تعز تحت وطأة الحرب: تفاصيل الحياة اليومية على خطوط التماس


هذا الخبر بعنوان "الجزيرة نت في تعز.. تفاصيل الحياة على وقع الحرب" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في تعز، وعلى مقربة من خطوط المواجهة في غرب المدينة، تتداخل أصوات الحرب مع تفاصيل الحياة اليومية بشكل لافت، خاصة بالقرب من جبل هان الاستراتيجي. عند وصولنا إلى أقرب نقطة من خط التماس عند تقاطع شارع الثلاثين، حوالي الساعة العاشرة صباحًا، كانت المواجهات قد اندلعت بالتزامن مع وصولنا. تتداخل أصوات المدافع مع معاناة المدنيين العالقين، بينما تتحول طرق العبور إلى مسارات محفوفة بالمخاطر.
رافقنا سائق حافلة أجرة يدعى ماجد المعافري، انطلق من وسط تعز باتجاه منطقة النشمة بحثًا عن الغاز لتعبئة أسطواناته الفارغة، بعدما تعذر الحصول عليه بسهولة داخل المدينة. يقول ماجد للجزيرة نت: "خرجت قبل يومين وكان الوضع حذرًا، لكن خط البيرين يشهد تشديدًا وانتشارًا مسلحًا، لذلك نضطر للذهاب نحو النشمة بحثًا عن الغاز".
ويضيف ماجد أن سعر أسطوانة الغاز في مناطق سيطرة الحوثيين بالبيرين والنشمة، في أرياف تعز، يبلغ 20 ألف ريال يمني بالعملة الجديدة، أي ما يعادل نحو 50 ريالًا سعوديًا. ويشير إلى أن السكان يواجهون صعوبات في التعامل بالعملة المحلية الجديدة، في ظل رفض تداولها في تلك المناطق.
رصاص راجع ومعاناة العالقين
عند الاقتراب من منطقة عُقاقة، وجدنا عشرات الأسر والمركبات متوقفة بانتظار السماح لها بالعبور. بالقرب من نقطة الهنجر، آخر مواقع التماس للقوات الحكومية، اشتدت المواجهات في محيط جبل هان، وتساقطت رصاصات راجعة بالقرب من المركبات. اضطر عدد من المسافرين إلى العودة بعدما منعهم مسلحون حوثيون عند نقطة الهنجر من مواصلة الطريق.
على رصيف في منطقة عُقاقة المتاخمة لمنطقة الضباب غرب تعز، تكدست مشاهد الانتظار والخوف. نساء ورجال وكبار سن وأطفال ظلوا يترقبون تطورات المواجهات وسط أصوات القذائف المترددة في محيط جبل هان. داخل الحافلات، كانت الأمهات يرددن أدعية، فيما تعذر على المسافرين مواصلة طريقهم مع استمرار الاشتباكات وإغلاق المسار.
لم تقتصر المعاناة على القادمين من خارج المدينة؛ إذ وجد أبناء منطقة الضباب وأرياف تعز أنفسهم عالقين أيضًا، بعدما حالت المواجهات دون وصولهم إلى منازلهم. رصدت الجزيرة نت مسافرين تقطعت بهم السبل بسبب الاشتباكات على خط الضباب ومدخل المدينة وحدائق الصالح المحاذية لنقطة الهنجر.
يقول الشاب لؤي غالب، وهو من أبناء الضباب، للجزيرة نت: "أنا من الضباب، وأريد العودة إلى بيتي، لكن الحرب اليوم شرسة.. ماذا نفعل؟ إما الوصول للمنتصف أو العودة للمدينة، نحن أساسًا محاصرون في تعز، مقدر لنا العذاب دائمًا".
تداعيات الحرب على الحياة الأساسية
لا تقتصر تداعيات المواجهات على تعطل حركة المسافرين، بل تمتد إلى الاحتياجات الأساسية للسكان، من الغاز المنزلي والمواد الغذائية إلى المياه والنظافة العامة، في مدينة تعاني أصلاً من آثار الحرب والحصار.
أزمة المياه والنظافة
في ملف المياه، تعتمد تعز على آبار منطقة الضباب، التي تمثل أحد مصادر إمداد المدينة. لكن الإمدادات القادمة من المنطقة تراجعت بشدة، وفق الأهالي، بعد سيطرة الحوثيين عليها، ما يثير مخاوف من تفاقم أزمة المياه.
وتواجه المدينة، بالتوازي، أزمة بيئية مع تعذر الوصول إلى مكب النفايات الرئيسي الواقع بالقرب من نقطة الهنجر. ومع تحول المنطقة إلى ساحة للمواجهات، أصبحت عمليات نقل المخلفات أكثر صعوبة، ما يهدد بتراكم النفايات في الشوارع والأزقة، ويزيد الأعباء الصحية والبيئية على السكان.
أزمة الغاز والسلع الأساسية
أما الغاز المنزلي، فقد تحول الحصول عليه إلى رحلة شاقة تتطلب البحث خارج المدينة وتحمل تكاليف إضافية. ويضطر السكان إلى البحث عن بدائل لتلبية احتياجاتهم اليومية، في وقت ترتفع فيه كلفة الحصول على السلع والخدمات الأساسية. يقول المواطن نذير السامعي للجزيرة نت: "منذ أسبوع كامل وأنا أشتري الفحم لأطهي الطعام عليه".
خلال جولة ميدانية للجزيرة نت في بئر باشا، تحدث محمود علي، وهو اسم مستعار بناء على طلبه، عن الصعوبات التي يواجهها في توفير الدقيق. قال إنه اشترى الأسبوع الماضي كيسا من القمح بسعر وصل إلى 55 ألف ريال يمني. ورغم أن سعر قرص الروتي لا يزال مستقرًا، فإنه يؤكد أنه بات عاجزًا عن العثور على القمح في السوق بسهولة.
تصريحات رسمية ودعوات للتدخل
يقول مدير مكتب الصناعة والتجارة في تعز، عبد الرحمن القليعة، إن الحرب والحصار المستمرين منذ 12 عامًا تسببا في كارثة إنسانية، تمثلت في نقص حاد في المواد الغذائية والأدوية والمياه والمشتقات النفطية، ما فاقم معاناة نحو 2.8 مليون نسمة في المدينة.
ويضيف القليعة أن المكتب بذل جهودًا، بتوجيه من محافظ تعز نبيل شمسان، للتواصل مع جهات دولية بهدف تأمين دخول شاحنات السلع الغذائية والأدوية والمياه والمشتقات النفطية. ودعا الحكومة ودول التحالف والمجتمع الدولي والمنظمات الدولية إلى التدخل العاجل لإنقاذ سكان تعز والعمل على فك الحصار المفروض عليها.
كلفة باهظة للبقاء
في طريق العودة، رافقنا سائق الحافلة علي سيف وعددا من الركاب الذين أنهكتهم الأزمة المعيشية. تحدثوا عن ارتفاع تكاليف التنقل وصعوبة تأمين احتياجاتهم. لخّص سيف جانبا من معاناته في محاولة توفير الوقود اللازم لمواصلة عمله، قائلاً للجزيرة نت: "والله إنني نزعت أسطوانة الغاز الخاصة بمنزلي وركبتها في الباص لأستطيع طلب الرزق".
يوضح سيف أن تعبئة الأسطوانة كلفته ما بين 35 و40 ألف ريال يمني، أي ما يعادل نحو 100 ريال سعودي، وهو ضعف السعر الذي ذكره في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين. يؤكد سيف أنه لا يجرؤ على المخاطرة بالعبور إلى تلك المناطق رغم فارق السعر.
ولا تقتصر الأعباء على الوقود؛ إذ يقول سيف إن أجرة الراكب الواحد داخل المدينة ارتفعت إلى 500 ريال يمني، بعدما كانت 200 ريال سابقًا، نتيجة إغلاق الطرق وتغير مسارات التنقل.
تتعدد أوجه الأزمة المعيشية في تعز، بين المسافرين العالقين قرب خطوط المواجهة، والأسر التي تبحث عن الغاز، والمواطنين الذين يواجهون صعوبة في الحصول على القمح والمياه. يزيد التصعيد العسكري الضغوط على حركة المدنيين والخدمات والإمدادات، في وقت يطالب فيه المسؤولون المحليون بتدخل عاجل لتخفيف معاناة السكان.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة