حزب الله: قصة صمود العنقاء الجنوبية في وجه التحديات الكبرى


هذا الخبر بعنوان "عنقاء الجنوب.. قصة عودة حزب الله من تحت الرماد" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٦ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في صباح 28 سبتمبر/أيلول 2024، استيقظت بيروت على نبأ وفاة الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله. بثّت قنوات "المقاومة" آيات قرآنية في أجواء حزينة، وتوافد أنصار الحزب إلى الشوارع نائحين على زعيمهم الذي قضى تحت قصف مكثف. في خضم هذا المشهد، غادر المقاتل محمد الحداد بيروت جنوبًا، ليس هاربًا بل "غازيًا". وصل الحداد إلى صور، ومن ثمّ أبحر إلى الناقورة بعد ثلاثة أيام، حيث بدأ في إعادة تنظيم صفوف المقاتلين المتبقين. كان يدرس الخرائط ويوزع عليها تسعة أعمال تكتيكية عسكرية، وكأنه يقود جيشًا كاملًا، متصرفًا "بروح قائد للجبهة الجنوبية".
لاحظ الحداد قلة المواد الإعلامية القادمة من الجبهة، فقرر تعديل خططه وبدأ بالاستعداد للهجوم على موقع شمعون الصفا شمال الناقورة. كانت هذه العملية فرصة للإعلاميين في صور لنقل صور مباشرة، وقد نجح مع مجموعته في إشعال دبابات الاحتلال، مما أثبت أن السيطرة الإسرائيلية على الجنوب ليست محكمة. بعد ذلك، عاد محمد إلى الناقورة وأحدث خرقًا في الجدار الحدودي الإسرائيلي قبل وقف الحرب، وتسلل إلى فلسطين لاستطلاع مستوطنة شالومي. في اليوم الأخير للحرب، تعرضت الناقورة لغارات إسرائيلية مكثفة، لكن محمد وصاحبه كانا يعرفان السبب الحقيقي وراء هذه الغارات. لم يُعثر على جسد محمد، لكن أثره ظل في أرض الجنوب كرمز للمقاومة.
لم يكن حسن نصر الله قائدًا عاديًا. منذ توليه قيادة الحزب عام 1992، أصبح وجه الحزب في الوعي الشعبي. أشرف على الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، وقاد الحزب في حرب 2006. وصفت مؤسسة تشاتام هاوس اغتياله بأنه "الأسوأ في تاريخ حزب الله"، نظرًا لدوره المتعدد الأوجه. خلفه في المنصب نعيم قاسم، الذي كشف أن الحزب خسر حوالي 5 آلاف قتيل و13 ألف جريح خلال المواجهة. تشير التقديرات الإسرائيلية إلى تدمير 80% من المنظومة الصاروخية للحزب، وخسارة مركزة للقيادات العليا.
لم تتوقف الخسائر عند الميدان. فمع سقوط نظام بشار الأسد، فقد الحزب شريانًا لوجستيًا حيويًا يربطه بطهران. كما أغلقت الحكومة اللبنانية الممرات الجوية، وفرضت عقوبات مالية على مؤسسات الحزب، بما في ذلك جمعية القرض الحسن.
أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 "هزيمة حزب الله"، لكن الحزب أظهر قدرة على الصمود والتعافي. بدأت الحكومة اللبنانية في أغسطس/آب 2025 حصر سلاح حزب الله بيد القوى الأمنية، لكن الحزب رفض هذه الخطوة، محذرًا من عواقبها.
في 2 مارس/آذار 2026، اندلعت حرب جديدة قلبت المعادلة. نسفت إسرائيل الجسور على الليطاني، ووافق نتنياهو على مفاوضات لنزع سلاح حزب الله. نص "اتفاق الإطار" على نزع سلاح الحزب وانسحاب إسرائيلي تدريجي، لكن إسرائيل انسحبت من بلدات لا تحتلها، والدولة تسلمت ما لم يُؤخذ منها.
تتناول المقالة أيضًا كيف صورت إسرائيل العرب في أفلامها، وكيف تعاملت مع حزب الله بناءً على فهم خاطئ لطبيعته. فقد استندت إسرائيل إلى دراسات تفترض أن حزب الله سيتجنب الحروب الصفرية بسبب مخاوف الهوية والبقاء، واقترحت استراتيجية "الإيلام الأقصى". لكن حرب 2 مارس/آذار أثبتت خطأ هذه الفكرة، حيث دخل حزب الله الحرب ردًا على هجمات على إيران واغتيال المرشد علي خامنئي.
بعد اغتيال نصر الله، عمل الحزب على تحويل الحدث إلى وقود لدعم "خيار المقاومة"، مؤطرًا الحدث دينيًا ووصفه "شهادة لا اغتيالًا". أظهر الحزب قدرته التشغيلية، مؤكدًا استمرارية التنظيم. أكد قائد المنطقة الشمالية في جيش الاحتلال الإسرائيلي رافي ميلو أن الجيش فوجئ بقوة حزب الله وقدرته على التعافي.
يعود سوء التقدير الإسرائيلي إلى فهم خاطئ لطبيعة حركات "اللاحركات الاجتماعية" التي تنتمي إليها حركات المقاومة. هذه الحركات تتميز بأنشطة جماعية غير منسقة، تنتج تغييرًا، لا تحكمها الأيديولوجيا، ولا تشترط وجود قيادة رسمية. حزب الله، رغم تنظيمه، ولد من رحم حالة مجتمعية غير منظمة ردًا على الاجتياح الإسرائيلي عام 1982.
في أعقاب موجة الاغتيالات الإسرائيلية، لم يُصدر الحزب تعيينات رسمية، بل أعاد توزيع المهام على الكوادر الباقية. كشف مقتل القائد العسكري هيثم علي طباطبائي عن آلية هذا النهج، حيث شغل منصب رئيس الأركان بالوكالة دون إعلان رسمي. تهدف هذه السياسة إلى إبعاد القادة عن الاستهداف الإسرائيلي.
أظهرت الأرقام أن إسرائيل وجهت معظم عملياتها نحو المقاتلين في الرتب الدنيا، بينما نال القادة الكبار نسبة قليلة. هذا التركيز أدى إلى تعطيل العمليات اليومية دون المساس بالبنية المؤسسية الأعمق للحزب.
واصل المهندسون وخبراء التسليح تطوير طائرات مسيّرة رخيصة، وأسسوا خطوط تجميع محلية. كما استمرت إيران في ضخ الدعم المالي، ووسع الحزب شبكاته في أمريكا اللاتينية ولجأ إلى العملات المشفرة.
أظهر القادة الميدانيون الناجون قدرة على رأب الصدع وإعادة لحمة الوحدات المبعثرة. يُرجّح أن قادة مثل محمد حيدر وطلال حمية وخليل حرب تولوا سد الفراغات، وأبقوا على تماسك القيادة.
في فجر 2 مارس/آذار 2026، شنت إسرائيل غارات على الضاحية مستهدفة قيادات الحزب، لكن لم يصب أحد بأذى. استطاع الحزب تلافي الاختراق الأمني، وتجاوزه دون علم إسرائيل. أدى الاستهداف الإسرائيلي لشقق ومنازل غير محدثة أو مضللة إلى قلق إسرائيلي وضعف الزخم الناري.
يصف الباحث الأمريكي مات ماثيوز حزب الله بأنه قوة صاروخية لها ذراع مشاة صغيرة، لكنه فرض معادلة لا يُستهان بها. كان سلاحه أداة سياسية تكسر إرادة إسرائيل في مواصلة المعركة.
على الحدود الشرقية، عززت سوريا قواتها لمنع انتقال تداعيات الصراع. أحبطت الداخلية السورية تهريب شحنة أسلحة لحزب الله. دعا وزير الخارجية الأمريكي دمشق إلى تأمين حدودها.
تعامل الحزب مع الجدار الحدودي بمنطقين: رفع التأهب على امتداد الحدود مع سوريا، وشيّد تحصينات. سياسيًا، أبدى الحزب استعدادًا للقاء القيادة السورية. ورغم ذلك، استمر الحزب في محاولة استخدام الطريق نفسه، وضبطت السلطات اللبنانية شحنات متفجرات كانت تُنقل من شرق البلاد.
في مايو/أيار 2026، أشار تقرير إسرائيلي إلى تهديد طائرات حزب الله المسيّرة المتفجرة. ما لم تنتبه له إسرائيل هو إمكانية عمل حزب الله بمحلقات ذات ألياف بصرية، بعيدًا عن التشويش الإلكتروني.
قال قائد أركان حزب الله الراحل الحاج أبو علي طباطبائي إن غاية الردع لا ترتبط بامتلاك القدرة فحسب، بل بعجز الإسرائيلي عن التعاطي مع هذه القدرة. أسس طباطبائي أساليب مغايرة في الحرب اللامتناظرة، حيث ينازع العدو سيطرته على السماء عبر تقنية المسيّرات.
في 2 سبتمبر/أيلول 2026، أطلق الحزب مسيّرتين متفجرتين على جنود إسرائيليين. كان الرد الإسرائيلي على المدنيين في القرى، مما حول المناطق الملاصقة للخط إلى "منطقة محروقة".
في الناقورة، لم يُعثر على جسد محمد الحداد، ولم يُعثر على الحزب الذي نعته إسرائيل. فالرجل الذي خرج من صور في قارب، وحده، نحو جبهة قال العالم كله إنها انهارت، لم يكن يحمل خطة لإنقاذ تنظيمه. أخطأت إسرائيل مرتين: حين ظنت أن النعي كان لحزب الله لا لـ"العبد الصالح"، وحين حسبت أن الثمن الذي دُفع كان كافيًا لإقناع بيئة الحزب بأنها قد هُزمت.
العنقاء في الأسطورة تحترق لتعود. والحزب احترق فعلاً؛ خسر أمينه العام ومجلسه الأعلى ورؤساء أركانه، وخسر الطريق البري والطائرات الإيرانية والقرض الحسن. ما لم يحترق هو الشبكة التي لا يراها الطيار من ارتفاع عشرة آلاف قدم: جار يحمل رسالة في جيبه، ومهندس في ورشة بلا اسم يجمّع محلّقة بألياف بصرية بمئات الدولارات لتسقط دبابة بملايين. هذه الشبكة بُنيت عام 1982، يوم لم يكن ثمة حزب بعد، وكان ثمة ناس في الجنوب قرروا أن الجيش الغازي لن يبيت ليلته هادئًا. لذلك لا معنى للسؤال الذي يكرره الإسرائيليون كل صباح: كم بقي من صواريخ الحزب؟ السؤال الذي لم يطرحوه قط هو: كم بقي في الجنوب من محمد الحداد؟
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة