من سرير وكوب ماء بارد إلى رفاهية مفقودة: قصة البديهيات في غزة


هذا الخبر بعنوان "سرير وكوب ماء بارد.. قاموس البديهيات المفقودة في غزة" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في ظل الدمار والنزوح في غزة، تتجسد رحلة البحث عن أبسط تفاصيل الحياة والأمان في مشاهد تختصر معنى "البديهيات المفقودة". يقول أحد سكان غزة في حديثه للجزيرة: "نفسي أنام على تخت زي الأول، ونقعد على البرندة نشرب كوباية شاي". هذه الأمنية البسيطة، التي لا تتطلب بيتًا جديدًا أو سفرًا، تعكس انقلابًا جذريًا في مفهوم الحياة. فما كان يُعدّ بديهيًا، كالنوم على سرير، شرب الماء البارد، أو عودة الطفل سالمًا من المدرسة، أصبح اليوم مطالب تتطلب صبرًا وجهدًا ومخاطرة، وذلك بعد ثلاث سنوات من الحرب والنزوح.
لا تقتصر المعاناة على قائمة المفقودات، بل تكشف عن منطق متسلسل لانهيار شامل. يبدأ بفقدان الأمان، الذي يقضي على القدرة على حماية المساحة الخاصة، ثم تدبير المعيشة، وصولًا إلى تأمين المستقبل. كل طبقة من هذا الانهيار تجعل الطبقة التي تليها أكثر صعوبة، مما يمنح عبارة "قاموس البديهيات المفقودة" معناها العميق.
الأمان أولاً: يضع أحد السكان "الأمن والأمان" على رأس قائمة ما فقده، مشيرًا إلى أن الخوف بات يسيطر على تفاصيل الحياة اليومية، حتى أثناء النوم. أي صوت انفجار أو مرور سيارة يتحول إلى فزع فوري ومخاوف من استهداف مفاجئ. هذا الانعدام في الأمان يتجلى بأقسى صوره في فقدان الأبناء، حيث يروي أبٌ استشهاد نجله الأول تحت الركام، وفقدان الأثر عن نجله الثاني الذي خرج لشراء الطحين ولم يعد. وتعيش أمٌ أخرى قلقًا مستمرًا على ابنها الوحيد.
بيت مكشوف: تأتي المساحة الخاصة كطبقة تالية بعد الأمان. فالمأوى ليس مجرد جدران تقي من العوامل الجوية، بل هو حيز يحفظ الخصوصية والكرامة. تصف إحدى النازحات كيف غابت الخصوصية تمامًا في ظل تقاسم الفصل المدرسي الواحد بين عدة عائلات، مما حرم الأطفال من غرفهم وأسرتهم المستقلة. سيدة أخرى دمر منزلها ثلاث مرات وفقدت أثاثها، لتجد نفسها مريضة في خيمة قبالة البحر. هنا، تستعيد أمنية السرير والشرفة معناها الأوسع؛ فالسرير هو الحد الفاصل بين الجسد والأرض، والشرفة هي الحد الفاصل بين الأسرة والعالم.
تحديات الحياة اليومية: مع غياب الكهرباء والأجهزة، تنتقل أعباء المهام المنزلية إلى أجساد الناس وأوقاتهم. يشير أحد السكان إلى أن غياب الثلاجة يفسد الطعام ويحرم الأسرة من ماء بارد في ذروة الصيف. سيدة أخرى تقضي عامها الثالث تغسل الملابس يدويًا وتطهو على الحطب، مما تسبب بحروق لابنتها. وفي مراكز الإيواء، يواجه النازحون خطرين عند ذهاب النساء والأطفال إلى حمامات بعيدة وغير نظيفة ليلاً: الحركة في الظلام تحت تهديد الاستهداف، وسوء الوضع الصحي.
مدرسة بعيدة: يمثل التعليم الجسر الوحيد نحو مستقبل مختلف. يعبر طفل عن اشتياقه لروتينه المدرسي وزيه وقرطاسيته ولقاء معلمته وأصدقائه. يحذر أحد الأهالي من أن الأطفال يتجهون نحو الأمية بسبب بُعد المدارس الخيامية وخوفهم من الاستهداف في الطريق. غياب التعليم لا يعني فقدان الدروس فحسب، بل فقدان الفاصل الزمني الذي يميز طفولة الطفل عن الحرب المحيطة به.
تكشف هذه الشهادات أن "قاموس البديهيات المفقودة" ليس مجرد استعارة للبؤس، بل وصف لآلية تفرغ بها الحرب حياة الإنسان من مقوماتها بالتتابع. فقدان الأمان يجعل الحركة خطرًا، وغياب المسكن يجعل الخصوصية مستحيلة، وتعطل البنية التحتية يحول كل مهمة إلى استنزاف، وانهيار التعليم يصادر المستقبل. الانهيار هنا يتسلسل، وكل طبقة شرط لما بعدها. إعادة الإعمار ليست مجرد بناء جدران؛ فما دام خروج الطفل إلى المدرسة أو ذهاب رجل لشراء الطحين لا يضمن عودته، يبقى كل بند من بنود الحياة العادية معطلاً من جذوره. يطرح هذا الواقع سؤالاً عمليًا: هل يكفي بناء الجدران قبل استعادة "منطق العادي" الذي يجعل الحياة ممكنة؟ يقاس الزمن في غزة ليس بما ينجزه المرء، بل بعدد البديهيات التي ما زالت بعيدة المنال.
سياسة
منوعات
عاجل
سياسة