإسقاط ما وصفوه بـ"منظومة الفشل"، إلى جانب الدعوة إلى استقلال القضاء واحترام الحقوق والحريات والإفراج عن الموقوفين على خلفية قضايا سياسية وحقوقية ومدنية. انطلقت المسيرة من ساحة محمد علي، أمام مقر الاتحاد العام التونسي للشغل، مرورًا بساحة الجمهورية، وصولًا إلى شارع الحبيب بورقيبة. احتشد المشاركون هناك ورفعوا شعارات تطالب باحترام العمل النقابي وضمان المحاكمة العادلة، ورفض التضييق على الحريات. شاركت في التحرك منظمات وطنية وفعاليات من المجتمع المدني وقوى سياسية معارضة، في مشهد جمع مطالب سياسية وحقوقية واجتماعية وبيئية، من بينها المطالبة بوقف التلوث في مدينة قابس وتفكيك وحدات المجمع الكيميائي.

في كلمة أمام المتظاهرين بشارع الحبيب بورقيبة، دعا الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل صلاح الدين السالمي إلى توحيد الصفوف، مؤكدًا أن "الصمت لم يعد مقبولًا، والترهيب لا يمكن أن يكون سياسة حكم"، وأن المشاركين جاؤوا لأن "الانتظار لم يعد ممكنًا". شدد السالمي على ضرورة أن تكون تونس دولة تحترم مواطنيها، وتضمن استقلال القضاء، وتوفر اقتصادًا يفتح الآفاق أمام الشعب، وحكمًا يخضع للمساءلة. وانتقد ما وصفه بالخيارات السياسية الخاطئة والشعبوية، معتبرًا أن السنوات الخمس التي تلت إجراءات 25 يوليو/تموز 2021 لم تحقق النتائج الموعودة. وأشار إلى أن الشعارات التي رُفعت خلال تلك الفترة تلاشت مع مرور السنوات، وأن الحياة السياسية تعرضت للتجريف، مع تهميش الأحزاب والمنظمات الوطنية. وأكد السالمي أن مشاكل تونس يجب أن يحلها التونسيون بأنفسهم، رافضًا أن تتحول البلاد إلى حارس لحدود الآخرين، أو إلى ملف تناقشه قوى خارجية. وتعكس كلمة الأمين العام للاتحاد توجّهًا نحو استعادة دور المنظمة النقابية في المشهد العام، في وقت تتقاطع فيه الخلافات السياسية مع مطالب اجتماعية وضغوط اقتصادية، وسط تباين في تقييم السلطة ومعارضيها لمسار البلاد منذ عام 2021.

من جانبه، قال الأمين العام لحزب العمال التونسي حمة الهمامي إن المسيرة تأتي بعد ما أسماه "انتفاء مقومات بقاء المنظومة الحالية"، متهمًا إياها بإنتاج الفقر والجوع والسجون. وأضاف الهمامي أن التحرك يندرج ضمن تراكم الحراك الاحتجاجي المناهض للسلطة والداعي إلى رحيلها، قائلاً إن النظام دمّر حياة التونسيين وألحق الضرر بأوضاعهم الصحية والتعليمية والمعيشية. وتأتي هذه المواقف في سياق خلاف سياسي بشأن مسار البلاد منذ إجراءات 25 يوليو/تموز 2021، التي أعقبتها تغييرات في مؤسسات الحكم والنظام السياسي. وبينما تقدم السلطة مسارها باعتباره توجهًا نحو إعادة بناء المؤسسات ومكافحة الفساد، ترى أطراف معارضة أن هذه التغييرات أضعفت التعددية السياسية وضيقت المجال أمام الأحزاب والمنظمات المدنية.

حضر ملف الحريات والموقوفين بقوة في المسيرة، إذ رفع مشاركون صور عدد من الموقوفين، بينهم نشطاء من أسطول الصمود وسعدية مصباح، إلى جانب أشخاص موقوفين على خلفية نشاطهم المدني. كما شاركت النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، ممثلة بنقيبها وعدد من أعضاء مكتبها التنفيذي، ورفعت شعارات تطالب بإطلاق سراح الصحفيين محمد اليوسفي وزياد الهاني، والتمسك بحرية التعبير. وجاءت هذه المطالب إلى جانب الدعوات إلى استقلال القضاء وضمان المحاكمة العادلة واحترام الحقوق والحريات، في تعبير عن اتساع الملفات التي حضرت في التحرك، من حرية العمل الصحفي والنشاط المدني إلى دور القضاء في ضمان الحقوق. ولم تقتصر الشعارات على القضايا السياسية والحقوقية، إذ رفع مشاركون مطالب تتعلق بالأوضاع البيئية في قابس، حيث تتواصل الاعتراضات على التلوث المرتبط بالنشاط الصناعي للمجمع الكيميائي ومطالب السكان بحماية صحتهم وبيئتهم. ويكشف تنوع هذه الشعارات عن التقاء ملفات مختلفة داخل المسيرة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة تطابق مواقف جميع الأطراف المشاركة بشأن سبل التغيير أو أولوياته.

في السياق نفسه، قال عميد المحامين التونسيين بوبكر بالثابت، إن عمادة المحامين ملتزمة بالدفاع عن الحقوق والحريات وضمان المحاكمة العادلة، مؤكدًا أن المحاماة جزء من منظومة العدالة ومن البلاد. واعتبر بالثابت أن المسيرة تهدف إلى إيصال رسالة إلى السلطة مفادها أن إصلاح البلاد وتطويرها لا يمكن أن يتحققا إلا من خلال حوار مجتمعي لا إقصاء فيه. ويضع هذا الموقف الحوار بين السلطة والمنظمات الوطنية والقوى السياسية في قلب النقاش بشأن مخرج الأزمة، في وقت تتباين فيه مواقف الأطراف بشأن شروط هذا الحوار وحدوده والجهات التي ينبغي أن تشارك فيه. وتكتسب مشاركة الاتحاد العام التونسي للشغل وعمادة المحامين ونقابة الصحفيين وفعاليات المجتمع المدني أهمية خاصة بالنظر إلى الأدوار التي اضطلعت بها هذه المنظمات في محطات مختلفة من تاريخ البلاد، وإلى ما تمثله من قنوات للتعبير الاجتماعي والمهني والحقوقي.

تطرح المسيرة أسئلة كثيرة بشأن قدرة الأطراف المشاركة على تحويل الحضور المشترك في الشارع إلى تنسيق مستمر، في ظل اختلاف خلفياتها ومقارباتها السياسية، ومدى إمكانية بناء أرضية تجمع المطالب الاجتماعية والحقوقية مع الدعوات إلى تغيير المسار السياسي. كما يظل حجم المشاركة، على أهميته، عنصرًا واحدًا في تقييم أثر التحرك؛ إذ يرتبط ذلك أيضًا بقدرة المنظمات الوطنية والمدنية والقوى المعارضة على مواصلة التعبئة، وتحديد مطالب مشتركة، وتوسيع المشاركة خارج الفئات المنخرطة تقليديا في الاحتجاجات. وفي المقابل، تفتح المسيرة الباب أمام تساؤلات بشأن طريقة تعاطي السلطة معها: هل تتجه إلى احتواء الرسائل التي حملتها عبر حوار مع المنظمات الوطنية؟ أم تتمسك بمقاربتها السياسية الحالية؟ أم تتعامل مع التحرك باعتباره احتجاجا ظرفيا لا يستدعي تغييرا في سياستها؟ وتبقى الإجابة مرتبطة بما ستشهده الأيام المقبلة من مواقف رسمية وتحركات نقابية ومدنية وسياسية، وبمدى قدرة الأطراف المشاركة على الحفاظ على تقاطعها الحالي وتحويله إلى مسار عمل مشترك. وبينما أعاد شارع الحبيب بورقيبة جمع آلاف التونسيين حول شعارات سياسية وحقوقية واجتماعية، يظل السؤال الأهم متعلقا بمصير هذا التحرك: هل سيكون محطة احتجاجية عابرة، أم بداية لتنسيق أوسع يعيد رسم العلاقة بين السلطة والمنظمات الوطنية والمعارضة، ويفرض توازنات جديدة في المشهد التونسي؟

شارك الخبر: